الآباء لا يموتون قتلا

الآباء لا يكذبون، لذلك يموتون باكرا، دون مرثيات، ويرحلون بأكفان أنيقة ودون جيوب.. الآباء يموتون دائما دون علم الأبناء وفي غفلة هنّ فيها التعب.
الثلاثاء 2020/06/23
يا أبي حلو المحيّا ضمني ضمّا قويا

إلى صديقي الذي توفي والده يوم عيد الأب، انضم أخيرا إلى “نادي اليتامى”، وصار ينافسني على الرئاسة الشرفية بعد أن ازداد عدد أعضائه ومنخرطيه.

انظر، كم نحن غرباء.. مستوحشون وعاطلون عن الفرح بعد أن كنّا نشاكس آباءنا، نحلف برحمتهم قبل أن يموتوا. ونظنّ أننا سوف نعيش دون أبناء.

انظر كم كان الآباء حرّاسا للأمان وشمّاعات للهزائم. انظر كم كانت أمهاتنا يطلن التفاوض معهم ويستشرفن اليتم والطرقات.

لم يكن أبي إلاّ أبي.. يسخر من هرطقتي ويتحسّس جسده النحيل كلما أوغلت في العصيان، ويتأمّل صورة ابني كلما اتهمني أحدهم بالعقوق..

أبي وأبوك كانا رجلين من التحمّل والوقوف الطويل أمام صورنا قبل المدارس والزوجة والجيران والتاريخ.

لقد غابا انتصارا لما سوف يأتي ورهانا على المستحيل.. ما أسهل المستحيل وما أصعب المتوقّع.

الآباء لا يكذبون، لذلك يموتون باكرا، دون مرثيات، ويرحلون بأكفان أنيقة ودون جيوب.. الآباء يموتون دائما دون علم الأبناء وفي غفلة هنّ فيها التعب.

الآباء أقل حظا من الأمهات. وألصقت بهم شتى نعوت وصور التسلط والبطريركية عبر قراءات وإسقاطات جائرة، دعمتها مدارس التحليل النفسي وعمقت تلك الصورة الرهيبة الموحشة للأب وهو يمسك بعصا السلطة ويزمجر في الزوجة والأبناء.

تشكلت هذه الحالة القاتمة كقناعة راسخة في أذهان معظم مثقفي القرن الماضي حتى أصبح “قتل الأب” مصطلحا يلوكه الجميع، ويمارسه الجميع على الجميع فأمسينا وكأننا في ميتم كبير وفسيح. الكل يرفض البنوة والأبوة.. والكل يقتل الكل.

اهتمت الآداب والفنون بالأمهات الثكالى والأرامل من المتشحات بالسواد، ولم تعر انتباها للآباء المفجوعين من المتسربلين بالصمت والمكابرة. الأمر الذي جعل الشاعر محمود درويش، يقول في واحدة من أصدق قصائده “الشهيد يحذرني: لا تُصدّق زغاريدهنَّ، وصدّق أبي حينَ ينظر في صورتي باكيا.. كيف بدَّلنا أدوارنا، يا بنيّ، وسرت أمامي؟”.

وبصرف النظر عن الصفة التجارية البحتة لعيد الأب، وما يمكن أن تسببه من بعض الحركة في الأسواق الكاسدة، إلا أن هذه المناسبة المستحدثة تحيل إلى عاطفة صادقة، طازجة و”غير عضوية” كما هو الحال بالنسبة للأم. يكفي أن تأتيني ابنتي هذا الصباح لتقبلني وتنشدني “يا أبي حلو المحيّا ضمني ضمّا قويا”.

تذكرت ما كتبته يوما، على لسان أبي “جئت بوزن حفنة قمح، همست بالتكبير في أذنك اليمنى فتسرّب صوتي إلى اليسرى، قبّلتك وأنا أخاف أن يجرحك شعر ذقني وتخنقك أنفاس تبغي ولهفتي ثم أعدتك إلى أمّك التي استودعتها إياك في ليلة باردة. كنت أقبّل اسمك قبل رأسك بعد السنوات الإناث”.. مازلت إلى الآن حفنة قمح في مهبّ الروح وظلال سنابل فوق قبرك يا أبي.

24