الآبار الكبريتية جنة الصحراء المصرية

تشكل الواحات المصرية منبعا فريدا للمياه الحارة ذات الخصائص العلاجية التي يبحث عنها السياح، إذ بفضل المئات من العيون يمكن للزوار المحليين والأجانب على حدّ السواء من التمتع بالاسترخاء في مكان ساحر لم يتخيلوه من قبل.
الأحد 2018/02/25
رحلة لا تتكرر كثيرا

الواحات (مصر) - تتصدر الواحات البحرية المصرية، الواقعة في الجنوب الغربي من القاهرة، وتبعد عنها بنحو 400 كيلومتر، أهم مناطق السياحة العلاجية في مصر، وتمثل وجهة للكثير من مرضى الروماتيزم والأمراض الجلدية، وقد اكتسبت شهرة واسعة في هذا المجال.

وتحتضن الواحات البحرية وحدها نحو 390 عينا للمياه المعدنية والكبريتية، وتستخدم في الاستجمام والاستشفاء في الصيف والشتاء، وتخرج المياه من أعماق الصحراء، ويصل عمق البئر الواحدة نحو 200 متر.

وتمثل آبار المياه الكبريتية مراكز استشفاء طبيعية للسكان والزائرين من جنسيات مختلفة، الذين يتعاملون مع مياه الآبار باعتبارها ثروة طبية من صنع الطبيعة.

وميزة الآبار الكبريتية أنها تقع في بيئة ساحرة وتحيط بها الجبال والكثبان الرملية والزراعات الخضراء أيضا، ما دفع الكثير من الناس إلى إطلاق لقب “جنة الصحراء المصرية” على الواحات البحرية، لما تزخر به من أجواء نادرة.

ومع أن الطبيعة في الواحات تميل إليها المجتمعات التي تحكمها العادات والتقاليد والموروثات القديمة، لكن سكانها يتعاملون مع الوفود السياحية بطريقة خاصة، ولا سيما الأجيال الجديدة التي بدأت تتوسع في إنشاء الفنادق والمراكز الصحية وتقديم الخدمة بأسعار زهيدة، مع تعلم اللغات الأجنبية لإغراء السياح بالذهاب إلى المنطقة.

وحتى وقت قريب كانت الواحات البحرية مركز جذب للكثير من الجنسيات العربية والأجنبية للاستمتاع بالطبيعة الصحراوية والقيام برحلات سفاري، إلى أن أصدرت الجهات الأمنية قرارا بوقف التجوال وبقيت الفنادق خاوية وبات استخدام الآبار الكبريتية مقتصرا على المصريين.

الواحات البحرية وحدها تحتضن نحو 390 عينا للمياه المعدنية والكبريتية، وتستخدم في الاستجمام والاستشفاء في الصيف والشتاء، وتخرج المياه من أعماق الصحراء

وبحسب ما قاله سكان في المنطقة لـ”العرب” فإن مياه هذه الآبار الكبريتية تعالج أمراضا كثيرة، مثل الروماتيزم والأمراض الجلدية بمختلف أنواعها والنقرس وغيرها، لما تحتويه من نسبة عالية من المعادن والحديد، ولا تفرض الحكومة رسوما مالية نظير استخدامها.

وأثبتت بحوث عديدة الأهمية العلاجية للمياه الكبريتية الموجودة في صحراء الواحات البحرية، التي تخرج عبر ماكينات رفع المياه وقد قامت السلطات ببناء آبار مجاورة تصب فيها الماكينات هذه المياه، وتخرج من كل بئر فتحة عميقة لتوزيع الفائض داخل الأراضي.

واستحمام سكان الواحات في هذه الآبار يتم مرتين يوميا، حيث يتوافد الناس بكثرة للاستجمام والاستمتاع بالمياه الدافئة وسط الطقس البارد في الشتاء، أما الآبار الباردة فيقتصر استخدامها على فصل الصيف.

ويؤكد أحمد محمود، وهو شاب في الثلاثين من عمره لـ”العرب”، وكان يقف أمام بئر “عين سيجام”، أن النزول إلى المياه الكبريتية كل يوم شيء مهم في حياة سكان الواحات، لذلك لا ترى أحدا يشتكي من آلام أو خشونة في العظام ولا حتى تظهر على جسده أمراض جلدية.

وقال “أمضي يومي في ورشة النجارة ولا يمكن أن أعود إلى منزلي قبل الاستجمام نصف ساعة في هذه المياه التي ينطلق منها البخار بكثافة، وأشعر أنني في مركز استشفاء حقيقي أخرج منه وأنا في منتهى النشاط والحيوية”.

ولا تتوقف الآبار الكبريتية في الواحات عن ضخ المياه وتعمل على مدار الساعة وتنتشر حول بعض المنازل وبين المزارع وداخل المناطق الصحراوية.

وتعتبر “عين الثرو” الواقعة بمنطقة الباويطي من أندر العيون، ويقول السكان إن ماءها يزيد كلما تدفق الناس، وتنحسر إذا قلوا، ولدى الكثير من الناس اعتقاد راسخ بأن “الشخص الذي ينزل إلى هذه العين لا يمسه أذى طوال حياته”.

 الآبار الكبريتية في الواحات لا تتوقف عن ضخ المياه وتعمل على مدار الساعة وتنتشر حول بعض المنازل وبين المزارع وداخل المناطق الصحراوية.

ويوضح محمد حمدي، أحد العاملين في مجال السياحة العلاجية بالواحات، لـ”العرب” أن درجة حرارة بعض مياه الآبار الكبريتية الدافئة تصل إلى 60 درجة مئوية صيفا، لأنها تخرج من أعماق الصحراء.

ويشير إلى أن الكثير من الأجانب جاؤوا في سنوات ماضية إلى هذه الآبار للاستشفاء، فلا مثيل لها في العالم وتشفي من أمراض الجهاز العصبي وتخفف آلام الروماتيزم والتهابات الأعصاب المزمنة وأمراض الجهاز الحركي والهيكل العظمي وتساعد على شدّ البشرة وإزالة الترهلات.

وميزة هذه المياه، وفق كلام المرشد الطبي، أنها تحتوي على كميات كبيرة من عنصري المنغانيز والفوسفور اللذين يساهمان في تخفيف مستوى السكر في الدم لدى مرضى السكر، كما أن هذه العناصر مفيدة لمرضى هشاشة العظام وحالات نقص الفيتامين.

وهناك الكثير من عيون المياه الجوفية ضمن قائمة أماكن السياحة العلاجية في مصر ويصل عددها نحو 1450 عينا، لكن تظل تلك الموجودة بالصحراء الغربية في منطقة واحات الداخلة ومجموعة عيون حلوان وعين الصيرة في القاهرة ورأس سدر بسيناء، هي الأكثر جاذبية.

ويقول المختصون بمجال السياحة العلاجية أن عيون الواحات البحرية لا ينافسها مكان آخر باعتبارها الأكثر سخونة بين العيون والينابيع والآبار في مصر.

وتحتوي مياه الواحات على أعلى نسبة من الكبريت مقارنة بالآبار المنتشرة في أماكن أخرى، بالإضافة إلى العديد من الأملاح المعدنية ومعادن ذات قيمة علاجية مثل كربونات الصوديوم والماغنسيوم والحديد، فضلا عن أنها متوسطة الملوحة.

وتضم الواحات مزارات أثرية، وقد اهتم المصريون القدامى بالواحات البحرية وجاء من بعدهم الرومان، ومن أشهر تلك المناطق “يوسف سليم” التي تتواجد بها ست مقابر فرعونية منقوشة وملونة، إلى جانب ثلاث مناطق من المقابر التي تم الكشف عنها في منطقة الشيخ “سوبي”، وفي منطقة الفروج توجد أضخم مقبرة ترجع للعصر البطلمي.

كما توجد بالمنطقة الأثرية مجموعة من الكنائس والقصور والمقابر ترجع إلى عصور سابقة، منها مقبرة “بينا نيتو” التي تم اكتشافها عام 1938 وتعود أهميتها التاريخية إلى معرفة النهج المستخدم في طريقة الرسوم والنقوش والخطوط الفرعونية والألوان المستعملة آنذاك.

16