الآثار السورية.. نزيف يهدر الماضي ويهدد المستقبل

الجمعة 2013/08/16
دمار في كل مكان

مع دخول الصراع في سوريا شهره الثلاثين، هناك ما يثير القلق بشأن التراث الثقافي والأثري الفريد الذي حفظته البلاد لأكثر من أربعة آلاف عام. بعد أن تحولت كنوزها التاريخية إلى ميادين حرب، على يد القوات الحكومية والثوار. إذ تعرّضت بعض المواقع الأثرية في المناطق الساخنة لأعمال تنقيب وتخريب وسرقة، ونشطت عصابات تهريب الآثار، كذلك نشطت حركة التزوير، وتضررت بعض المباني الأثرية في بعض المحافظات، حيث تضم سوريا ستة مواقع مسجلة على لائحة التراث العالمي وهي دمشق القديمة، وبصرى القديمة، وتدمر، وحلب القديمة، وقلعة الحصن وقلعة صلاح الدين. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن هناك أكثر من 10 آلاف موقع أثري وتنقيبي في سوريا.

مع تصاعد النزاع المسلح في سوريا ودفع النظام بعنفه الثورة السورية للانتقال سريعاً من الطور السلمي إلى الطور المسلح، إذ عمد النظام منذ بداية الثورة إلى السيطرة على الأماكن الاستراتيجية في أغلب المدن والبلدات. وذلك بهدف السيطرة الأمنية وقمع التظاهرات. ومن أجل هذا الهدف قام بوضع الآليات العسكرية والجنود وصنع متاريس للقناصة على سفوح بعض التلال والقلاع الأثرية. وتقوم هذه القوات بقصف الأحياء إنطلاقاً من هذه المواقع دون تمييز بين موقع عسكري أو مدني أو أثري أو ديني.


صراع السيطرة


ومع تصاعد أعمال العنف، غادرت البلاد جميع بعثات التنقيب الأجنبية، لكن التنقيب السري ازدهر مستغلاً الحالة الأمنية المتردية، حيث باتت السرقة ممنهجة، والتهريب يتم عبر لبنان وتركيا إلى مختلف أنحاء العالم، بإشراف خبراء يقومون بالتأكد من صحتها. إذ تم نقل لوحات فسيفسائية تعود إلى المرحلة البيزنطية من متحف معرة النعمان ومناطق أخرى في محافظة إدلب عبر حلب إلى تركيا. كما تعرّض موقع دير مار مارون الأثري في براد، إلى السرقة وتخريب الكنيسة الموقتة وسرقة محتوياتها.

تعرض للنهب متحف التراث التربوي في حلب، الذي افتتح قبل أشهر قليلة من دخول المسلحين المدينة، وسرقت منه وسائل تعليمية وأجهزة علمية تعود للقرن التاسع عشر تم تجميعها من مدارس حلب العريقة. وقد شهدت القرى الأثرية في منطقة جبل الزاوية كالبارة ودير سنبل وعين لروس اشتباكات مباشرة عنيفة بين كتائب المعارضة المسلحة التي اتخذت من هذه المواقع ملاجئ ومراكز لشن الهجمات على قوات الجيش النظامي. وتشمل معالم أثرية لعدد من المساكن والمعابد الوثنية والكنائس والخزانات والمعاصر والحمامات العمومية.

وتحت هذا الظرف تمكن لصوص الآثار من تهريب مجموعة هامة وغير مكتشفة سابقاً من لوحات الموزاييك من بينها لوحة نادرة، كما تمكن اللصوص أيضاً من سرقة عمودين ضخمين من الطريق الرومانية القديمة «ديكومانوس» والتي كانت تمتد من الشرق إلى الغرب وتتقاطع مع «الكاردو» الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب حسب تخطيطات المدن الرومانية.

كذلك لم تسلم بيوت البعثات الأثرية من عمليات الاقتحام والسرقة والعبث بمحتوياتها، كما حدث في تل سكا وتل موزان ودورا أوروبوس وإيبلا وغيرها. أما مدينة تدمر في البادية السورية، فقد دفع النظام بدباباته وأسلحته الثقيلة لا سيما من ناحية المدافن البرجية في منطقة المقابر بالقرب من السور الكبير، كما تمركزت قوات من الجيش النظامي في قلعة ابن معن المطلة على المدينة الأثرية. وظهر الجنود على شريط فيديو التقط العام الماضي وهم يحملون حجارة القبور المنحوتة.

التنقيب غير الشرعي عن الأثار يطال كل المواقع السورية


نهب وتخريب


شخيموس علي رئيس «جمعية حماية الآثار السورية» في «ستراسبورغ- فرنسا» يؤكد هذا الكلام فيقول:» مع بدء الثورة ازدادت وتيرة هذه الأعمال بسبب غياب الأمن. فتم التنقيب بموقع دورا اروبوس على الفرات، وإكتشاف حوالي 300 حفرة ناتجة عن أعمال تنقيب غير مشروعة بحثا عن لقى أثرية. نفس الأمر حدث في تل سكا بريف دمشق وتل البيعة في الرقة».

يتابع: «كما تعرض موقع إيبلا للحفر السري، وكذلك موقع ماري وتل السن على الفرات قرب البوكمال، والعديد من المواقع في المدن الميتة بريف حلب وإدلب، كما تعرض موقع مدينة أفامية (60 كم شمال محافظة حماة) للحفر السري لأكثر من 5 آلاف حفرة، وسرقت العديد من اللقى الأثرية، لكننا لا نعرف الحجم الكلي لعدد هذه اللقى. وتمت سرقة تمثال لإله أرامي من القرن 8 قبل الميلاد مصنوع من البرونز ومغطى بالذهب من متحف حماة. وسرقة 18 دمية طينية من متحف قلعة جعبر على الفرات، وسرقة قطعة رخامية ربما تمثال من متحف أفاميا». وبالنسبة للمتاحف يقول شيخموس: «تعرضت عدد من المتاحف بلغ عددها 12 متحفا من أصل 36 للسرقة وللقصف. فمتحف دير الزور الذي تحول إلى ثكنة عسكرية، تعرض للقصف من قبل قوات المعارضة وسقطت 6 قذائف هاون على المتحف».

ويضيف: «لدينا معلومات حول سرقة ستة صناديق تحتوي على لقى أثرية من متحف الرقة من قبل بعض الكتائب المسلحة، حيث أن كتائب أحرار الشام قامت بنقل 3 صناديق كانت تحتوي على مجموعة من القطع الأثرية الهامة. كانت محفوظة في المصرف المركزي». ويتابع: «تعرض متحف «طيبة الإمام» شمال محافظة حماة والذي يحتوي على أكبر لوحة فسيفساء في العالم، حيث يبلغ حجمها 600 متر مربع إلى النهب أيضا». هذه الحالة دفعت بمديرية الآثار والمتاحف إلى محاولة الحد من هذه التعديات وخصوصاً المتاحف والمواقع الأثرية.


توثيق مقتنيات


مأمون عبد الكريم مدير عام مديرية الآثار والمتاحف يقيّم وضع الآثار في سوريا بالجيد عموماً فيقول: «مع بداية الأزمة تم إفراغ جميع المتاحف السورية من محتوياتها، ونُقلت إلى أماكن آمنة، مما أسهم في حمايتها». واقتصرت السرقات على تمثال برونزي مطلي بالذهب يعود للفترة الآرامية من متحف حماة، وقطعة حجرية رخامية من متحف أفاميا، كما سُرقت 30 قطعة من متحف معرة النعمان أثناء اقتحام مجموعة له منذ سنة تقريباً، في حين أن جميع لوحات الفسيفساء في المتحف بأمان ولم تتعرض للسرقة. وهو ما يعدّ نجاحاً كبيراً في ظل هذه الظروف.

ويتابع عبد الكريم: «كخطوة متقدمة قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف على توثيق مقتنيات جميع المتاحف السورية الكترونياً، كما يؤرشف فريق مختص معلومات عن وضع المواقع قبل الأزمة ووضعها الراهن والأضرار التي طالتها، وينجز فريق الخبراء حالياً خريطة للتراث الثقافي المتضرر في سوريا، تمهيداً لتحويلها إلى خريطة رقمية بالاعتماد على نظام المعلومات الجغرافي، مما سيمكّن المختصين من تحديد أولويات التدخل لعمليات الصيانة والترميم في مرحلة ما بعد الأزمة، وفق خطط عمل مطابقة للمعايير الدولية».

ويضيف: «وجّهت المديرية نداءً إلى المنظمات الدولية، وأعضاء ورؤساء البعثات الأثرية الأجنبية، وعلماء الآثار، ومثقفي العالم، للتحرك فوراً والبحث عن آليات فعّالة تضمن الضغط على الجهات المتورطة في تدمير آثار سورية ونهبها وتهريبها، لوقف هذا النزيف المحزن، عبر جهود دولية تدعم الجهود المحلية لمنع انجراف واقع الآثار إلى المجهول. علماً أن المديرية خاطبت سابقاً منظمة «اليونيسكو» بالأضرار التي تعرضت لها المواقع الأثرية السورية، وطالبتها بحثّ دول الجوار على ضبط حدودها ومنع الاتجار غير المشروع بالتراث الأثري السوري». لكن شيخموس علي مدير جمعية حماية الآثار السورية في ستراسبورغ يرى أنه: «قبل أن تقوم المديرية العامة للآثار والمتاحف بتوجيه نداء دولي لحماية الآثار السورية، عليها أن توجه نداء إلى الجيش النظامي السوري بضرورة إبعاد الآليات الثقيلة ومراكز القناصة عن المواقع والقلاع الأثرية، منها منطقة الحرم الأثري في تدمر المسجل على لائحة التراث العالمي ومن موقع أفاميا كذلك.


مبادرة أهلية


شعار «سوريا بلدي… الحملة الوطنية لحماية الآثار السورية»، دعت المواطنين، للمشاركة والمساهمة في حماية الآثار من السرقة والتخريب. ولاقت هذه الحملة تجاوباً وتعاوناً كبيرين في الشارع السوري، استمرت ثلاثة أشهر «لتشجع السوريين على الدفاع عن الهوية الحضارية السورية، وإشراكهم في حماية التراث من السرقة أو التخريب»، وأضافت على صفحتها الرسمية المحدّثة على الأنترنت خطاً ساخناً للتبليغ عن عمليات سرقة أو نهب، كما تأسست مجموعة من الحملات الطوعية (الفردية والجماعية) أخذت على عاتقها القيام بعملية توثيق شبه يومية للآثار المدمرة، عبر نشر أخبار مصدرها من مخبرين وناشطين وآثاريين في الداخل مزودة أحياناً بتقارير مصورة (فيديو أو صور)، منها، صفحة (الآثار السورية في خطر) على «الفيس بوك» و»اليوتيوب» وهي إحدى أهم المصادر التوثيقية حالياً، ومجموعة (معاً لنحمي آثارنا من النهب في حال حصول فراغ أمني) على «الفيس بوك».

الآثار السورية تختفي قطعة قطعة، حيث أصبحت سوريا مفتوحة أمام الجميع، ولا مجال للتعتيم على الأضرار أو السرقات التي لحقت بجميع المتاحف السورية. من يحاول التعتيم وإخفاء الحقيقة اليوم، سيكشف عنها غداً.

16