الآثار في خدمة الأيديولوجيا

الأربعاء 2016/11/02

ينشغل الجمهور الإسرائيلي هذه الأيام بقصة اكتشاف بردية من برديات البحر الميت عثر عليها قبل ثلاث سنوات مع مهربي آثار فلسطينيين! فيها عبارة أورشاليم، وبحسب المرجعيات الأثرية الصهيونية فإن هذا الاكتشاف يعد الدليل المباشر والعملي على أحقية اليهود بالقدس.

لا يخفى أن الموضوع برمته، يرتبط بقرار منظمة اليونسكو الذي رفض الربط بين المسجد الأقصى والتاريخ اليهودي، وهو ما استدعى ردود فعل إسرائيلية غاضبة، ليس أقلها استدعاء سفير تل أبيب من مقر منظمة اليونسكو. ولكن، المفاجأة هي هذه الضجة التي أشعلتها الحكومة الإسرائيلية، حول هذا الكشف المزعوم الذي يعيد تذكيرنا بمقولة الحق التاريخي التي بنت الصهيونية نظريتها عليها.

من السهل دحض هذا الادعاء، فاللغة العبرية التي كتبت بها البردية أحدث بكثير من التاريخ المفترض، وهو القرن السابع قبل الميلاد، بالإضافة إلى أن الكتابة على البردية، بحد ذاتها، عليها ملاحظات تقنية كثيرة تنفي قدمها!

وهي ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها علماء الآثار الصهاينة إلى تزوير أثر أو وثيقة تاريخية، فقد ثبتت عمليات تزوير كثيرة لنقوش قديمة، تذكر فيها أسماء لملوك يهود قدماء، وملوك من المنطقة ورد ذكرهم في التوراة، في سعي حثيث لتجاوز الإشكالية المعرفية الكبرى، المتمثلة في الهوة السحيقة بين الوثيقة التاريخية والنص الديني.

لقد كانت مقولة الحق التاريخي إحدى أهم مرتكزات النظرية الصهيونية في بحثها عن تبرير لفكرة أرض الميعاد، وهيمنت هذه الفكرة على معظم نتاجات الكتاب والفنانين المسرحيين والسينمائيين الإسرائيليين، ولذلك لم يقدم هؤلاء أعمالاً أدبية أو فنية ذات قيمة، ولا أحد يذكر عملاً لكاتب أو فنان صهيوني ترك أثراً في عالم الأدب أو الفن، والسبب أن الأيديولوجيا الصهيونية، وكونها أيديولوجيا عنصرية، هي في النهاية معادية للإنسان، ولذلك هي معادية للإبداع، وتتنافى مع القيم البشرية الكبرى التي استند إليها التراث الإبداعي العالمي. ولكن هذه النظرية التي فشلت في عالم الأدب والإبداع، نجحت في السياسة، وعليها قامت دولة إسرائيل، ولذلك فإن علم الآثار ضروري لاستمرار هذه الأكذوبة، وقضية الكشف بين الحين والآخر عن أثر مّا يدعي ثبتَ الرواية الدينية اليهودية أو يدعمها ، تبدو جزءاً من برنامج متواصل، لا يهدف إلى الحقيقة أو دعم البحث العلمي والتاريخي، بقدرما يريد دعم هذا الحزب الصهيوني أو ذاك!

ومن هذا المنطلق تبدو الصهيونية حركة شديدة الرجعية، بل ربما هي أكثر الحركات رجعية، نظراً لأنها تعتمد الأساليب نفسها التي أنتجت فاشية ونازية أواسط القرن العشرين.

كاتب من سوريا

14