الآذان المترصدة لمكالمات الرئيس في مصر: خلل أمني أم لعبة استخباراتية

الخميس 2017/02/02
أي علاقة تربط أجهزة الأمن المصرية؟

القاهرة - أذاعت إحدى الفضائيات الخاصة، المحسوبة على جماعة الإخوان، مساء الثلاثاء، تسريبات، قالت إنها لخمس مكالمات هاتفية بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، لتعيد بذلك الجدل حول مدى تأمين المعلومات في مصر وتثير تساؤلات عن ظاهرة التسريبات التي تظهر على الساحة في أوقات بعينها والأغراض السياسية من ورائها.

ودفعت التسريبات الأخيرة البعض من المتابعين إلى التساؤل عمّا إذا كان الأمر يمثل إهمالا من جانب البعض من العاملين بالوزارات ومؤسسات الدولة، أم أنه أمر يشي بعدم كفاءة البعض من الموظفين في تلك الهيئات، خاصة وأن جانبا من التسريبات يمس أحيانا أمورا تتعلق بالأمن القومي المصري.

وقالت مصادر لـ”العرب” إن هذه التسريبات الأخيرة، لم تتضمن ما يسيء إلى الحكومة المصرية، ولا إلى النظام برمته، بل على العكس أكدت اعتداله ورغبته في معالجة علاقات مصر الخارجية بالتوازن والموضوعية، وعدم ميله إلى تصعيد الأمور مع البعض من الدول العربية، التي شهدت علاقتها بمصر توترا في الفترة الماضية.

وأضافت المصادر أن الغرض من إذاعة التسريبات في وسائل إعلامية خارج مصر، لا هدف من ورائه غير ما سموه بالمكايدة السياسية، وتحقيق أهداف دعائية لإحراج الحكومة، خاصة وأن التسريبات أذيعت في إحدى الفضائيات التابعة لجماعة الإخوان التي تبث برامجها من خارج مصر (قناة مكملين). غير أن مراقبين آخرين شددوا على أن التسريب في حد ذاته يدلل على خلل إداري، وعدم تأمين المعلومات بشكل صارم ومنضبط، ما يسبب إحراجا للحكومة، وكانت تسريبات عديدة ظهرت في وسائل إعلامية، واشترك في إذاعتها معارضو الحكومة ومؤيدوها كذلك، ما أثار علامات استفهام كثيرة حول مدى قانونية هذا الأمر.

تضمنت تسريبات المكالمات الصوتية، التي أذاعتها فضائية “مكملين”، حوارات بين الرئيس عبدالفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، دارت عن بعض الأمور الخاصة بعلاقة مصر والسعودية، والدور المصري في الأزمة السورية، وغيرها من الموضوعات التي لا تحمل أي جديد بخصوص مواقف مصر في تلك الملفات.

ورغم أن المكالمات المسربة لم تحمل معلومات جديدة أو خطيرة يمكن الاعتماد عليها كمستند يدين القاهرة في علاقتها بأي من الملفات العربية، إلا أن فكرة تسجيل مكالمة لرئيس الجمهورية مع أحد المسؤولين، تثير الاستفهام حول كيفية إدارة الأمور في الدولة وعلاقة الأجهزة الأمنية ببعضها البعض، وحقيقة عدم الانسجام بين أجهزة السلطة المختلفة.

وتعامل محمد عبدالمقصود، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مع فكرة أن هذه التسريبات تعكس صراع أجهزة داخل الدولة المصرية على أنها من بين الشائعات التي يتعمد البعض تصديرها للداخل المصري، بهدف زعزعة الثقة بين الطرفين الرسمي والشعبي، ومحاولة إضعاف النظام في النهاية، وشدد على عدم صحة هذا الطرح.

فكرة تسجيل مكالمة لرئيس الجمهورية مع أحد المسؤولين تثير الاستفهام حول كيفية إدارة الأمور في الدولة وعلاقة الأجهزة الأمنية ببعضها البعض

ولم يستبعد اللواء إيهاب يوسف، مساعد وزير الداخلية المصري السابق، أن يكون الإخوان قد تمكنوا من زرع أجهزة تنصت عندما كانوا في الحكم، بحيث يصعب على الأجهزة الأمنية اكتشافها، معتبرا أن ذلك، إن كان موجودا، يعد أحد أنواع التقصير الأمني.

ورغم تشكيكه في صحة المكالمات المسربة، إلا أنه استبعد فكرة وجود صراع بين الأجهزة داخل الدولة، وأن طريقة العمل والإدارة داخل الأجهزة المصرية تتم بطريقة يصعب معها تسريب المعلومات، كما أن شركات الاتصال أيضا، لا يمكنها التجسس على مكالمات من هذا النوع، لأنها بهذا التصرف تغامر بسمعتها ووضعها القانوني.

وتوقعت مصادر مصرية مسؤولة أن ترتفع حدة التسريبات في الفترة القادمة بين الطرفين، النظام والمعارضة المصرية، ولفتت إلى أن أجزاء كبيرة من المكالمات، تم فيها حجب صوت رئيس الجمهورية، ما يعطي انطباعا بأنها خضعت لعمليات مونتاج وتركيب ومعالجة.

وطرح عادل عبدالصادق، الخبير المصري في مجال الاتصالات، أكثر من سيناريو في هذا الموضوع، الأول أن يكون أحد أطراف العملية الاتصالية هو الذي قام بتسريب المكالمة، وحيث أن أحد الطرفين هنا -لا المتصل ولا المستقبل- ليس من مصلحته أن يقوم بتسريب المكالمة، فإن طرفا ثالثا له علاقة بشركة الاتصالات ربما يكون المتورط. إلا أنه أشار إلى أن هذا الاحتمال محدود جدا، نظرا لاعتبارات خاصة بالشركة نفسها ووضعها القانوني في الدولة.

وقال إن السيناريو الثاني أن يكون هناك تنسيق بين جماعة الإخوان ودولة تركيا، التي تمتلك تقدما كبيرا في تكنولوجيا الاتصال والأقمار الصناعية، وليس أدل على ذلك من ضبط السلطات المصرية لهواتف مرتبطة بالأقمار الصناعية مع شخصيات إرهابية في سيناء لهم علاقة بتركيا.

أما السيناريو الثالث فهو التنسيق بين تركيا وإسرائيل، خصوصا وأن هناك علاقة بين الدولتين في مجال الاتصالات والأقمار الصناعية، بهدف إضعاف النظام المصري. والسيناريو الرابع، أن تكون هذه المكالمات مزيفة و”مفبركة”، حيث تعرض هذه العملية لبرامج مونتاج أصبحت منتشرة في كل مكان وعلى جميع أجهزة الكمبيوتر.

وأشار إلى أن هناك برامج معينة وأنظمة خاصة، يمكنها التعرف على كلمات محددة، ولفت إلى أن هناك أجهزة يمكن استخدامها بالقرب من مكان إجراء المكالمة، لافتا إلى مسألة مهمة، وهي شفرة المكالمات. ورغم أن المخابرات المصرية تصنع شفراتها بمهارة عالية جدا، إلا أنه في البعض من الأحيان يتم شراء شفرات من الخارج، وهنا يمكن الحديث عن نظرية المؤامرة، والتنصت الخارجي.

في كتابه “الآذان المترصدة.. كيف يتجسسون عليك” يقول نيكي هاجرن إن “أعلى أنواع الاستخبارات قيمة وسرية وأكثرها غموضا هي الاستخبارات الإلكترونية. ويطلق على هذا النوع من التجسس مصطلح “استخبارات الإشارات”، ويقصد بها العمليات الاستخباراتية التي يتم جمعها عن طريق التجسس على اتصالات الراديو والهاتف والإنترنت.

وكما أشار محمد عبدالمقصود فقد أصبحت مسألة التسجيلات الصوتية للمكالمات متاحة في كل دول العالم. ولم يستبعد أن تكون أجهزة أجنبية متورطة في التسجيلات. وقال اللواء العسكري السابق ووكيل جهاز المخابرات العامة سابقا لـ”العرب”، إن مسألة التسجيل لرئيس الجمهورية -إن صحت الواقعة- تأتي في سياق الحروب الإلكترونية، فالفضاء الإلكتروني أصبح مفتوحا للجميع، وكله إشارات صوتية وموجات يمكن التقاطها بشكل أو بآخر، وترجمتها. ودلل محمد عبدالمقصود على ذلك بالمشكلة الأخيرة بين واشنطن وبرلين، حيث اتهمت الولايات المتحدة الأميركية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالتجسس على أنشطة حلف الناتو.

7