الآلة الإخوانية ومحاولات إسباغ القداسة على التدخل التركي في سوريا

جماعة الإخوان تدعم غزو القوات التركية للشمال السوري وتدين وتشوّه وتقلّل من قيمة الحملة التي يقودها الجيش المصري في سيناء بغرض تحريرها من سيطرة الميليشيات الإرهابية.
الثلاثاء 2019/10/15
الجيش المحمدي المدجج بالتلفيق الفقهي

أضاف منظّرو تيار الإسلام السياسي الكثير من المفاهيم الجديدة على برنامجهم الفكري حتى أصبح الأساس للمنهج الذي يدرسه الآن كل منتسبي ما يُطلق عليه اليوم “الجيش المحمدي” المنوط به احتلال مناطق عربية لحساب تركيا.

 القاهرة – لم تتبلور هذه المفاهيم الجديدة بالشكل الكامل مثلما هي عليه الآن عندما كان حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان في مصر يردد “نحن سلفيون من أتباع الشيخ رشيد رضا”، وعندما كانت تسعى إلى الحكم بأدوات الداخل وترتكب العنف والاغتيالات بجهاز سرّي وليس بالانضمام إلى جيش احتلال خارجي.

لم يوضع قديما هذا الأساس الفكري للجيش المحمدي بالشكل الذي هو عليه الآن، لأن الإسلاميين لم يهدفوا من وراء تعبئتهم للمجتمع إلى قلب نظام الحكم، بقدر ما كانوا يسعون إلى خلق رأي عامّ جماهيري يضغط ضد رفض النظام المستمر لفكرة الاعتراف بالحركة، فقد كانوا موجودين بحكم الأمر الواقع لكنهم لا يحظون باعتراف الدولة.

أنتج التلفيق الفقهي مواقف كاشفة عن مدى الانحدار القيمي والخلط في التصوّرات، كمثال موقف الرئيس السابق لحركة حماس الفلسطينية، خالد مشعل، الذي تحوّل من مزاعم مقاومة المحتل الإسرائيلي إلى مباركة غزوات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالداخل العربي، واصفًا إياها بالفتوحات والملاحم البطولية.

وتحدث الفاتح علي حسنين، المنظّر الإخواني السوداني، والمقرّب من أردوغان، عن دولة واحدة اسمها “تركدان” لها عاصمتان، الأولى إسطنبول والثانية الخرطوم وحاكم واحد وهو أردوغان.

وفي الوقت الذي تدعم فيه جماعة الإخوان غزو القوات التركية للشمال السوري، فإنها تُدين وتشوّه وتقلّل من قيمة الحملة التي يقودها الجيش المصري في سيناء بغرض تحريرها من سيطرة الميليشيات الإرهابية، وتنتقد الجهود التي يقوم بها المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي لتنظيف البلاد من العصابات المسلحة والمتطرّفين والإرهابيين.

تركيا تواصل انتهاكها للأراضي السورية
تركيا تواصل انتهاكها للأراضي السورية 

لم توفّر المواجهات المستمرة على مدار عقود طويلة بين النظم المتعاقبة وتيار الإسلام السياسي وعدم وجود مشروع خارجي يحتضن آمال الإسلاميين ويرعاها بالشكل الذي حدث مؤخرا، للحركة الفرص الكافية لتطوير مواقف وبرامج فكرية تبرر فقهيا استباحة غزو الدولة من الخارج وصياغة فكرة الجيوش الإسلامية التي تحارب وتغزو الدول الوطنية.

وهو ما يفسّر اختلاف المنهج الفكري الذي يدرسه عضو جماعة الإخوان المنتسب إلى “الجيش المحمدي” الذي يغزو تحت الراية التركية بلادا عربية وإسلامية، عن المنهج الذي كان يُدرس أيام حسن البنا منذ حوالي قرن من الزمان، حيث لم تكن هناك أولوية لمناقشة القضايا التي تتعلق بالشرعية السياسية للنظام، لأن الجماعة كان معترفا بها ضمنيّا في مراحل، ورسميّا في مراحل أخرى بنسب متفاوتة من التعاون في مختلف العهود. كفاح جماعة الإخوان قبل أن تحظى بهذه الرعاية الإقليمية، وقبل ارتباطها بمشروع خلافة من الخارج، كان يقتصر على محاولات الحصول على اعتراف من الدولة بعد التجارب المريرة التي أدّت إلى القضاء على وجودها السياسي والاجتماعي والاقتصادي بالكامل، خلال حقب لم تشهد اعترافا صريحا بنشاطها.

يُدرك قادة تيار الإسلام السياسي أن المساهمة في احتلال تركيا لأراض عربية لن يكون مقبولا ورائجا دون تمهيد فكريّ يسبغُ على مهمة الحركة خلف الرئيس التركي القداسة الدينية عبر ربطها بالمناهج الفقهية والحركية للمنظّرين القدامى والمحدثين. ما يؤدّي إلى النظر إلى الدول العربية كديار حرب ويجب فيها الجهاد لخلع الأنظمة “الطاغوتية المرتدة” وترسيخ تمكين خليفة إسلامي من باقي ديار الإسلام كسلطان وزعيم للأمة الإسلامية والعربية.
تُسندُ لهذا التصور الفكري المُطور الذي يعتنقه مقاتلو الجيش المحمدي مهمة إضفاء الصبغة الدينية، وخلق المسوغ الشرعي لاستقطاع تركيا مناطق حيوية من الدول العربية، دعمًا لجغرافية تركيا الأردوغانية ولتعزيز نفوذها الإستراتيجي.

يحرص واضعو هذا المنهج الفكري على ألا يجعلوه منفصلا عن مسار الإسلام السياسي الذي بدأ محليّا وصار إقليميّا، متدرّجا في تقويم الحكومات بحسب توصيف حسن البنا من “النصح والإرشاد إلى الخلع والإبعاد”.

إذا كان حسن البنا علّل وجوب الجهاد داخل البلدان التي يقطنها مسلمون بأنهم “مستذلون لغيرهم ومحكومون بالكفار يتحكم في شؤونهم خصومهم”، فقد صاغ من جاء بعده تصوّرا يوجب الجهاد حتى لو لم يكن هناك احتلال للبلاد من قبل قوى أجنبية، كي لا تنتهي الأيديولوجيا الجهادية بمجرد نيل الاستقلال الوطني.

أمهات يبكون أبنائهم
أمهات يبكون أبنائهم 

مع استحداث سيد قطب لنظرية الحاكمية لم تعد ثنائية “جهاد الدفع” و”جهاد الطلب” قائمة، وصار الجهاد مرتبطا بشأن دائم متعلّق بمنابذة ومكافحة المرتدين ومغتصبي سلطات الله في الأرض وتحرير الإنسان من عبودية العباد، لا بشأن عارض مرتبط بتحرير الأرض من المحتلين.

على ضوء ذلك صاغت حركة الجهاد ضد الأوطان العربية نسخة أكثر مأساوية وسوداوية من مجرّد أتباع جاهزين لأن يحوّلوا الأوطان إلى ساحات تخريب واغتيالات طمعا في السلطة. ووصل الأفق التكفيري إلى حدّ تحويل مفهوم جهاد الدفع من النضال والمقاومة في مواجهة المحتلين، إلى معاونة المحتلّين أنفسهم لاحتلال دول إسلامية وعربية، تحت عنوان “جهاد المرتدين الذين يصلّون ويصومون دون أن يتحاكموا لشريعة الله”.

تتحوّل الدول العربية المستقلة بموجب هذا المنهج الفكري إلى أرض جهاد ودار حرب، بزعم أن حكامها يحاربون المسلم في عقيدته ويعطلون الشريعة، وفق نفس المفهوم الذي وضعه الفقهاء القدامى تحت عنوان “جهاد الدفع” الذي استوحته الحركات الجهادية الوطنية المقاومة للاستعمار في البلدان العربية، خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

طوّرت حركات الإسلام السياسي الفكرة بغرض جعلها مهيمنة ومتحكّمة في مواقف وممارسات الحركات الجهادية المعاصرة، وصار “جهاد الدفع” من المنظور الفقهي له مرجعية شرعية لتغيير الحكومات بالقوة، وفق فتوى تجعل جهاد الكافر المرتد من حكام العرب الذي يمثّل العدو القريب مقدّما على جهاد الكافر الأصلي الذي يمثّل العدو البعيد.

يعلل منظرو الحركة ما يسمى بـ”ردة الحكام العرب”، ومن ثم وجوب محاربتهم بمزاعم “تبديلهم شريعة الرحمن وموالاتهم اليهود والنصارى والشيوعيين ومعاداتهم للمؤمنين والموحدين وأتباع الرسل ومن فعل هذه الأفاعيل بإجماع الأمة المسلمة هو كافر مرتد”، وأفتى البعض منهم بأن “قتال المرتدين مقدّم على قتال غيرهم أي الكفار الأصليين، وعقوبتهم أشد من عقوبة الكفار الأصليين في الدنيا والآخرة”.

وغدا في مقدور هذه الحركات، وفق هذا التكييف الفقهي، استثمار تراث فقه الردة التقليدي للتأسيس لمشروعية الجهاد ضد البلدان العربية، وتقديم هذا النشاط المسلح على الجهاد في البلدان العربية التي يحتلها “كفار أصليون”.

قلب منظّرو تيار الإسلام السياسي السني التصورات الفكرية رأسا على عقب؛ من وجوب الدفاع عن الأرض والدولة ضد المحتل الخارجي، إلى الانضمام إلى جيش هذا المحتل لغزو واحتلال الأوطان.

ومن الفهم التقليدي لعلماء السنة الذين يعترفون بشرعية الحاكم، وإن كان مستبدا، شريطة محافظته على المستلزمات الدنيا للأحكام الإسلامية، أو إذا لم يحافظ عليها وكان عزله محفوفا بالمخاطر ومغامرة دموية، إلى منح المشروعية الدينية لمساندة جيوش وقوى خارجية غازية تنشر الفوضى والتدمير والصراعات العرقية بحجة تحرير العرب والمسلمين.

ستظل تلك التفسيرات المغلوطة غالبة على أعضاء فصائل تيار الإسلام السياسي، ما دامت آلة التلفيق الفقهي وشرعنة احتلال الأوطان واتهام الحكام العرب بالردة تعمل، وهو ما يتطلب جهودا فكرية مناهضة تنشر التصوّر الفكري الصائب بشأن توصيف واقع البلدان العربية وحال الحكام العرب ووضع التصوّر الصحيح للجهاد والمقاومة المشروعة.

12