الآمدي وانقراض المثقف المتعدد في زمن العولمة

السبت 2015/08/08
الآمدي شبح من مؤسسي حداثة لم تحدث في عالم العرب

اعتقد العالم، أنه ومع بزوع شمس العولمة وثورة الاتصالات، فإن تكوين شخصية المثقف، أو الإنسان المتعلم عموماً، ستكون أكثر تعدداً وغزارة، قياساً بالماضي، وأن موارده المتزايدة ستدعه أكثر غنى في نهل المعارف والعلوم، بعد زوال عصور الاتجاهات الواحدة، والأيديولوجيا التي تحكمت بالناس، لكن الأمر مضى على النقيض تماماً، وبدلاً من أن يتسع أفق الإنسان، نجد أنه عاد إلى الهويات الضيقة والتعصب والانغلاق، في تراجع كبير عن ميراث عميق، مثلته شخصيات كبرى في التاريخ العربي، ليس أقله سطوعاً شخصية السيف الآمدي الذي نهل في بغداد علومه على يد كبار المفكرين المسلمين والمسيحيين واليهود وسواهم، بانياً ذهنية خاصة ومختلفة لا تعثر فيها على ملمح من ملامح التعصب.

آمد بلاد المعرفة

أبو الحسن علي بن أبي علي محمد السالم، التغلبي. وسيف الدين هو لقب اشتهر به، وكان القفطي أيضا قد سماه بالسيف الآمدي، ونسبته الآمدي تعود إلى مدينة آمد تلك المدينة الجميلة على شاطئ دجلة في ديار بكر والمتاخمة لشمال الموصل، التي ولد فيها سنة 1156 لأسرة من قبيلة تغلب التي كانت تنتشر بين حدود بلاد الشام إلى ما بين النهرين والمعرفين بعرب الجزيرة.

وبعد فتح صلاح الدين لمدينة آمد في العام 1183، انتقل سيف الدين إلى بغداد، المركز الثقافي العربي، مع ما كان يحمله من طموح الشباب، وتجمع المصادر القديمة على أنه كان في بغداد للدراسة والتعليم، وندرك ذلك في نص مهم للقفطي “رحل إلى العراق، الآمدي، وأقام في الطلب ببغداد مدة، وصحب ابن بنت المنى المكفوف وأخذ عنه وأجاد عليه الجدل والمناظرة، وأخذ علم الأوائل عن جماعة من نصارى الكرخ ويهودها”.

في بغداد تكونت شخصية الآمدي الفلسفية، التي أقام فيها قرابة العشر سنوات، وفيها تعرض لضغوط نفسية لسببين الأول تطرفه في دراسة علوم الأوائل على غير المسلمين، والثاني تورطه في ارتياد مجالس الغلاة من أهل الجدل والنظر. وهنا يظهر لنا أنه كان قد أفرط في دراسة الفلسفة والمنطق، مما دعا خصومه إلى التحريض عليه “فجافاه الفقهاء وتحاموه، ووقعوا في عقيدته، وخرج من العراق إلى مصر”.

نشاطه الفكري يتضح من خلاله أن الآمدي استنفد طاقته كاملة في تحديد موقفه الخاص من الفقهاء في مصر، فألف كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" الذي أودع فيه كل عبقريته في علم الأصول، و فعل الأمر ذاته بالنسبة إلى علم الكلام عندما ألف كتابه "أبكار الأفكار"، وفي الفلسفة عندما كتب "دقائق الحقائق"

الثقافة الواسعة

بعد سنوات من دراسته في بغداد، وبعيد وفاة صلاح الدين الأيوبي في العام 1193، شعر الآمدي أن الفرصة قد سنحت للسفر إلى مصر، وقد يكون لوفاة صلاح الدين سبب لشعوره بالتغيير، لأن المعروف عن صلاح الدين كما ذكر أحمد بن إبراهيم الحنبلي في كتابه “شفاء القلوب في مناقب بني أيوب” أنه كان مبغضا لكتب الفلاسفة وأرباب المنطق، ويقول الحنبلي “لما بلغه عن السهروردي ما بلغه، أمر ولده الظاهر بقتله”.

في القاهرة وقد بلغ سن الأربعين، يظهر لنا الآمدي أستاذا جليلا في العلوم العقلية، فقد تحول نشاطه الفلسفي من طالب علم إلى أستاذ يلقي بمحاضراته على نخبة من طلبة الفلسفة والمنطق، وأول وصوله القاهرة نزل في المدرسة المعروفة بـ”منازل العز” التي كان يتولاها “الشهاب الطوسي”.

إن التحول السريع في حياة الآمدي، حيث لم يلبث أن أصبح أستاذا في مدرسة القرافة الصغرى المجاورة لمرقد الإمام الشافعي عام 1196، وبعدها صار شيخ الجامع الظافري بالقاهرة، يدل على عظم شخصية الآمدي العلمية والفلسفية. وهنا، يبدو الآمدي وكأنه لم يتعظ مما حدث له في بغداد، فبدا متحمسا شديد التحمس لتدريس الحكمة في القاهرة حتى أنه “ناظر وحاضر، وأظهر بها تصانيفه في علوم الأوائل، ونقلت عنه، وقرأها عليه من رغب في شيء من ذلك، وقرأ عليه تصنيفه أصول الفلسفة”.

وهذا كله يؤكد ما تمتع به الآمدي من الذكاء المفرط والمعرفة الواسعة بالعلوم العقلية، فأمدته عبقريته بمنزلة رفيعة في الدوائر الفلسفية بالقاهرة، فحقق بالتدريس شهرة عظيمة، صارت تسبب له المتاعب مع حساده حتى اتهم في عقيدته، لأن حاسديه ألّبوا عليه الآراء، وانقلبوا خصوما أشدّاء “فتعصبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة والتعطيل ومذاهب الفلاسفة”.

ويتضح من سياق نشاطه الفكري أنه استنفد طاقته كاملة في تحديد موقفه الخاص من الفقهاء، فألف كتاب “الإحكام في أصول الأحكام” الذي أودع فيه كل عبقريته في علم الأصول، تماما كما فعل بالنسبة إلى علم الكلام عندما ألف كتابه “أبكار الأفكار”، وفي الفلسفة عندما كتب “دقائق الحقائق” فلم تفد مكانته المرموقة بين علماء مصر، ولا مشيخته للجامع الظافري، ولا محبة العديد من رجال الفكر والفلسفة له وإعجابهم الشديد بشخصيته، في تفتيت صلابة موقف حساده منه، فاضطر إزاء ذلك إلى الخروج من مصر كلها سنة 1218- 1219، بعد ثلاثة وعشرين عاما من الأستاذية للعلوم العقلية في دوائر الفلسفة بالقاهرة.

من مصر إلى الشام

كان خروج الآمدي من مصر إلى الشام وقد بلغ من العمر سن الرابعة والستين، بمثابة هروب بجلده من فعل المؤلّبين عليه، فتكرر ما حدث معه قبل ربع قرن من الزمان، لكن هذه المرة أشد حالة “إذ خرج متخفيا إلى حماة” كما هو وارد في الأعلام للزركلي.

على الرغم من تقدمه في السن لم يفتر حماسه للفلسفة ولا خف نشاطه في التأليف أيضا على نحو ما فعل في القاهرة وحماة، وعندما توفي الملك المعظم سنة 1227 كان الآمدي قد بلغ ذروة مجده بتميز مكانته المرموقة في أستاذيته لمدة سبع سنوات. فكان عامه الثالث والسبعون هو العام الذي بلغ فيه كل ما كان ينشده من المجد والرفعة والشهرة

قصد الآمدي مجلس الملك المنصور صاحب حماة، الذي وصف بأنه أحد العلماء بالتاريخ والأدب، وكأن الآمدي قد اختار الملك المنصور لتحقيق الطمأنينة من حاكم عالم، والذي يمتلئ قصره بالعلماء وقد قارب عددهم المائتين، لكن لم تدم إقامته في بلاط الملك المنصور أكثر من عامين، فلقد توفي الأخير سنة 1221، فما كان من الملك المعظم “شرف الدين عيسى بن أبي بكر محمد أيوب” ابن الملك العادل وصاحب دمشق، إلا دعوة الآمدي إلى زيارة دمشق، فلبى الآمدي الدعوة، وولاّه الملك المعظم مرتبة الأستاذية في المدرسة العزيزية، فتلقى تبجيلا فريدا في كنف رعاية الملك المعظم قرابة السبع سنوات.

وعلى الرغم من تقدمه في السن لم يفتر حماسه للفلسفة، ولا خف نشاطه في التأليف أيضا، على نحو ما فعل في القاهرة وحماة، وعندما توفي الملك المعظم سنة 1227، كان الآمدي قد بلغ ذروة مجده بتميز مكانته المرموقة في أستاذيته لمدة سبع سنوات. فكان عامه الثالث والسبعون هو العام الذي بلغ فيه كل ما كان ينشده من المجد والرفعة والشهرة.

مؤسس المعجم الفلسفي

يرد في “تاريخ الحكماء” أن للآمدي أربعة كتب، بينما أشارت “عيون الأنباء” إلى تسعة عشر عنوانا، أما “وفيات الأعيان” فاختصرتها إلى ثمانية عناوين. وكانت المؤلفات على صنفين، الأول وصل إلينا مطبوعاً والآخر على شكل مخطوط، أما بالنسبة إلى المطبوع منها فهو “كتاب الإحكام في أصول الأحكام” وهو أربعة أجزاء، وكتاب آخر يعتبر مختصر الكتاب الأول وهو “منتهى السؤال” الذي كان معتمدا للتدريس في الجامع الأزهر حتى ثلاثينات القرن العشرين.

و”غاية المرام في علم الكلام” وهذا واضح مرامه من عنوانه. أما ما وصل إلينا من مؤلفاته المخطوطة فهو “أبكار الأفكار” و”دقائق الحقائق” و”كتاب الجدل” و”كشف التمويهات” و”المآخذ على الرازي”. وأخيرا كتابه المهم والذي لا يعرفه كثيرون ومنهم مختصون، وإن عرفوه فلا يقدرون أهميته وهو “المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين”.

وتجدر الإشارة إلى أن العادة جرت عند الحديث عن مسار الفكر الفلسفي الناضج في الفلسفة العربية-الإسلامية، الوصول إلى ابن رشد المتوفى عام 1198، والتوقف بعدها.

وهذا حق في جانب، وظلم في جانب آخر، لأننا إذا اعتمدنا في بحثنا أسلوب الملاحظة الدقيقة نرى أنه بعد ابن رشد ثمة تطور في العديد من المفاهيم الفلسفية التي بدأ الباحثون ينفذون إلى قيمتها، وهنا بدأت تنكشف ألوان مختلفة من الأنشطة الفلسفية بعد زمانه.

أما في مجال المصطلح الفلسفي، فقد توضح كيف تطورت المصطلحات خلال أربعة قرون إلى زمان ابن رشد، لكن لم يصل إلينا من ابن رشد ما يشير إلى إفراده عملا خاصا بالحدود والرسوم، تماما كما الفارابي، الذي أسهم إسهاما جادا في إنضاج اللغة الفلسفية في القرن العاشر الميلادي، فأثرت في المدارس المختلفة وخاصة مدرسة بغداد الفلسفية، امتدادا إلى ابن سينا.

شخصية الآمدي الفلسفية تتكون في بغداد، فقد أقام فيها قرابة عشر سنوات، قادما من ديار بكر، وفيها تعرض لضغوط نفسية لسببين الأول تطرفه في دراسة علوم الأوائل على غير المسلمين، والثاني تورطه في ارتياد مجالس أهل الجدل والنظر والفلسفة والمنطق

وبالعودة لابن رشد نلاحظ كيف قدم قراءة جادة في المصطلح الفلسفي، فقد تضمن تفسيره لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو شرحا مفصلا للمقالة الخامسة والمعروفة بـ”مقال الدال”، أي أنه شرح المعجم الفلسفي المحدد بثلاثين مصطلحا يونانيا انتقلت إلى الاستعمال العربي فاستقرت في اللغة الفلسفية.

لذا فإن عمل معجمية فلسفية شاملة للألفاظ المستعملة والمصطلحة في اللغة الفلسفية، وخاصة بعد استقرار الحدود والرسوم، كان من نصيب مفكر عاصر ابن رشد حوالي نصف قرن، ثم عاش بعده بثلاثين عاما، وهو الآمدي، الذي يبرز دوره غير المعر وف على نطاق واسع، في فهرسة الألفاظ الفلسفية، ولازال كتابه “المبين” ذو الفصلين لا ينظر إليه على أساس تكوينية المعجم الفلسفي.

عزلة المفكر

لم يكن الآمدي محظوظا في دنياه، رغم مكانته العظيمة وثقافته العالية، وذلك أنه بعد وفاة الملك المعظم صاحب دمشق 1227، مرت دمشق باضطراب شديد خلال العامين 1227- 1229، حيث فتحها الملك الكامل عنوة وسلمها إلى شقيقه الملك الأشرف، وكلا هذين الملكين ساهم في ضرر الآمدي، ففي العام 1232 صدر قرار ملكي بعزل الآمدي عن كرسي الأستاذية، وقتها اعتكف الآمدي في منزله بدمشق حتى توفي في عامه التاسعة والسبعين.

العزلة هذه هي العزلة ذاتها، التي يصاب بها المفكر العربي اليوم، في زمن الاضطراب، دون أن تعوّض الأمة بالكبار الذين رحلوا، لتبقى الأجيال المثقفة العربية الجديدة، مفتقرة إلى ذاك الزخم في تكوين الإنسان.

14