"الآنسة جولي".. تمرد فاشل على النظام الطبقي

مرة أخرى، يحتفي مسرح “الجيب” بمدينة مونبرناس الفرنسية بأحد أعلام الفن الرابع، فبعد أوديبرتي وكولتيس وروبن موم وهارولد بنتر وسارتر، يعرض على خشبته مسرحية “الآنسة جولي” للسويدي أوغست سترندبرغ، وهي تراجيديا عصرية عن رغبة الانعتاق من الروابط الطبقية.
الاثنين 2018/02/26
رغبة مميتة بين سيدة وعبد

يعتبر أوغست سترندبرغ (1849-1912) من أشهر المؤلفين السويديين، جمع بين أدب القصة والرواية والمقالة، والفنون التشكيلية، والتأليف المسرحي، وتنقّل بين تيارات عديدة، من الطبيعية والرومانسية إلى التعبيرية والرمزية، ولكنه عرف بمسرحياته التي أدرجها النقاد في مصاف أعمال النرويجي إنريك إبسن، نذكر من بينها “رقصة الموت” و”سوناتة الأشباح” و”البجعة” و”الآنسة جولي”، موضوع هذه الورقة.
و”الآنسة جولي”، التي يعتبرها النقاد أفضل مسرحية ألفها سترندبرغ، تضع وجها لوجه ثلاث شخصيات: جان وجولي، من جهة، وهما في قطيعة مع الأعراف والتقاليد، يصارعان للتعبير عن موقفهما المتمرّد على القيم السائدة، والتخلّص من الأحكام المسبقة عن الجنسين والتفاوت الاجتماعي.
وفي الجهة المقابلة شخصية كريستين، وهي امرأة متمسّكة بما هو قائم، راضية بوضع الدون الذي تعيشه وكأن قدرها أن تكون خاضعة لمشيئة غيرها، تتأرجح بين الحضور والغياب، بين الملاحظة والغفلة عما يجري من حولها، ولكنها متعلّقة تعلّقا مرَضيا بالوضع القائم، لا ترضى عنه بديلا.
وقد حرص المخرج نيلس أوهلوند في عرضه الذي قدّمه على مسرح “الجيب” بمدينة مونبرناس الفرنسية على إبراز تعقد تلك الشخصيات وتعدّد أوجهها عبر فوضى ليلة سهد حامية، انحدر بها مسارها إلى التراجيديا، وتصوير التقابل التقليدي بين المخدوم والخادم، السيد والعبد، مع تغيير الأدوار هذه المرة، تغييرا تدفعه الرغبة، وحميا انتهاك الرموز الاجتماعية في ليلة تشجع على الفسق والعربدة، فكان وفيا لكاتب النص الذي قدّم صورة قاتمة عن مفارقات النفس الإنسانية، وعنف النظام الاجتماعي، والصراع بين الجنسين.
وعندما ألف سترندبرغ هذه المسرحية عام 1899، كان قد اكتشف أن زوجته -سليلة إحدى الأسر الأرستقراطية-  تخونه، فجاءت هذه التراجيديا تنفيسا عن مكابداته الحميمة، إذ يسخر فيها من الحتمية الاجتماعية من خلال فتاة أرستقراطية تغازل شخصا من طبقة دنيا، فيذلّها ويدفعها إلى الانتحار، ولو بشكل غير مباشر.

سترندبرغ قدم في المسرحية صورة قاتمة عن مفارقات النفس الإنسانية وعنف النظام الاجتماعي والصراع بين الجنسين

وكانت تلك الفتاة تلهو مع رجل أنشأتها تربيتها على احتقاره وكرهه بوصفه خادما، وظنت أنها تستطيع توجيهه كما تهوى، ولكنها وقعت في فخ ذنبها، إذ قادتها الصدفة إلى غرفته في تلك الليلة الطافحة بالعربدة والمجون، فحصل ما حصل، ولما عاد إليها رشدها انتابها شعور بالذنب، لأنها ألحقت العار بطبقتها ولو من خلال نزوة عابرة، رغم أنها كانت تروم التمرّد على كل القيم التي تحدّد لها السلوك الواجب اتباعه.
ولم يكن أمام جولي، كسجينة لتقاليد طبقتها، وأنوثتها، وأحكامها المسبقة، إلاّ أن تكون وحيدة، وعندما واجهت الواقع آل بها أمرها إلى بطلة تراجيدية، لأن صراعها مناف لما يعدّ وضعا طبيعيا في ذلك الوقت،  ذلك أن شخصيتها مرتبكة، فهي فتاة مدللة، نزقة، متعالية، ولكنها في الوقت نفسه وحيدة، يائسة، ضائعة، تعرف جيدا كيف تحصل على ما ترغب فيه دون أن تعرف بالضبط ماذا تريد؟ ولا من هي حقا؟ وكأنها تنتقم من نفسها بسبب معنى الشرف الذي اعتادت الطبقات الأرستقراطية أن تباهي به، أو أن ما تفجّر في تلك الليلة لم يكن سوى نتيجة لمعاناة أعمق.
أما جان، خادم الكونت والد جولي، فهو شخصية متناقضة وعنيفة أيضا، أيقظت فيه استفزازات الآنسة جولي واستثاراتها كبرياءه لا سيما أن ذلك حصل في ليلة الانقلاب الصيفي التي تزول أثناءها الفوارق الاجتماعية، ولو لساعات معدودة، إضافة إلى كونه ممزّقا بين رغبته في تسلّق السلم الاجتماعي، وكرهه لكل من يذكره بفقره، فتراه من ناحية يتشبه بأسياده في سلوكهم وخطابهم واشمئزازهم منه ومن أمثاله، ومن ناحية أخرى يكرههم ويحقد عليهم.
وأما كريستين، طباخة الكونت وخطيبة جان، فكانت هي أيضا تحقد على أسيادها، ولكنها لا تجد حرجا في وجود تلك الفوارق الاجتماعية التي تضعها موضع المقهور الخاضع لإرادة غيره، بل إنها اعترضت على سلوك جان من هذا المنطلق حين رأت منه ميلا إلى جولي، وكانت تلحّ عليه كي يوليها الاحترام الذي يجدر بابنة وليّ نعمتهما، لأنها تقوم مقام حارسة النظام القائم، والحفاظ عليه هو ما يعطي حياتها معنى.
وفي فضاء مغلق وجو خانق، يتابع المتفرّج سعي كل واحد من أولئك الشخوص إلى آخرَ يضمن له البقاء في وضعه أو يقوده إلى وضع أفضل، آخر شبيه لضمان العيش وترسيخ الفوارق الطبقية ونظام عالمه والاستجابة لما يملى عليه، أو مخالف يتوق إلى كسر الطوق واكتشاف حياة جديدة، بوصف الآخر فرصة المرء للخروج من ظرف تضيق فيه أنفاسه، والحلم بتحقيق الأحلام خارج المتن الاجتماعي الذي نشأ فيه.
لكن ما كان يبدو يسير المنال، تمنّع على جان وجولي، حين صار كل واحد منهما أداة لتحقيق رغبة الآخر، وانكفأ على نفسه يجترّ خوفه ومفازعه، وإذا الرغبة، التي تشبّهت بالحب في بعض المواضع، تتحوّل إلى نفور وكراهية وبغضاء وعنف وشهوة انتقام، وإذا هما على شفير هاوية، لا نجاة لأحدهما منها إلاّ بدعس الآخر.

16