الأبدية ويوم واحد.. تحية إلى ثيو أنغلوبولس

الأحد 2015/11/08
لقطة من أحد أفلام المخرج اليوناني ثيو أنغلوبولوس

يترك الشاعر بيته عند البحر. يتركه كي يقول وداعا. كي لا يتعفّن في الصمت ممزّقا بين الألم والرغبة. يتركه حين يفقد القدرة على القول.

وحين يحسّ بأن لسانه لم يعد قادرا على استعادة الكلمات الضائعة، واسترجاع الكلام المنسيّ من الصمت. الصمت العميق كأبديّة تدور على نفسها. لا ساعة رمليّة في يده، ولا حيّة تتبع ذيلها فوق رأسه الغمام.

يتركه، كي يعاقر الندم، وكي يخرج من المنفى؛ منفى نفسه، ومنفى الذين أحبّهم. منفى الذين أوجعهم وأوجعوه، والذين ينامون الآن وحيدين تحت شجرة الأجراس والقلائد في عروق الرخام.

أحبّهم، فتركوا القصائد ناقصة، وياقة القميص معروقة بالأسى. يترك البيت، باحثا عن الأشياء التي لم تكتمل بعد، أو تلك التي أخرجها الزمن عن سكــّة أيامها، فسقطت، متناثرة، على الأرض.

كل شيء مسوّدة، كلام تناثر في زوايا الأماكن، وفي صدى الأقدام على العتبات. آهٍ يا لعتبات الأصداء التي ترنّ، ويا لعتبات المرأة التي ترفع فردتي حذائها البيضاوين في يديها الممدودتين كالصليب على جسمها النحيل وتدخل في الزبد. كل شيء مخطوط، والكلام لا يزال طريّا، كنشيد الريح على الرمل، أو كرضاب الماء على الماء.

يترك الشاعر بيته عند البحر، ثم يسير على الحافّة، ويحدّق: الدراجات الهوائية تمرق وراء بعضها، أسفل أعمدة الضوء، والحافلة فارغة إلّا من صدى الذكريات.

وفي الطريق إلى الموت، يعثر على الصبيّ الذي ربّما هو نفسه، الصبيّ الذي يعيد إليه النشيد مترعا على آخره، فتكون الرحلة -الرحلة الأخيرة- مغامرة الكلام الصاعد في الكينونة. الشارع معتم، والكمنجات تنفخ صدورها، والمزامير تلهو. لا ريح إلّا ما يهبّ من وجع الأصابع، ولا مناديل وداع مطويّة على الحجر.

يترك الشاعر بيته عند البحر، يتركه في ماضي الغد الذي هو أبديّة ويوم واحد. هُبّي يا مزامير الأنفاس الحرّاقة، وهاتِ الرنينَ النحاسَ، هاته الآن عميقا، هاتهِ أيها الموت!

شاعر ومترجم من الأردن

11