الأبد بلا الأسد

السبت 2015/11/07

بعد مرور أكثر من شهر على الهجمات الجوية العنيفة لسلاح الطيران الروسي على مناطق سيطرة المعارضة السورية المسلحة، راح ضحيتها المئات من المدنيين، ها هو سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي يطالعنا بضرورة “تحديد من هي الجماعات الإرهابية ومن هي جماعات المعارضة الشرعية في سوريا، قبل بدء جولة جديدة من المحادثات في شأن الأزمة السورية في فيينا”. ألم يكن أجدى، لو صدق الخطاب، لهذا الوزير أن يطرح تساؤله هذا قبل بدء تلك الغارات؟ وعلى من يضحك لافروف في كلامه المنوّه عنه أعلاه؟

هذا الوزير كان في بداية العدوان الروسي على مناطق سيطرة المعارضة السورية قد صرح أنه لم يتبقّ في سوريا ما يمكن تسميته بالجيش الحر، ثم بعد تلقيه أخبار مجزرة الدبابات في إدلب، يقترح غطاء جويا للجيش الحر في محاربة الإرهاب.

وإذ يترقب المراقبون “فيينا3” بتوقعات متباينة، يستند بعضهم فيها إلى ما يبدو أنه بداية افتراق في الاستراتيجية السورية بين طهران وموسكو، وما بدا أنه دور الوسيط الذي يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية تلعبه بين فرقاء “فيينا”، الذين أظهروا تطرفا في الخطاب السياسي قبيل وبعد لقائهم الأخير، يتراجع وهج التدخل العسكري الروسي وترتفع وتيرة المجازر الأسدية الروسية كما في داريا ودوما، ويتبادل الروس والأميركان إحداثيات الطيران الحربي بشكل مباشر، ويهاجم الطيران الحربي الإسرائيلي مواقع عسكرية في القلمون، في إطار التنسيق بين الروس والصهاينة، بينما يستمر سيل النازحين واللاجئين السوريين باتجاه الغرب.

وإذ تحاول الولايات المتحدة تقديم جديد ما في حربها المعلنة على داعش، من خلال الإعلان عن نشر 50 عنصرا من الوحدات الخاصة في شمال شرق سوريا، يحاول هذا الأخير الاستفادة من ضرب الطيران الروسي لقوات المعارضة ليتقدم باتجاه حلب وريفها.

ما بين فيينا وفيينا، أي خلال الأسبوعين الفاصلين بين فيينا2 وفيينا3 بحسب الفرقاء، أمور كثيرة ستتوضح. فاللهجة العالية لقائد الحرس الثوري الإيراني حول الافتراق مع الروس، يقابلها الإعلان عن توقف طهران عن تخصيب اليورانيوم تأكيدا لالتزامها بالأتفاق النووي مع الغرب وإصرار واشنطن على حشر طهران بين فرقاء فيينا؛ والحاجة المتبادلة بين طهران وموسكو للعمل معا في سوريا تقابلها التصريحات الروسية التي تنفي التزامها بضرورة بقاء الأسد في السلطة؛ وفوز حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان في تركيا بما يُمكنه من تشكيل الحكومة منفردا وما يترتب على ذلك حيال الموقف التركي في سوريا، مترافقا مع تشدد الموقف السعودي- القطري. كلها معطيات تؤكد أن الأسد قد انتهى وأنه على السوريين بكل توجهاتهم، البحث بمرحلة ما بعد الأسد. كل ذلك، إضافة إلى التطورات العسكرية التي يؤشر عليها إسقاط طائرة حربية للنظام (الأربعاء الماضي) في ريف حماة، والذي قد يكون له وقع الصدمة على الحكومة الروسية، تدفع بالروس إلى الذهاب بعيدا في مناوراتهم التي تبعدهم أكثر فأكثر عن الإيرانيين.

الإيرانيون الذين يصرون على بقاء الأسد لأنه الوحيد الذي يتيح بقاؤه ضعيفا حرية حركة ميليشياتهم، يريدون سوريا دولة ميليشيات تتيح لهم أقصى درجة من التغيير الديمغرافي في الخارطة السورية أكدتها مفاوضاتهم مع أحرار الشام حول الزبداني والفوعة وكفريا منذ أشهر؛ في حين أن الروس يريدون دولة مؤسسات مستقرة قادرة على تنفيذ مصالحهم، وهم يتمسكون ببشار الأسد باعتباره الوحيد (حتى الآن) الذي لا يمكنه التنصل من ذلك، والذي يتيح لهم فرضَ تلك المصالح بالسقف الأعلى لقاء التخلي عنه.

قد تسبقُ التطوراتُ التوقعاتِ، وقد تَفرِضُ شروطُ الأرض عكسَ ما تُمليه الطائرات، لكنّ التفاوض “الفييناوي” سيكون حول فُرص بقاء الأسد لا أكثر من بضعة أشهر خلال مرحلة انتقالية لا يستطيع نائب وزير خارجيته أن يتخيلها، وخصوصا عندما يزور طهران.

كاتب لبناني

9