الأبرز ثقافة الشباب

الاثنين 2015/12/28
كتاب شبان يكتسحون المشهد الثقافي العربي

المنجز الثقافي العربي المهم في هذا العام ليس في عدد الكتب التي أصدرها الكتّاب والمثقفون المشهورون ولا في عدد المسرحيات والأفلام والبرامج الثقافية والمهرجانات الشعرية ومعارض الرسم التشكيلي التي أنتجت وأقيمت.

إن إنجاز الثقافة العربية الأكبر هذا العام، أنها استقطبت أعدادا لا تحصى من مختلف الاختصاصات، وأفرادا من قاع المجتمعات العربية، لينفقوا مدخراتهم وما يملكون من مال جمعوه بشق الأنفس، لينشروا روايات ودواوين شعرية وكتبا نقدية، ورأيناهم يساهمون في تمثيل مسرحيات ويرسمون جداريات، ويشاركون في معارض تشكيلية وينتجون أفلاما قصيرة بالكاميرا الشخصية، وصرنا نقرأ كتبا لكتاب ينشرون لأول مرة في حياتهم، ونشاهد ممثلين يمثلون لأول مرة، ولوحات جميلة يرسمها طلاب صغار.

وإن كان هؤلاء للأسف يختفون بعد ذلك بفترة مثل فقاعات قصيرة الحياة، لكن المهم أن الثقافة العربية جذبت إليها شرائح جديدة، والكم في النهاية يخلق النوع المطلوب.

لقد قصرت الثقافة العربية هذا العام عن احتضان المواهب الجديدة وإدامة شعلة ثقافتنا العربية لكي تستمر المسيرة، وكما وصلت إلى المشهورين والمعروفين ثقافيا يجب أن تصل إلى غيرهم من الأجيال الجديدة.

وللأسف إن المثقف المشهور في عالمنا العربي جزيرة معزولة، ولا يمدّ يده لغيره ممن يمتلكون مواهب حقيقية، وكأنما سينافس الموهوب الجديد من سبقوه على مكاسبهم التافهة، وهو لا يدري بأنه بفعله هذا يسيء إلى موهبته لأنها ستستهلك، ولن يتعلم جديدا من الجيل الجديد. وسيبقى المشهور يلحس دماغ المشهور غيره في دوامة لا تنتهي إلا بالغثاثة والتكرار، حتى ينفصل المثقف المشهور عن الواقع ويصير الواقع في جهة ويصير المشهورون من المثقفين العرب في جهة أخرى ولا يصل صوتهم إلا إلى نفر قليل غير مؤثر. لقد كان نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغائب طعمة فرمان ويحيى حقي وفريد بلكاهية وأحمد شوقي وعبدالله العروي ومصطفى جمال الدين وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وغيرهم يتعلمون من الشباب بالرغم من صيتهم وشهرتهم، ولا يعدمون وسيلة للالتقاء بالشباب والجلوس معهم ساعات، والأخذ بيدهم في عالم تبنى فيه المواهب بتراكم المواهب وتبادل الأفكار والتجارب وتلاقحها بين الشيوخ والشباب.

على أن الثقافة العربية ساهمت في إحياء روح العزة والإباء لدى أجيال هذا الربيع، وكانت محرضا للثورة على الأوضاع السيئة التي تعيشها الشعوب العربية.

ولكن للأسف انزوى المثقفون العرب وتركوا القضية حالما شعروا أنهم سيخسرون بعض الفتات، الذي تلقيه إليهم الحكومات هنا وهناك، وتخلوا عن أيّ تمرّد حتى ولو على الذات، واكتفوا بالنظر لما يدور حولهم، ولم يحاولوا حتى دراسة هذه التجربة الفريدة للخروج منها بتجارب تغني مسيرة الثقافة العربية.

ظهر في هذا العام، كسابقه، اهتمام الأجيال الجديدة بالثقافة ومحاولاتها للاندماج في فئة المثقفين بالرغم من علمهم المسبق أن الثقافة في بلداننا العربية هي درب الفاقة والعجز والتهميش، وأنها لا تعطيهم إلا وجع الرأس، وأن طريقها صعب وأنهم برغم حبهم لها، فإنهم لا يتمّ قبولهم في أوساط المثقفين بسهولة، وسيبقى من سبقهم إليها ينظر إليهم بعين الريبة والخشية، وكأنهم جاءوا ليسرقوا منه شعلة المعرفة والشهرة التي أخذها عن سابق جدّ واجتهاد وصراع مرير مع من سبقوه.

ويمكننا القول إن روايات جيدة كثيرة ودواوين شعر كتبها شباب صغار في العمر والتجربة، ويمكن الحديث طويلا عن مسرحيات وأفلام قصيرة جديدة حملت ابتكارات وأفكارا جديدة.

لقد حملت إبداعات الشباب جديدا يتصادم مع العناصر التقليدية الكهلة للثقافة العربية. هذا ما أحسست به في ما قرأته هذا العام لشباب كتبوا الرواية والقصة القصيرة، ورسموا اللوحة التشكيلية، وأخرجوا أفلاما قصيرة وكتبوا المقال الصحفي الجيد والمسرحيات وكتبا نقدية وقصائد نثر رقيقة، وقد كانت في غاية العذوبة والعمق.

وهو بالطبع ما لم أجده في كتابات كتاب مخضرمين قرأت لهم منذ عقود.

وهذا العام اكتشفت من الجديد في عالم المرأة المبدعة العربية كتابات: العراقية لطفية الدليمي والسورية الروائية هيفاء البيطار، واللبنانية هاديا سعيد. ومن الكتّاب: الروائي البحريني عبدالله خليفة والقاص مهدي عبدالله.

وفي فن التشكيل البحريني عدنان الأحمد وفي القصة القاص العماني محمود الرحبي والعراقي فاتح عبدالسلام، وفي الفكر رسول محمد رسول وفي الإعلام والشعر العاطفي عبدالوهاب الرامي ونوري الجراح وأديب كمال الدين وسهام جبار وسلام سـرحان، ومن النقاد الجيدين في المسرح عواد علي، وفي النقد القصصي والروائي عبدالله إبراهيم وجميل الشبيبي، وفي نقد السينما طاهر علوان، ومن كتاب المقال الجيدين عبدالمنعم الأعسم وخالد القشطيني وكرم نعمة وإبراهيم الجبين وصابر بن عامر، وغيرهم.

ولا يزال للأسف البعض ممن يتربعون في صدارة المشهد الثقافي على قديم أنجزوه في شبابهم، ولم يعد لديهم جديد بسبب انقطاعهم عمّا يكتب وينشر في الوقت الحالي.

وكل واحد منهم ينام على ما قرأه لبوشكين أو أرسكين كادويل وأرثور رامبو ودوستيوفسكي أو ما سمعه من موسيقى لتشايكوفسكي أو أرام خاتشادوريان، وهم لا يعلمون أن تحت جسر الثقافة العالمية مرت مياه كثيرة جديدة، وأنه لم تبق ممّا كتبه تورجنيف وهمنغواي وغيرهما من كتاب القرنين الماضيين وفنانيهما ومفكريهما غير الذكرى الطيبة.

كاتب من العراق مقيم في المغرب

15