الأبعاد الخطيرة لأزمة الدولار في مصر

الثلاثاء 2015/09/15

توجهت مؤخرا إلى شركة صرافة في قلب القاهرة تعمل بشكل قانوني مثل الكثير من شركات الصرافة في السوق المصري، لتغيير مبلغ بسيط من الدولارات، بناء على نصيحة صديق بأن سعر الصرف لديها أفضل بفارق واضح من سعر صرف الدولار في البنوك.

فوجئت بأن سعر الدولار قفز لمستويات لم أكن أتوقعها وتخطى حاجز 8 جنيهات للدولار. فوجئت أيضا برفض موظف الشركة تقديم إيصال بقيمة المعاملة، ووجدت أن المعاملات تتم دون تسجيل رسمي.

وكان السبب هو أن البنك المركزي يضع حدا أقصى على الودائع بالدولار، ومن ضمنها ودائع شركات الصرافة، في إطار جهوده للحفاظ على سعر صرف الجنيه المصري.

لكن من الواضح أن الإجراءات لم تنجح في كبح الارتفاع المستمر في سعر الدولار، حتى أنه بلغ في الأيام الماضية في السوق الموازية نحو 8.12 جنيها للدولار، في حين ظل سعره في البنوك عند 7.73 جنيها، بعد أن قام البنك المركزي بخفض قيمة الجنيه في البنوك الرسمية عدة مرات منذ بداية العام.

سبب صعود الدولار يكمن ببساطة في أن الطلب على الدولار يفوق المعروض. هناك طلب كبير من جانب رجال الأعمال لتمويل الواردات ومستلزمات الإنتاج المحلي، لأن الكثير من السلع المنتجة في مصر مثل الملابس والمنسوجات، تتطلب استيراد معدات وقطع غيار مواد أولية وصناعية.

في المقابل فإن صادرات السلع محدودة، وبالتالي ما توفره من دولارات للسوق المحلي محدود أيضا. وهذا واضح في العجز الكبير في الميزان التجاري، الذي بلغ في السنة المالية المنتهية في يونيو نحو 39 مليار دولار، حسب بيانات البنك المركزي، أي أن ما تستورده مصر يفوق ما تصدره بهذه القيمة.

ويلتهم ذلك العجز الكبير، الفائض الذي يحققه ميزان الخدمات مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين في الخارج. والنتيجة أن ميزان المعاملات الجارية، الذي يشملها جميعا، سجل عجزا بقيمة 12 مليار دولار.

بعبارة أخرى فإن المعروض من الدولار، نتيجة الصادرات من السلع والخدمات وتحويلات المصريين بالخارج، أقل من المطلوب منه لتمويل الفاتورة الهائلة للواردات، ولهذا يتواصل صعود الدولار. ولولا المساعدات الخليجية السخية في الفترة الأخيرة، لارتفع سعر الدولار أكثر مما هو عليه الآن.

ومع الانخفاض المستمر لقيمة الجنيه أمام الدولار والعملات الأجنبية، ترتفع أسعار السلع المستوردة، وكذلك السلع المحلية التي تدخل فيها مكونات مستوردة، وينتهي الأمر بموجة تضخم تعاني منها الأغلبية الساحقة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

ويعني ارتفاع الأسعار انخفاض دخولهم الحقيقية، في وقت لا ترتفع فيه الرواتب إلا بشكل محدود، لا يتناسب مع الزيادات المستمرة في الأسعار، في ظل غياب الرقابة الكافية على الأسعار، وعدم وجود جمعيات قوية لحماية المستهلكين، مما يعني أن المواطن لا حول له ولا قوة أمام موجات التضخم التي تهاجمه باستمرار، ولا يستطيع لها دفعا.

ولا تقتصر المعاناة على المستهلكين، بل تمتد إلى المستوردين، حيث يشكو رجال أعمال من صعوبة الحصول على الدولار بسبب القيود على الودائع الدولارية، الأمر الذي يضطرهم إلى اللجوء إلى السوق الموازية بهدف تمويل وارداتهم.

كما يخشى رجال الأعمال من التوسع في الاستثمار خشية استمرار صعود الدولار، وبالتالي ارتفاع تكلفة الإنتاج وفي ظل نمو اقتصادي ضعيف.

وقد لا يستفيد من ارتفاع الدولار سوى المضاربين الذين أشاعوا مؤخرا أن هناك اتجاها لخفض قيمة الجنيه، مما ساهم في تعميق الأزمة.

أحيانا يحقق انخفاض قيمة العملة مكاسب اقتصادية، من خلال خفض تكلفة الصادرات وزيادة قدرتها التنافسية في الخارج. لكن هذا غير متوافر في مصر، لعدم وجود قدرات إنتاجية كافية لزيادة التصدير إذا زاد الطلب الخارجي، وبالتالي فإن المكسب المحتمل من انخفاض قيمة العملة لا يتحقق بالنسبة للاقتصاد المصري.

ويكمن الحل في هذه الأزمة في زيادة الإنتاج والتصدير من السلع الزراعية والصناعية وتنشيط السياحة وجذب مزيد من الاستثمارات الخارجية وتشجيع المصريين بالخارج على تحويل المزيد من أموالهم.

باختصار تحويل مصر إلى مركز للسياحة والاستثمار والتصدير. لكن هذه الحلول المنطقية والبسيطة تتطلب بيئة استثمار جذابة للمستثمرين وتسهيل الإجراءات أمام المنتجين والمصدرين. وتتطلب إبداعا في جذب أموال المصريين بالخارج، وأفكارا غير تقليدية في جذب المستثمر الأجنبي، كما تفعل دول أخرى. وإلى أن يتحقق ذلك ستظل الفجوة بين صادرات مصر ووارداتها قائمة، وسيظل الدولار يصعد، ويلهث الناس للحاق به.

11