الأبقار مهر لتزويج القاصرات في جنوب السودان

ممارسات اجتماعية مرفوضة تزيد من المخاطر المهددة للفتيات.
الخميس 2020/12/31
خطر متزايد

يهدد الزواج المبكر الكثير من الفتيات في جميع أنحاء العالم، وتعتبر دولة جنوب السودان من بين الدول التي تعمد فيها العديد من الأسر إلى تزويج بناتها القاصرات معللة ذلك بتفشي ظاهرة الفقر والجهل، حيث يزوج آباء بناتهن مقايضة بالأبقار في ظاهرة اجتماعية خطيرة ومتزايدة.

جوبا – قدم رؤساء الإدارات الإقليمية بجنوب السودان طلبا للحكومة مع تزايد حالات زواج القاصرات، لسن قانون يردع مثل هذه الممارسات. وحذر رئيس إدارية بيبور (جنوب شرق) جيمس كوني كورك من خطر انتشار هذه الممارسات الاجتماعية بحق القاصرات على البلاد. وعزا كورك أسباب ذلك إلى “تفشي الفقر والجهل وتدني الظروف المعيشية”، معربا عن تطلعه إلى الإسراع بإصدار تشريعات تمنع زواج الأطفال.

وقال في تصريح للأناضول “دون وجود قانون قوي، لن يتمكن قادة البلاد من وضع حد لهذه الممارسات المهينة”، مشيرا إلى ضرورة تمكين المنظمات غير الحكومية من التعامل مع قضايا حقوق الإنسان.

وكشف كورك أن “الأهالي يقدمون بناتهم مقابل الحصول على 60 بقرة، وإذا هرب الشاب مع الفتاة يتعين على أهله دفع من 80 إلى 100 بقرة”. وأضاف “مع نشر الوعي في المجتمع، بدأ بعض الأفراد بالاقتناع بخطورة زواج القاصرات، ولكن مازال هناك من يتمسكون بهذه العادة”.

وتابع “مع تزايد عوامل عدم الاستقرار بسبب الفيضانات، أصبح من الصعب أن ينتقل رؤساء الأقاليم بين الأحياء لنشر التوعية وإنهاء هذا الوضع”.

وفيما أوضح رئيس وسط “ملكال” جيمس كير وال أن ظاهرة زواج كبار السن من القاصرات توقفت نسبيا، إلا أنها مازالت منتشرة بين الشباب، خاصة مع انتشار جائحة كورونا، أصبح الأمر أكثر سوءا.

وفي السياق ذاته قال المدير التنفيذي لمؤسسة “الديمقراطية والحكم الرشيد” جمي ديفيد كولوك، إن “زواج القاصرات ظاهرة خطيرة جدا، خاصة أنها تحدث تحت أنظار الحكومة”. وأضاف “الأمر غير متوقف على نشر الوعي فحسب، بل يحتاج إلى رفع مستوى المعيشة وتحسين الأوضاع الاقتصادية”.

ظاهرة زواج كبار السن من القاصرات توقفت نسبيا، إلا أنها مازالت منتشرة بين الشباب، خاصة مع انتشار جائحة كورونا

ودعت وزيرة النوع والطفل والرعاية الاجتماعية آية بنجامين واريلي إلى “طرح المزيد من الآليات لإنهاء أزمة زواج القاصرات”.

وقالت “الحكومة تعهدت بوقف هذه الانتهاكات بحلول عام 2023، حيث بدأت خطة العمل الوطنية لوقف زواج الأطفال في عام 2017”. وأشارت إلى أن “أكثر من 50 في المئة من النساء في جنوب السودان تزوجن قبل بلوغ 18 عاما”.

ووضعت الحكومة قضايا حماية الطفل والمساواة الجنسية وتمكين المرأة ضمن أولوياتها في الدستور الانتقالي لعام 2011، كما نص قانون الطفل الذي أقر عام 2008 على منع زواج الأطفال.

وأكدت منظمة “أوكسفام” الإغاثية الدولية في سنة 2019 أن زواج القاصرات في دولة جنوب السودان حرم 70 في المئة من الفتيات من التعليم، كما كشفت أنه يتم تزويج فتاة بين كل 10 فتيات قبل بلوغ الخامسة عشرة، محذرة من تفشي هذه الظاهرة التي “تعرض حياتهن لخطر الموت”.

وأوضحت المنظمة الدولية أن تصاعد معدلات الفقر والجوع طوال سنوات من الحرب الأهلية أرغم العديد من الأسر على تزويج بناتها القاصرات والحصول على المهر للبقاء على قيد الحياة.

ويربط حقوقيون في جنوب السودان بين ظاهرة الزواج المبكر والثقافة والقيم المتأصلة في البلاد، لافتين إلى أن الفقر هو الدافع الأساسي وراء زواج الأطفال، مشيرين إلى أنه عندما يُظهر الأغنياء أن لديهم الكثير من المال والأبقار للزواج، يترك الآباء بناتهم.

Thumbnail

وأكدت فتوما إبراهيم، رئيسة حماية الأطفال بصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) في جنوب السودان في سنة 2014، أنه “في ظل الحرب انزلق الناس أكثر إلى الفقر، وبدأوا ينظرون للأمر من باب أنه إذا تزوجت بناتهم سيحصلون على الأبقار، ومن ثم يمكن للإخوة وحتى الأعمام أن يتزوجوا”.

وأضافت “وجود فتاة بين الأبناء أصبح استثمارا. كلما تزوجت الفتاة مبكرا، كلما كان الأمر أفضل، لأنه إذا بقيت في المنزل طويلا، مع احتمال أن تبدأ علاقة مع شخص ما، ستخسر العائلة أكثر في ما يتعلق بالمهر المدفوع في ابنتهم، لقد أصبحت الطفلة هي الضحية، بل وأصبحت سلعة”.

ولفتت إبراهيم إلى صعوبة مواجهة مثل هذه الظاهرة، لأن الكثير من الرجال يسلكون ذلك الطريق، مضيفة أن “هذه الظاهرة منتشرة بين حماة الماشية ومسؤولي الخدمة العامة والمدرسين والإداريين؛ كل المستويات متورطة في هذه الممارسة، هذا أقرب إلى الاستغلال الجنسي”.

وأكد حقوقيون أن أعمار البنات اللواتي يُجبرن على الزواج تتراوح بين الثانية عشرة والثامنة عشرة، لافتين إلى أنه على الرغم من أن السن القانونية للزواج هي ثماني عشرة سنة، تحتل ممارسات ثقافية عدة مرتبة أعلى من القانون المطبق فعليا في جنوب السودان، حيث تشترط هذه الزيجات موافقة الوالدين.

وكشفت إحصائيات أنه في عام 2017 أجبرت 52 في المئة من الفتيات في جنوب السودان على الزواج قبل سن 18 عاما مقابل 9 في المئة من بينهن تزوجن مجبرات قبل إتمامهن سنتهن الخامسة عشرة، مشيرة إلى أن جنوب السودان تحتل المركز الخامس من بين دول العالم في مسألة زواج القصر.

وقال مختصون إنه في حين يمارس زواج القاصرات على نطاق واسع في البلاد، فهو يعد منتشرا بشكل خاص في ولايتي البحيرات وبحر الغزال، وهما منطقتان أغلب سكانهما من رعاة الماشية المنتمين لمجموعة الدينكا العرقية، إذ تحتل الماشية في هاتين المنطقتين مركزا اقتصاديا وثقافيا مهمّا.

وقال تقرير لموقع النيلين الإلكتروني إن الماشية في جنوب السودان تعد رمزا للمكانة الاجتماعية، وصاحبة الدور المحوري في حياة قبائل (الشلك والدينكا، والنوير، والزاندي، والمورالي والأنواك والفراتيت) وغيرها، وتتسبب في الاعتداءات وتشعل الحروب بين هذه القبائل.

وأشار إلى أن الماشية تمثل قيمة كبرى في تحديد مستقبل الفتيات، استنادا إلى أنها القيمة المقبولة لدفع المهر في طقس الزواج، وقد يدفع العريس ما يعادلها من مال نقدي.

Thumbnail

وأكدت المدونة أقون كاي أجاك أن الفتيات في الجنوب يتعرضن إلى البيع في سن الخامسة عشرة والثامنة عشرة من عمرهن، وأضافت أن الظاهرة أصبحت خطيرة على الفتيات وتعرضهن إلى انتهاكات، منبهة إلى أن بعض الأزواج كبار في السن ويقومون بدفع أموال ضخمة لأسر الفتيات.

وأشارت أجاك إلى أن معظم الفتيات في الجنوب يتعرضن لذلك لعدم وعي الأسر، موضحة أن الشخص الذي يتزوج الفتاة لا يكترث لمعرفة رأيها، باعتبار أنه دفع المال لأسرتها، بطريقة أقرب إلى الشراء منها إلى الزواج، لذلك لا تستطيع الأسرة اتخاذ موقف حال وقع خلاف بين الزوجين.

كما لفتت أجاك إلى أن قصة زواج فتاة الفيسبوك الشهيرة، التي تم تداولها بصورة واسعة في وسائط التواصل الاجتماعي، وصفتها بالتطور غير الحميد لجهة الأموال الطائلة التي دفعت لها كمهر، وهي 500 رأس من البقر و200 ألف دولار و3 سيارات، وهو أمر تجاوز الأعراف، وأنها عادات تتمسك بها القبيلة، تعتبر انتهاكا لحرية المرأة في اختيار الزوج، وتمثل خطرا عليها لجهة أن الأسر أصبحت تتاجر ببناتها بما يشبه الاسترقاق لهن.

وأكد مختصون أن الأزمة الاقتصادية التي نجمت عن فايروس كورونا قد تفاقم الوضع ويدفع تفاقم الفقر الناجم عن فقدان سبل العيش الأولياء إلى تزويج بناتهم في سن مبكرة، حيث حذرت منظمة “الرؤية” العالمية الخيرية من أن 4 ملايين فتاة قاصر معرضات لخطر الزواج في العامين المقبلين.

ووفق تقرير حديث لإذاعة “مونت كارلو الدولية”، أشارت المؤسسة الخيرية “وورلد فيجن” إلى أدلة عن ارتفاع حالات زواج الأطفال في جنوب السودان وأفغانستان والهند، حيث عملت المؤسسة مؤخرا مع الشرطة لوقف عدة حالات زواج واتفاق عبر الهاتف.

وتوقع تقرير للأمم المتحدة أن يؤدي هذا الوباء إلى 13 مليون زواج إضافي على مدى العقد المقبل. وكشفت التقديرات أن عدد الفتيات اللواتي يتزوجن دون سن 18 يقدر بنحو 12 مليون فتاة حول العالم كل عام.

21