الأبناء المتمردون على أسرهم الإخوانية.. رفض مجتمعي ومستقبل مجهول

يمثل أبناء أعضاء جماعة الإخوان، المتمردون على منهج آبائهم النسبة الأقل بين غالبية مؤيدة وراضية بواقعها، ويجمع بينهم خيط يكتشفه محاورهم من نظرات أعينهم الحائرة.
الأربعاء 2018/05/02
الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

في مدينة المطرية بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة) التي تشتهر بصيد الأسماك لقربها من بحيرة المنزلة، لا يعرف الكثيرون قصة محمد مع والده، ولا يريد هو أن يعرفها أحد، وتمنى أن تطوى صفحتها وألا تكون قد حدثت.

نشأ محمد في أسرة وجد الناس يصفونها بالإخوانية، ومع مرور السنين تأقلم مع ما يفرضه والده من تعليمات وسلوكيات، دون أن يقرأ ويطلع، لكنه كان يجد نفسه في مسار مستقل مع الحرص على عدم إثارة المشكلات، حتى تصاعدت الأحداث وازدادت سخونة بعد فوز القيادي الإخواني محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية عام 2012 وعزله بعدها في يوليو 2013.

يقول محمد عن شقيقه أحمد، وهو سائق حافلة كان يجهز لزفافه “كان أصغر مني ويمتثل لأوامر والدي دون نقاش وكان مقتله في اعتصام رابعة العدوية الذي واظب على الذهاب إليه بصحبة والديا”.

يمثل أبناء أعضاء جماعة الإخوان، المتمردون على منهج آبائهم النسبة الأقل بين غالبية مؤيدة وراضية بواقعها، ويجمع بينهم خيط يكتشفه محاورهم من نظرات أعينهم الحائرة، فهم يشعرون بالغربة ويحملون وصمة تصنيف أسرهم.

أرجع الخبير في علم الاجتماع أيمن زهري، ردود أفعال الأبناء على سلوكيات الآباء إلى عديد من العوامل الخارجية، قاصدا بها العوامل الخارجة عن التنشئة داخل الأسرة والتأثر بصورة الأب. وأوضح زهري، لـ”العرب”، أنّ التسارع المتزايد في التكنولوجيا واستحداث منصات التواصل الاجتماعي والآفاق الجديدة للمعرفة التي قصّرت المسافات بين الشعوب والثقافات المختلفة والتعدّد الحاصل في كافة مناحي الحياة، أدّى إلى تعرّض الأجيال الجديدة من أبناء قيادات الجماعات المنغلقة عادة إلى ضعف تأثير الجماعة المغلقة في سلوكيات الأبناء.

واجه أبناء أعضاء وقادة جماعة الإخوان من الرافضين لآراء وتوجهات آبائهم واقعا معقدا بعد عزل الجماعة عن الحكم وانخراطها في العنف، فلم تعد مشاكلهم محصورة في نطاق الأسرة بسبب الاشتباك المتواصل ضمن سياق مسعى الحفاظ على الاستقلالية عن سلطة الأب الذي هو بمثابة وكيل الجماعة في البيت. تعاني هذه الفئة من تبعات تحوّل اجتماعي هبط بهم سريعا إلى مستويات دنيا اقتصاديا واجتماعيا؛ بعد أن وجدوا أنفسهم منبوذين مجتمعيا، وانكشفت الجماعة وسقط الحاجز الذي كان يلفها بسياج من الحماية، والمتمثل في انغلاق التنظيم وقيامه بنفسه بمعزل عن باقي فئات المجتمع، حيث كان مكتفيا بذاته اقتصاديا واجتماعيا.

علاوة على مسار التحوّلات الحادّ من كونهم كانوا أبناء طبقة متوسطة مستقرة والبعض منهم من عائلات تضمّ مهندسين وأطباء، ليجدوا أنفسهم بعد شعور التفاخر بأوضاع اجتماعية جيدة مضطرين لإخفاء ألقاب عائلاتهم والتبرؤ من ماضي آبائهم.

انعكس الأسلوب الحاد الذي تعامل به الآباء مع الواقع المصري قبل سنوات عندما عمموا الاستخفاف بالمصريين واتهموهم في عقولهم ودينهم وأخلاقهم، على الأسلوب الذي تعامل به البعض مع أسر أعضاء جماعة الإخوان.

سلطة الأب انحرفت عن طبيعة السلطة الإيجابية الراعية، إلى سلطة بالوكالة مهمتها رهن كل ما يتعلق بأسرته لخدمة الجماعة

لتفادي هذه الآثار السلبية على الأبناء ولاعتبارات أخرى متعلقة بالحرص على حماية الوظيفة الحكومية والإعفاء من الملاحقات والتضييق الأمني، انتشرت لافتات في البعض من ميادين الأحياء يعلن خلالها عضو معروف بجماعة الإخوان عن تبرئه منها ومن ممارسات قادتها وأعضائها وعن انحيازه لمؤسسات الدولة والجيش. ويصف استشاري الطب النفسي خليل فاضل، الأب الطبيعي بملاذ الأسرة وحاميها حتى أثناء غيابه المؤقت في سفر أو عمل، وانهيار نموذج الأب كعنصر أمان باتجاهه للجريمة سواء الجنائية أو الإرهابية يدفع الابن إما للانحراف على طريقة الأب ليشعر نفسه بأمان وهمي، وإما يلجأ للعودة للمجتمع ليحتمي بالأمان المجتمعي.

تختلف الأسرة الإخوانية عن الأسرة الطبيعية، فهي تقوم على انضباط الشديد، وتتشكّل من أفراد بقيادة مصغرة تابعة لقيادة التنظيم الجامع، ولها عاداتها ونظمها وأهدافها الخاصة بها. وتجنح الأسرة التابعة للجماعة للمفاصلة الشعورية ولإعلاء مكانة الانتماء إلى التنظيم فوق أيّ انتماء آخر، وذلك عبر شحن أفرادها بجملة من التصوّرات والأفكار تجعله ينخلع نفسيًا من المحيط المجتمعي ليكون ولاؤه مركّزا فقط في قيادته التي يبايعها على السمع والطاعة.

ويعتق من هذا الأسر المركّب القليل ممن يمتلكون المقدرة على التحرر من وهم قدسية تلك الأفكار والتصوّرات التي غالبًا ما تكون على هيئة تعليمات ومفاهيم منسوبة لمؤسس الجماعة حسن البنا، ويتحررون من سلطة الأب التي انحرفت عن طبيعة السلطة الإيجابية الراعية الحامية، إلى سلطة بالوكالة عن الجماعة مهمتها رهن كل ما يتعلق بأسرته لخدمة الجماعة. تفرقت العائلات التي تربطها صلات مباشرة وغير مباشرة بجماعة الإخوان، على وقع أحداث السنوات الأخيرة إلى أصناف ثلاثة: واحدة مرهونة بالكامل للجماعة لا يشذّ فيها كبير أو صغير أو رجل أو امرأة أو شاب أو فتاة عن النهج والقناعات والممارسات الإخوانية المعروفة.

وعائلات ثانية، طبيعية والبعض منها متعاطف مع الجماعة تفاجأ بأخبار حول انخراط أحد أفرادها في العمل المسلح بعد الإعلان عن اشتراكهم في عملية تفجير أو اغتيال، ولم تظهر عليهم قبلها علامات اعتناق أفكار متشدّدة.

وهناك فئة ثالثة من عائلات إخوانية راسخة في الانتماء والولاء يتمرّد أحد أفرادها رافضا الرضوخ لضغوط العائلة ليكون عضوًا متسقًا مع تقاليد العائلات الإخوانية الكاملة.

التقت “العرب” حالتين في محافظة بورسعيد (شمال شرق القاهرة) كلاهما تم حبس والده في قضايا تظاهر وشغب،.

يقول أحدهما “لا أنتمي إلى الإخوان وعارضت توجّه والدي وآراءه، لكني خسرت 200 ألف جنيه عندما استغل أحد التجار غياب والدي واستولى على نصيبنا في ربح تجارة مشتركة بيننا، وعندما طالبت بحقي جاءني استدعاء أمني على خلفية شكوى كيدية تزعم بأنني إخواني”.

وقال الآخر، إنه “على الرغم من أنني معروف بكوني ضد الجماعة فقد كان حبس والدي فرصة لمنافسيه في التجارة ليحرموننا من تجديد عقد إيجار محلنا الذي يحتل مكانا مميزا بالميدان الرئيسي للحي، وكانت وسيلتهم التخويف منا كوننا ننتمي إلى الجماعة الإرهابية”.

تلخص أغلب النماذج المتضررة أن أبناء جماعة الإخوان المستقلين يجدون صعوبة في الاندماج والتأقلم على الرغم من تفوّق غالبيتهم علميًا، إذ تحرص الأسر الإخوانية على هذا التفوّق ليصب في خدمة ومصلحة التنظيم.

13