الأبناء يحصدون "الميراث المر" للطلاق

الاثنين 2013/11/04
توافق الأب والأم ضرورة لتوازن الطفل عاطفيا ونفسيا واجتماعيا

القاهرة- تجربة قاسية للغاية أن يشعر شاب بالتحرر من عبء ثقيل عند موت أبيه، لكن هذا ما يفعله الطلاق والانفصال بالأبناء.

يحكي مازن 43 عاما عن تجربته الخاصة بعد طلاق والديه، قائلا: فجأة افتقدنا صوت أبي الجهوري وصخب البيت.. انطفأ كل شيء؛ أضواء الغرف.. ابتسامة أمي.. وحلت محلها أشياء أخرى، مصاريف الشهر، نظرات الجيران وهمساتهم، مازلت أذكر حتى الآن جارتنا عندما استدرجتني وقت اللعب مع ابنها لتسألني عن سبب طلاق أبي وأمي، وهل هناك امرأة خلف القصة؟

كانت تلك آخر صلتنا بالجيران التي قطعتها أمي؛ لتغلق باب الفضول الجارح لدى الآخرين، لم أكن أعرف وقتها أنني سوف أصبح حقلا للتجارب، فهذا يسأل وهذا يجيب وهذا ينصح، من الأهل والأقارب، وكأنني كبير أدرك وأعي، رغم أن عمري آنذاك لم يتجاوز العاشرة، وحين وجدت نفسي فجأة المرسال بين أبي وأمي بحكم أنني الوحيد الذي أراه ودعت الطفولة للأبد، ووجدت نفسي ألعب أدوار البالغين؛ فهي تكيد له وهو يسعى لإغاظتها، هو يستقطبني بالهدايا والصفح، وهي تبالغ في حمايتي منه.

تزوّج أبي وأنجب أطفالا آخرين أصبحوا مركز اهتمامه ورعايته، بينما صرت أنا وإخوتي صدى لماض لا يريده، في ذلك الوقت حاولت تنظيم حياتي كما ينبغي، فكل زملائي أخبرهم أن أبي مسافر حتى سافر أبي بالفعل إلى إحدى الدول العربية، وعاد منها مريضا وطلب مقابلتي بعد سنوات من الفراق، أصبحت خلالها شابا يبحث عن وظيفة.. أيام ومات أبي.. في أحيان أخرى، يحاول أبناء الطلاق مقاومة الواقع الأسود.. يرفضون أن يكونوا مجرّد ريشة في عاصفة تتلاعب بهم.. أحيانا ينجحون.. وأحيانا يفشلون.. والأسوأ أن يتحولوا إلى "ساديين" هوايتهم تعذيب الآخرين.

وتؤكد الباحثة الأميركية الدكتورة جوديت واليدستين، أنها ظلت ربع قرن تدرس خفايا وأسرار أبناء الطلاق، وخرجت مؤخرا بكتاب يحمل عنوان "الميراث المرّ للطلاق"..

ويتعرض للسمات النفسية والاجتماعية لضحايا الطلاق، ويؤكد أن حوالي 60 بالمئة من أبناء الأسر المطلقة يواجهون مشكلات في علاقاتهم الاجتماعية، كما أن معظمهم يتوقعون الفشل في حياتهم، ويتردد قسم كبير منهم عندما يقدم على اختيار يؤدي للتغيير في حياته، لأن تجربة طلاق والديه كانت تغييرا، لكن للأسوإ في حياته وليس للأفضل، ويخاف معظم أبناء المطلقين من الخيانة والوحدة، وهذا ما يجعلهم يقومون باختيارات خاطئة في علاقاتهم العاطفية يحطمون من خلالها صحتهم النفسية.

ولكن المفاجأة التي أظهرتها دراسة الدكتورة واليدستين، أن الأطفال الذين تعرضوا لتجربة طلاق والديهم هم الأكثر عاطفة وتقديرا لمشاعر الآخرين، وتدفع تجربة الطلاق الأطفال إلى الالتصاق مع إخوانهم، ولهذا فإن الإخوة في أسرة تعرضت للطلاق، يحاولون باستمرار توثيق صلاتهم ببعضهم البعض وإعانة بعضهم على صعوبات الحياة.. كما يظهر الأشخاص الذين تعرضوا لتجربة طلاق في صغرهم قدرات جيدة في عملهم ترتفع عن متوسط الأداء الجيد بين أقرانهم.

توافق الأب والأم ضرورة لتوازن الطفل عاطفيا ونفسيا واجتماعيا عند الكبر.. هذا ما يؤكده الدكتور حامد زاهران، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، ويضيف: تكوين ملامح نفسية الطفل تبدأ منذ الطفولة، وتكون المشاهد الأولى هي الأقوى والأكثر تأثيرا، والمشكلة أن الطفل تكون فكرته الأولى عن الجنس الآخر من خلال عيون والديه، فالفتاة تنظر للرجال وتقيّمهم طبقا لأفعال أبيها معها، ومع والدتها، وتتأثر بآراء والدتها عن أبيها عند تكوينها صورة متخيلة عن الجنس الآخر، وكذلك الابن وهو ما يساهم أكثر من غيره في بناء الآراء السلبية عن أحوال الجنس الآخر قبل بناء التجربة الشخصية للابن أو الابنة، وبالتالي يتم توجيه التجربة الشخصية قبل أن تبدأ، مما يؤثر بالتالي سلبا في تجارب أبناء المطلقين العاطفية، وقد يدفع حرص الابن والابنة على عدم تكرار تجربة أبويه إلى وضعهما مقاييس صارمة لشريك الحياة، وغير واقعية ظنا منهما أنها الضامن لمنع تكرار مأساة الوالدين.

وتشير الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس إلى أن فقدان أحد الأبوين بالطلاق هو فقدان لأسس الأمان النفسي لدى الطفل الذي يشعر بأن الأب أو الأم قد تخليا عنه، وهو ما يجعله عند الكبر متشككا في علاقاته بالآخرين، وتحديدا الجنس الآخر.

وتوضح الدكتورة سامية أن الشاب أو الشابة الذي يتعرض لهذه التجربة في طفولته يكون عاديا واجتماعيا مع أقرانه، لكنه أثناء التجارب العاطفية يكون شخصا آخر، فهو أكثر حساسية، وأكثر خوفا، ومتدفق المشاعر بشكل يصعب التعامل معه، لأنه قابل للخدش وسريع التأثر، وأحيانا قد يكون قاسيا ظاهريا ويتعمد وضع الحواجز خوفا من الآخرين.

21