الأبناء يرثون سلوكيات آبائهم وأفكارهم المتطرفة

انحياز الطفل إلى الآخر المختلف أو تحامله عليه يرجع إلى تقليد تصرفات الوالدين.
الجمعة 2020/10/23
ما يتعلمه الأبناء على أيدي آبائهم وأمهاتهم ينطبع على سلوكهم

يرث الأبناء سلوكيات وأفكار آبائهم المتطرفة، والتي يمكن أن تكون في معظمها دافعا لكي يتعلّم الصغار أحقاد الكبار. ويرجع البعض زيادة الكراهية بين الأطفال وخاصة بين الطوائف المختلفة، إلى تبني الآباء لهذه الثقافة ليرث أطفالهم بذلك ثقافة ذويهم وتقاليدهم ويتشرّبون أحقادهم وكراهيتهم للآخر.

يغذي بعض الآباء والأمهات أطفالهم بكراهية الآخرين والرغبة في الانتقام منهم منذ طفولتهم المبكرة، غير مبالين بما يرمز إليه عالم الطفولة من براءة ونقاء، حيث أكد أخصائيو الشؤون النفسية والاجتماعية أن ما يتعلمه الأبناء على أيدي آبائهم وأمهاتهم يعتبر من العوامل الجوهرية لتطورهم والتأثير فيهم مدى الحياة، لأن الآباء يحتكون بأبنائهم لفترة طويلة وفي أوقات ومراحل مهمة، ولذلك من غير المفاجئ أن يتبنى الأطفال أيديولوجيات آبائهم عند الكبر.

ونبهوا إلى أن أطفال الجيل الجديد يحاولون تجديد انتمائهم وسط عالم مليء بالاختلافات في الأجناس والمعتقدات واللغات والقُدرات والتقاليد والأعراق. ولأنّ الطفل أخذ يلاحظ هذا التنوع بين أنداده، وفي المدارس والشوارع والحدائق العامّة، بدأ يُصنّف البشر في ذهنه إلى فئات مختلفة.

ويتخوف خبراء التربية من هذا التوجه، لأنّهم لاحظوا أن هذا النوع من التصرف بدأ ينتشر بين أطفال في عمر ثلاث سنوات. كما أنهم لاحظوا أن تصرفات الآباء والأمهات تؤثر في انحياز الطفل أو تحامله على الآخر الغريب.

وقالت المختصة في علم النفس الإكلينيكي في مصر الأستاذة هدى عبدالعال العماوي، إن بعض السلوكيات والأفكار المتطرفة التي تصدر عن الأبناء يرثونها غالبا عن الآباء من خلال ممارسة التسلط والتحكم الزائد في أفكار ومعتقدات الأبناء.

وأكدت لـ”العرب” أن الحقد من الأفكار أو السلوكيات المتطرفة التي يمكن أن يورثها الآباء لأبنائهم، لافتة إلى أنه على سبيل المثال إذا كان الآباء لديهم مشاعر حقد أو كراهية لظاهرة معينة أو شخص معين، يستطيع الآباء توريث هذه المشاعر إلى الأبناء وذلك من خلال الذم المستمر حتى ينتهي الأمر إلى تبني الأبناء لهذه المشاعر تجاه هذه الظاهرة أو الشخص دون أي سبب واقعي أو حقيقي، ولكن فقط لأن آباءهم يعبرون باستمرار عن مواقفهم المتطرفة التي تنبذ الآخرين ولا تتقبلهم.

وأشارت العماوي إلى أن هذه السلوكيات والأفكار المتطرفة والتي يرسخها الآباء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الأبناء ما هي إلا أفكار وسلوكيات ليس لها أي أساس عملي أو واقعي لذلك سميت بالأفكار المتطرفة.

وتابعت موضحة أن التطرف ما هو إلا شذوذ أو انحراف عن كل شيء طبيعي أو متعارف عليه، لذلك لابد من زيادة الثقافة والوعي عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون والإرشادات المدرسية والجامعية.

سنوات التشكيل الأولى من عمر الطفل، هي أفضل وقت يتعلم فيه التسامح وتقبل الاختلافات وإدراك التنوع في المجتمع

وشددت المختصة المصرية على ضرورة الاهتمام بوعي الأبناء بشكل منظم ومضبوط، ويكون ذلك عن طريق زيادة الوعي لدى الآباء وزيادة تثقيفهم حول التربية الإيجابية، حتى لا تؤدي هذه السلوكيات أو الأفكار المتطرفة إلى تدهور أو خلل في المجتمع من الجانب الأمني أو الأخلاقي.

وقال المختصون إن تعليم التسامح وقبول الاختلافات الشخصية يسمحان للطفل بأن يتعلم أهمية المجتمع. لكن، ولسوء الحظ، هناك من يشجّع على عدم التسامح، نظرا لجهله وبسبب التعصب الأعمى والتمييز العنصري والكراهية.

وشددوا على أهمية تعليم الآباء والأمهات لأبنائهم التسامح في سن مبكرة، لأنهم عندما يكونون متسامحين فإنهم يحترمون الآخر ويحافظون على مشاعره ويتقبّلونه حتى لو كان مختلفا عنهم في الجنس والعرق والدين.

وأكدوا أنه لا أحد يولد وبداخله مشاعر البغض والكراهية للآخر، ولا أحد يولد وبداخله إحساس أنه أفضل من الآخر، فهذه تصرفات مؤذية يتعلمها الطفل من محيطه الأسري بالدرجة الأولى.

ولفتوا إلى أن الأطفال يطبقون ما يتعلمون، وهم غالبا ما يتعلمون من خلال المراقبة، فإذا لاحظ الطفل أن أحد أفراد أسرته يخاف من شخص ما لأن لون بشرته غامق، أو لأنه لا يحبه باعتباره يختلف عنه في الدين أو العرق، عندها يتعلم عدم التسامح والكراهية والتمييز والانحياز. أما إذا رآه يساعد الفقير والمحتاج، ويُصادق الذي يختلف عنه في الجنس والدين والثقافة، فسيتعلم أن يكون متسامحا مثله. وشددوا على أنه بإمكان الأُسرة وقف عجلة الكراهية والتمييز والانحياز، إذا كانت المثال الجيد للحب والتسامح.

وحذر الباحثون من أن استخدام الآباء لإشارات وتعبيرات تعبر عن الكراهية والرغبة في الانتقام من الغير فإنها تقود الأطفال إلى تعلّم “شيطنة” الأشخاص الذين ينخرطون في سلوكيات صنّفت من قبل آبائهم على أنها “سيئة”، وبالتالي فهم عرضة لما يسمّى بـ”الدوغمائية المكتسبة”، بمعنى أن تجاربهم ومعارفهم السابقة تُملي عليهم مواقف تجعلهم أكثر انغلاقا من الناحية الذهنية.

وتستمر الرسائل التي يستخلصها الأطفال من الأسرة والمدرسة والأقران ووسائل الإعلام معهم إلى حين وصولهم إلى سن النضج، وهو ما يعني أن ثمة فرصة كبيرة لأن يتبنى الأطفال معتقدات دينية متعصبة وأيديولوجيات سياسية بطرق خفية، لكنها قد تستمر معهم مدى الحياة.

وتوصلت دراسة إلى أن الأطفال لا يولدون ومعهم الميل إلى كراهية من يختلفون عنهم، مشيرة إلى أن “التمييز ضد غير المألوفين لنا من الناس إنما هي سمة نكتسبها أو نتعلمها”.

هدى العماوي: الاهتمام بوعي الأبناء بشكل منظم ومضبوط ضروري، ويكون ذلك عن طريق زيادة وعي الآباء
هدى العماوي: الاهتمام بوعي الأبناء بشكل منظم ومضبوط ضروري، ويكون ذلك عن طريق زيادة وعي الآباء

ورصد الباحثون رد فعل الأطفال الرضع عند التفاعل مع الناس الذين يتحدثون، سواء كانت لغتهم مألوفة أو مختلفة، ففي السنة الأولى من العمر، يعتقد الرضع أن المتحدثين بنفس اللغة يكونون أناسا طيّبين. ومع ذلك، لا يظهرون أي ردود أفعال، جيدة أو سيئة، نحو الأشخاص الذين يتحدثون لغة غير مألوفة. وقال الباحثون “من الواضح أنهم لا يولدون بهذا التحيز الذي يجعلهم يتوقعون أمورا سيئة من بعض الناس”.

واستندت الدراسة إلى بحوث سابقة أظهرت أن الأطفال في سن الثالثة يميلون إلى التمييز ضد غير المألوفين لديهم، مما يشير إلى أن التمييز هو شيء نتعلّمه في سنواتنا الأولى من العمر.

وقالت أنثيا بان، المؤلفة الرئيسية للدراسة، “إن التمييز المستمر والصراع عبر الثقافات قد دفع علماء النفس إلى التساؤل عما إذا كنا نميل بشكل طبيعي إلى حب الناس الذين يشبهوننا، ونكره أولئك الذين يختلفون عنا؟ أم أننا نتعلم كيف نشعر بذلك؟”.

وأضافت “هذه النتائج تشير إلى أن كلا الأمرين صحيح، فحب الناس الذين يشبهوننا يبدو أنه تحيز فطري، ولكن كراهية أولئك الذين هم مختلفون عنا هي شيء من المرجح أننا نتعلمه لاحقا”.

ولفت الخبراء إلى أن سنوات التشكيل الأولى من عمر الطفل، هي أفضل وقت يتعلم فيه التسامح وتقبّل الاختلافات وإدراك التنوع في المجتمع. فخلال السنوات الأولى، يبدأ الطفل في تكوين رأيه عن نفسه وعن العالم المحيط به. ومن المهم أن يطور الطفل مفهوما ذاتيا إيجابيا من خلال تجاربه الخاصة مع الانتماء والقبول.

وأفاد أخصائيو الشؤون النفسية والاجتماعية بأن ثقافة الكراهية والحقد تنتشر لدى بعض الأطفال، وتساهم عدة عوامل أسرية واجتماعية في تعزيز هذه الثقافة. وأكدوا أنه كما تربي الأسر أبناءها على الحب والتسامح بشكل مقصود وغير مقصود قد تربّيهم على الكراهية والحقد والانتقام بشكل مقصود وغير مقصود أيضا.

وأشاروا إلى أن التعصب ينتقل من جيل إلى جيل، ومن الكبار إلى الصغار، حيث يتعلم الكثير من الأبناء التعصب الطائفي من آبائهم، مشيرين إلى أنه في المجتمعات المتعصبة تجد قيم التعصب تعزيزا لها في إطار المؤسسات والقوانين والعادات.

وأكدت دراسة عراقية أن الأسرة تقوم بدورها في تنمية التعصب لدى أطفالها إما بصورة مباشرة عن طريق تلقينهم أن يسلكوا سلوكا معينا وأن يكونوا مدركين لطبيعة ونوع الأفراد والجماعات التي تختلف عنهم، وإما أن تقوم الأسرة بدورها بصورة غير مباشرة عن طريق ملاحظة تقليد الأطفال سلوك وحديث آبائهم، ومن الأمثلة على ذلك أن الأسرة التي تعتنق مذهبا دينيا معيّنا تغرس في أطفالها حب الانتماء لمذهبها وكراهية بقية المذاهب إلى درجة التعصب ضدها.

وأشارت إلى أن الأسرة تعد من المنظور الاجتماعي بنية اجتماعية أساسية، فالطفل يتفاعل مع الوالدين أو القائمين على تنشئته في مواقف منظمة وتنعكس أثناء مواقف التفاعلات الاجتماعية بينهم.

وأضافت أن الأسرة هي التي تزرع القيم والعادات وأيضا العصبية الاجتماعية في النشء، وهي المركز الأول لتدريب الصغار وترسيخ أي نوع من الثقافة لديهم، فإذا حصل أي خلل أو اضطراب في هذا الدور تكون قد زرعت ونمّت التعصب والانحراف والاضطراب لدى أفرادها.

21