الأبنودي الذي أغمض عينيه في ذكرى رحيل صلاح جاهين

الخميس 2015/04/23
عبد الرحمن الأبنودي: عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر

الشعر هو الشعر أيا كانت اللغة أو اللهجة التي يكتب بها هذا الكائن الأكبر من كل اللغات، هذا الجنس المختلف بعمق عن كل ما أتاه الإنسان في هذا العالم. هكذا نقرّ أن الشعر شعر سواء كتب بالعامية أو بالفصحى، بل نظن إنه لا فرق بينهما سوى في الطريق اللغوي الذي يسلكانه إلى قلب ومخيلة وعقل القارئ. الشاعر المصري عبدالرحمن الأبنودي أبرز من يثبت قولنا هذا، هذا الشاعر الفذ الذي كتب شعرا عاميا بلهجة الصعيد ماحيا الحدود الوهمية بين الشعر الفصيح والعامي، ضاربا في عمق الإنسان المصري البسيط وصولا إلى الإنسان أينما كان. صحيح أن الموت غيّب جسد الشاعر وروحه أول أمس، لكن أشعاره ستظل رنانة بلغتها الخاصة ونفاذها الأخاذ، سواء في ثوب أغنية أو نص مكتوب أو مسموع.

عبدالرحمن الأبنودي، ظاهرة شعرية فريدة، يجب أن تتم دراستها بعمق، منذ أول وهلة ظهرت موهبته الإبداعية، كشاعر كبير، منذ أن أمسك القلم بيده، فظهرت دواوينه تباعـا، بداية من “الأرض والعيال”، مرورا بدواوينه التالية “الزحمة”، “المشروع والممنوع”، “المد والجزر”، قصيدة طويلة “الأحزان العادية”، وغيرها من المجموعات الشعرية وصولا إلى “أيامنا الحلوة” الصادر عن مؤسسة الأهرام، والذي يحكي فيه قصة حياته بأسلوب شيق بليغ، يصعب على أيّ كاتب أن يكتب نظيره، بطريقته الرائعة في الحكيّ.

****

كتابة الأغنية

استمرت رحلة الأبنودي مع الأغنية، التي كان صلاح جاهين، من أهم من لفت النظر إلى هذا النوع من الكتابة الذي برع فيه الأبنودي، وقد تنوعت أعمال عبدالرحمن الأبنودي في هذا النمط الشعر ي حتى أنه كتب أغنيات مازلنا نرددها منذ طفولتنا وحتى الآن، ولعل أهمها أغنية نجاة الصغيرة “مسير الشمس” التي يمكن أن أغفر للأبنودي كل خطاياه، إذا ما استمعت إليها، هذا فضلا عن الأغنيات الجميلة، التي غناها وساهمت في ذيوع وانتشار المغني محمد رشدي، مثل “عرباوي”، “تحت الشجر يا وهيبة”، وأغنيات أخرى كثيرة لصباح مثل “ساعات ساعات، بأحب عمري وبأعشق الحياة” التي أحبها الناس من كافة الأعمار والأجيال والاتجاهات، كما غنت له شادية، “آه يا أسمراني اللون”، وأغاني فيلم “شيء من الخوف”، وأغنيات أخرى كثيرة، شملت كافة المطربين، فغنى له عبدالحليم حافظ، من أغنياته الوطنية “ابنك بيقولك يابطل، هات لي نهار” وأغنيته الشهيرة التي يرددها الجميع “أحلف بسماها وبترابها”، وأغنية “عدي النهار”، كما غنى له مطربون آخرون.

الجديد الذي يقال هنا، أن كل المطربين قد صدحوا بأغاني من كلمات “الأبنودي” فغنى له، محمد منير “شوكولاتة، كل الحاجات بتفكرني”، “من حبك مش بريء”، “برة الشبابيك”، وأغنيات أخرى كثيرة، كما قد جمع الأبنودي سيرة الزير سالم، جمعا موثقا وشاملا، بحيث صارت السيرة الهلالية، في متناول الجميع، كما كتب أغاني العديد من المسلسلات مثل “النديم”، و”ذئاب الجبل”، وغيرهما، وكتب حوار وأغاني فيلم يحيى الطاهر عبدالله “الطوق والأسورة”. هذا ملخص شديد لحياة الأبنودي الشعرية، التي كانت بالغة الثراء.

عبدالرحمن الأبنودي عرف برأيه الصريح، حتى أنه لم يلتفت إلى الشعراء الشباب، وكان موقفه منهم بالغ القسوة، حيث لم يعترف سوى بالموهبة، مما خلق تيارا، يصعب على أيّ شاعر العوم فيه بقوة واقتدار.

الأبنودي منذ البداية كان يحمل من الإمكانات الفنية والرؤى الناضجة ما جعله قادرا على شق طريقه حاملا علم البساطة والرقة

◄ الشاعر محمد كشيك

****

أشعار هموم الشارع المصري

عندما تكون للوطن عيون ونفقدها الواحدة تلو الأخرى فمعناه أننا في طريقنا نحو الظلام. هكذا ارتأيت أن أشبه رحيل الشاعر المصري أو الخال كما كانوا يلقبونه عبدالرحمان الأبنودي. رحل عن الدنيا ولكن عن قلوب البسطاء والشارع المصري وعن قلوب الشعراء جميعا لم يرحل. من منا لم يستمع لزجل الأبنودي مرة ومن منا لم تحركه أشعاره المتوغلة في هموم الشارع المصري والإنسانية ككلّ فلقد كتب للحرية أجمل الكتابات وظلّ يراوده حلم الحريّة حتى رحل ولكنّ حلمه لم يرحل أليس هو القائل “خايف أموت من غير ما أشوف تغيّر الظروف”.

◄ الشاعرة سنية المدوري

****

القصيدة العامية

بعيدا عن مواقفه السياسية أو ما يعتبره البعض تحولا، يظل عبدالرحمن الأبنودي شاعرا كبيرا، وكاتب أغنية كذلك، بل ويعتبر واحدا من آباء قصيدة العامية في الفترة الأخيرة. ويظل نتاج الأبنودي الشعري والغنائي محتفظا بقيمته الفنية والإبداعية، كما يظل مرسًى لكثيرين إذا ما أرادوا أن يتعلموا كيف تُكتب قصيدة شعر العامية، أو الأغنية الخفيفة التي تمتلئ بالمعاني.

◄ الكاتب عاطف عبدالمجيد

****

الشاعر والسياسة

لا خلاف على مكانة الأبنودي الشعرية ودوره في تطوير الأغنية المصرية وشعر العامية، وملامسة هموم الوطن والشعب. فلا ينكر إلا جاحد مكانة “السيرة الهلالية” و”حراجي القط”، و”وجوه على الشط”، و”عيون القلب”.

لكن إشكالية صاحب “عدوية” و”عرباوي” تأتي من جانبين: الأول شهرته المدوية منذ بداياته الأولى، خصوصا مع اللون الصعيدي الذي أضفاه على الأغنية، وتعاونه مع كبار المطربين مثل عبدالحليم حافظ، والثلاثي الذي كونه مع بليغ حمدي ومحمد رشدي. يُضاف إلى ذلك تفاعله اللافت مع اللحظات المصيرية للوطن، مثل لحظة بناء السد العالي أو النكسة. كل ذلك ضاعف شهرته التي حجبت الضوء عن آخرين، ما أثار خصومات ومشاعر حسد وحقد، وإحساس أجيال تالية بأن رسوخه في المقدمة كان على حساب تجاربهم. وهؤلاء من حين إلى آخر -وبغض النظر عن إقرارهم أو عدم إقرارهم بمكانته الشعرية- لا يتوقفون عن النيل منه بأسوأ تأويل ممكن.

الجانب الثاني يرتبط بممارسة الأبنودي نفسه للعمل السياسي وانضمامه إلى تنظيم شيوعي ما جعله يتعرض للسجن لفترة قصيرة. ثم انقلابه على هذا الماضي السياسي في مواقف كثيرة بدا فيها مدافعا أو مبررا أو متواطئا مع الأنظمة. وبسبب ذلك هاجمه كثيرون، رأوا فيه شخصية سياسية أقرب إلى الانتهازية تختلف تماما عن نصه الشعري. هذه الازدواجية قائمة بالفعل، لكنها غالبا ما تُوظف لمآرب شخصية، وليس بهدف الفهم والتحليل والتقييم. وحالة الأبنودي تلك لا تختلف عن حالات كثيرة في الشعر العربي، لعل أشهرها المتنبي على سبيل المثال. لكن في النهاية سيذهب عبدالرحمن الأبنودي الإنسان -بما له وما عليه- وستبقى مدونته الشعرية خالدة ويصعب تجاوزها.

رحل عن الدنيا ولكنه لم يرحل عن قلوب البسطاء والشارع المصري

◄ الروائي شريف صالح

****

رواية "قنديلة"

كلنا عرفنا الأبنودي شاعر العامية، عاشق مصر ونيلها وأرضها، وقد عبّر عن هذا الحب في أشعاره وقصائده التي ستظل شاهدة على هذا العشق والحب، وظل يكتب القصيدة طوال حياته، إلا أنه كانت هناك فكرة إبداعية تداعبه من وقت لآخر وهي تجربة كتابة الرواية، وقد كتبها بالفعل في رواية وحيدة سمّاها “قنديلة”، وحين أخبرني بأنه يكتب رواية، قلت له بعد كل هذا المشوار الطويل للشعر: الأبنودي روائيا.

عندها أجابني الأبنودي “أنا جربت كل أشكال التعبير بالشعر من ديوان جوابات حراجي القط ومراته فاطمة إلى سيرة إنسان في ديوان أحمد سماعين وديوان القصيدة في الموت على الأسفلت وديوان بعد التحية والسلام الرسائل المتبادلة، وكل أشكال القصائد القصيرة، وغيرها.

كان كل هذا تحايلا على ما في داخلي كي أستوعب، لم أكن أريد أن أسجن نفسي في القصيدة المفردة، كانت هناك أشياء عبّرت عنها نثرا مثل أيامنا الحلوة، ومازالت في أعماقي أشياء لا يحتملها الشعر، ولا يحتمل تفاصيلها وتركيباتها وتراكماتها الزمنية، إنني أبحث دائما عن شكل جديد للتعبير، إنني أكتب العامية احتفاء بالفصحى، ذات يوم قال عني صلاح عبدالصبور: الأبنودي شاعر عامي فصيح، لقد تربيت في بيت فصحى، والدي أزهري وشاعر وأخي الأكبر شاعر وأستاذ لغة عربية، وأنا خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية، وكل قراءاتي في اللغة والتراث والأدب، وأكتب الشعر بالعامية”.

وواصل الأبنودي حديثه: كتبت عن أمي كثيرا في الشعر، ولكني لم أكتب عن أمي الحقيقة كامرأة من الصعيد نثرا، تكتشفين مثلا أن هناك عرق ذهب حقيقيا في الجبل ليس له نهاية، وبالذات أم أمي جدتي ست أبيها، التي لعبت دورا مهما في حياتي وتأثيرها عليّ أكثر من أمي فاطمة قنديل، لديّ كم مخزون من الأقاصيص الشعبية والتاريخية، كان بداخل أمي طفلة جانحة وفي نفس الوقت تمتلك الرزانة، جدي قنديل لم ينجب ولدا وكان يلقب أمي بـ”قنديلة” أعجبني الاسم وقلت: نفسي أكتب قصة قنديلة وحكاياتها، وكتبت عدة وريقات وعرضتها على عم نجيب محفوظ قبل وفاته. وعندما قرأها صمت طويلا ثم قال لي: ربنا يخليك، قلت: ماذا يعني ربنا يخليك في النقد، قال لي: يا عبدالرحمن أنت صادق جدا في رؤيتك للصعيد، هذا عمل مدهش وإذا استكملته سيكون عملا مدهشا بالفعل. ولأني تعاملت مع الرواية مثل تعاملي مع الشعر تركت قنديلة، لم تنادِ عليّ لاستكمالها مثلما يفعل بي الشعر، أنا لا أذهب إليه دائما هو الذي يأتي إلي. وفي هذه الأيام أسمع قنديلة تناديني، وخاصة بعد أن انتهيت توّا من كتاب عن ابن عروس الذي كتبته في حلقات في الأهرام وجمعته ووضعته في كتاب تحت الطبع، وأمامي أيضا كتاب جمعت فيه الزجل منذ عام 1954، ومازال تحت الإعداد. وكتب الأبنودي رواية قنديلة ليكون بذلك روائيا وشاعرا له مذاقه الخاص في الشعر والرواية أيضا.

◄ القاصة والكاتبة الصحفية زينب عفيفي

****

روح الأمة

إذا كان الشاعر هو روح الأمة وذراعها الضاربة. فهو الذي يجسد وجهة نظره الشاملة إزاء الواقع الخارجي والحياة بوجه عام. إذ لا يكتفي بإبداء الرأي والرؤية، والشاعر عبدالرحمن الأبنودي في سبيل ذلك لم يترك أداة من أدوات التعبير إلا واستخدمها فأحسن استخدامها وتوظيفها توظيفا عصريا صحيحا ومتطورا، وتقديمها أيضا في ثوب أنيق ورشيق دونما تعقيد أو تغريب.

ومنذ أن انبثق تيار الشعر العامي هادرا ودفاقا على يد فرسانه الأوائل، وهو يخاطب الجماهير الغفيرة من العمال والفلاحين، ويتحدث إلى كل البسطاء بلغتهم التي يتحدثون بها بسلاسة وسهولة، في انسياب مياه النيل الهادئة، وفي هبات نسيم الوادي الممتد. حيث كان هذا الشعر مواكبا لانبثاق تيار الشعر الحديث -من ناحية- ومن ناحية أخرى مطورا لاتجاه الشعر الشعبي والموال والزجل.

الشاعر استطاع أن يزرع الشعر العامي في حقول حياتنا الثقافية الجديدة وأن يتجاوز المخزون الموروث من شعرنا الشعبي

في عشرينات القرن الماضي عندما كان بيرم التونسي حاملا لواء الشعر الشعبي بلا منازع، ومنذ أن خرجت تلك الكوكبة من الفرسان الشعراء من دهاليز الأحياء الشعبية في العواصم والأقاليم والقرى والكفور، وسط هذه الكوكبة الشابة والواعية كان عبدالرحمن الأبنودي ذلك الصعيدي اللون والملامح والطبع واللسان ابن قنا، تلك البقعة التي تعتبر بحق أكبر مورد للطاقة الإبداعية في مصر كلها. فهي التي صدّرت للقاهرة -وفي وقت واحد- الأربعة العظام أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبدالله وعبدالرحيم منصور، وقد استطاع الأبنودى بحق أن يزرع الشعر العامي في حقول حياتنا الثقافية الجديدة وأن يفض بكارة المخزون الموروث من شعرنا الشعبي بمواله وملاحمه.

ومنذ طلوع الأبنودي إلى الساحة الأدبية بديوانه “الأرض والعيال”، ذلك الديوان المميز بطزاجة أشعاره، والأبنودي صعيدي الطبع والطابع، شاعر جوال، حامل على كتفيه جراب الموروث الشعبي الصعيدي من منابعه التي تقترب من منابع النيل.

والأبنودي شاعر الأغنية ذات الطعم الخاص، لا يفوتنا أن ننوه بذكائه وخصوصية شعره، فهو صعيدي له لهجته الخاصة، والتي أصبحت إحدى سماته الشخصية الفنية، بل هي السمة الشخصية والفنية الأكثر بروزا، والتي غدت محط تقليد بين كثيرين، ولكنهم لم يفلحوا. وبقيت طريقة الأبنودي الصعيدية الأصلية لا يستطيع نهجها إلا هو. ومنذ البداية كان الأبنودي يحمل من الإمكانات الفنية والرؤى الناضجة ما جعله قادرا على شق طريقه رافعا راية البساطة والرقة والسهولة والإيجابية.

◄ الشاعر عبدالستار سليم

****

سيظل حاضرا في الوجدان

برحيل الأبنودي، جسدا، يتأكد لنا رحيل قيمة كبيرة قدمت الكثير والكثير للثقافة المصرية والعربية، ولد عام 1939 في قرية أبنود بمحافظة قنا موطن الشعر في صعيد مصر، رحلة طويلة قضاها الأبنودي ما بين عامي 1939 إلى عصر يوم الثلاثاء 21 أبريل 2015، قدم فيها الكثير والكثير ما يصعب حصره، ليتربّع اسم الأبنودي في مقدمة الأسماء الكبيرة في فنون كثيرة منها الشعر والأغنية والسيرة والبحث في تراثنا الشعبي وموروثنا الغني. أتذكر منذ أيام الطفولة كنت أسمع صوته في المذياع، كثيرا ما قدمته لنا الإذاعة المصرية عبر أثيرها، وكان يأتينا صوت الأبنودي من خلال اللقاءات المباشرة معه أو من خلال أغانيه التي غناها كبار مطربي مصر والوطن العربي، دائما كنت أشعر بقربه الحميم لأسباب عديدة، منها أنه يتحدث نفس اللهجة كذلك تظل علاقته قوية بالأرض والوطن ودفاعه عن قضايا العروبة، واهتمامه بالتراث والسير الشعبية وكانت هذه السير خصوصا السيرة الهلالية ذات خصوصية لنا نحن أهل الصعيد.

كنت أجري خلف الرواة وعازفي الربابة ونحن صغار في الأفراح والموالد الشعبية هنا وهناك. كبرت وشاركت نخبة من شعراء ومثقفي قنا قيادة الحركة الأدبية، وفي أوائل التسعينات كان لقاؤنا الأول بمحافظة قنا في استاد قنا الرياضي خلال احتفالية شعرية كبرى كان ضيفها، وطلب مني أن أنشد شعرا أمام الجمهور وكذلك من بعض الشعراء، وقال جملة أتذكرها جيدا: شكرا للشعراء الذين استمتعت منهم الليلة، هم بينكم يعيشون في قنا رغم ذلك فأصواتهم “مسمعة زي الطبل في القاهرة” وغيرها، ذكرا لهم لأنهم لم يرحلوا مثلنا وعاشوا في قنا وساهموا في خلق حركة ثقافية رغم بعدهم عن العاصمة، وبعدها تعددت اللقاءات، وأذكر في إحدى اللقاءات قال لي بالحرف “لا تترك حقك أبدا في الإنشاد طالما أن اسمك ضمن الشعراء مهما كانت الأسباب، حتى لا يأخذ حقك في المرات القادمة دون أن يلتفت أحد إليك”، أما اللقاء الأخير فكان في الإسماعيلية حيث إقامته وذلك في مايو 2011 وكنت رفقة شاعر العامية عبدالناصر علام، وتحدثنا وقتها كثيرا عن الشعر والناس ومصر بعد الثورة، وظل بعدها التواصل من خلال الهاتف، كان دائما يسأل إذا غبت عنه كثيرا وأسمع صوته عبر الهاتف “يا مغربي إنت فين”. يظل الأبنودي قيمة أدبية وفنية، والقيمة تظل بيننا ولا تموت، هذا الإبداع يخلد صاحبه ويجعله حاضرا في وجدان الشعب.

شاعر استطاع أن يشق طريقه رافعا راية البساطة والرقة والسهولة والإيجابية

◄ الشاعر محمود مغربي

****

الأبنودي ملأ الدنيا وشغل الناس

منذ عام أو يزيد وأنا أفكّر في الكتابة عن عبدالرحمن الأبنودي، داعيا الله ألا يرحل قبل أن أنتهي من كتابتي تلك التي خططت لها أن تدور حول الشاعر الأسطورة الذي لم يتحول إلى رمز ثقافي بسبب مواقفه وعلاقاته مع الناس والمجتمع والنظام. كنت حريصا على أن أشرع في الكتابة عنه قبل أن يرحل أحدنا. واضعا يديّ على قلبي مخافة أن يرحل قبل أن أكتب. ساعتها لن أجرؤ على أن أخط حرفا يفهم منه أنني أتشفى في الرجل بعد رحيله. وتمرّ الأيام والشهور ويشغلني ما يشغل الناس حتى تقع الواقعة ويرحل الأبنودي ليقف برحيله حائط صدّ كبير أمام كتابتي تلك التي كانت ضرورية في حياته. أمّا الآن وبعد ساعات قليلة من رحيله فلا يبقى إلا الحديث عن الشاعر الأسطورة فقط.

وإذا كان المتنبي هو الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره الرسمي الفصيح في الذاكرة العربية فإنه يمكن الزعم أن الأبنودي رحمه الله كان الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أيضا بتجربته في شعر العامية دون غيره من الشعراء، ولقد كان بيرم التونسي شاعرا كبيرا، وفؤاد حداد كان كذلك، وجاهين وعبدالرحيم منصور كانا كبيريْن أيضا، لكن لم يُكتب لأحد من هؤلاء الذيوع والسطوة والانتشار كما كُتب للأبنودي الذي يمكن الزعم أن الكثيرين اختلفوا معه حول علاقاته بالأنظمة السياسية المصرية والعربية من ناحية، وحول علاقاته هو الإنسانية بالناس أهلا وأصدقاء ومثقفين رأوا في هاتين العلاقتين ما لا يتفق مع ما يتمتع به من شاعرية. لكنهم هم أنفسهم -وجميعا دون استثناء- اعترفوا أنه شاعر/ شاعر.

انطلق عبدالرحمن الأبنودي في قصيدة العامية وكأنه يريد أن ينتقم من قصيدة الفصحى العربية، تلك التي قُدّر لها أن تسلّط عليها الأضواء، وأن يحتضنها الخلفاء والقادة والملوك والرؤساء في كل عصر وزمان، بينما ظل الإبداع الشعبي يتنفس على الهامش بين الطبقات الفقيرة والدنيا لا يجد فضاء كفضاء الشعر المكتوب باللغة الرسمية. وكان التحدّي أمام الأبنودي كبيرا خاصة وأنه بدأ أيضا رحلة الكتابة مع ممثل الشعر العربي بلغته الرسمية زميل الرحلة والتجربة والموطن، الشاعر “أمل دنقل” الذي يتحدث في ديوانه الأول عن البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، بينما كان الأبنودي قد سبقه بديوانه الأول بالبكاء على “الأرض والعيال” وكأنه يؤكد على تحديه الحقيقي -من وجهة نظره بالطبع- في الكتابة المختلفة (دون أن تعني تلك الإشارة مقارنة قيمية بين الشاعرين). ليمضي الأبنودي بعد ذلك وكأنه يكتشف العالم الجديد، الذي انتقل إليه في القاهرة لتسليط الضوء على الزحام والصخب والضجيج الذي يعتمل داخله، أو هذا الذي يجده في القاهرة ليخرج ديوانه الثاني دالا ومعبّرا “الزحمة”.

نال عبدالرحمن الأبنودي بتجربته في شعر العامية وفي قدرته على استخراج كنوزها وتوظيف مفرداتها ما لم ينله كثيرون من شعراء العربية الفصحى في جيله -باستثناء نزار قباني- ولسنا بحاجة هنا إلى الإشارة إلى أنه كان شاعر العامية الوحيد الذي تُطلَب قصيدته -بلهجتها تلك المصرية بل المغرقة في انتمائها للقرية الصعيدية المنفية في أقصى جنوب مصر- في كل الدول العربية دون صعوبة في التلقي ولا عسر في التواصل معه.

قبل ست وتسعين ساعة من رحيل عبدالرحمن الأبنودي كنا نستعد كمؤسسة ثقافية أن نحتفل في قريته أبنود بإقامة أسبوع ثقافي احتفاء واحتفالا بافتتاح متحف السيرة الهلالية، الذي أقامه بقريته التي ينتمي إليها وهو المتحف الذي يضمّ جهده الفني في جمع وتدوين السيرة الهلالية التي أنفق فيها جزءا من سِني حياته. لكن القدر لم يسعفنا أن نبدأ، ولم يسعفه حتى أن يسعد هو بوجوده معنا ليرى ثمرة جهده. رحم الله عبدالرحمن الأبنودي الذي مضى ليكتمل عقد الحزون في محافظة قنا برحيله بعد أقرانه أمل دنقل، ويحيى الطاهر عبدالله، وعبدالرحيم منصور.

الشاعر هو روح الأمة وذراعها الضاربة فهو الذي يجسد وجهة نظره الشاملة إزاء الواقع الخارجي والحياة بوجه عام

◄الشاعر أشرف البولاقي

****

عالم الريف الصعيدي

حين نذكر اسم الشاعر عبدالرحمن الأبنودي فنحن نتغلغل في طيات العالم الريفي الصعيدي في مصر لأنه يعكس بيئته في كتاباته بكل تفاصيلها.. بإحساسه المدجج بأنات الفؤوس على الصخور وبعرق الفلاحين وهدير الطاحون واستراحة آخر الليل بعد يوم شاق من التعب والكفاح.. بتعلق الروح بالأرض وبالوطن وبالشهامة والإنسانية. وبخجل العذراء التي تتوارى وراء السور العالي تنتظر حبيبها من بعيد حتى لا تلمحها عيون أهل القرية.

كتب الأبنودي كلّ هذا من دون أن يحتاج لتفسيره. فغناه عبدالحليم ونجاة الصغيرة والشحرورة صباح وفايزة أحمد وغيرهم من الفنانين العمالقة الذين لم يغب ذكرهم وخلدوا كما ستخلد أعمال الأبنودي.

نقل لنا الراحل الكبير الصعيد برمته، بهدوئه وطيبته، بصفائه ووفائه، وعاش في زمن الوفاء للفن وأهله. ولم تتغير كتاباته، ربما تمرغت أكثر بعشق الوطن والحسرة على ما آل إليه حاله بعد النكسات المتتالية التي ألمّت به فكتب لمصر قصائد كثيرة تربعت في زفرات الروح ومنها قصيدته “خايف أموت” وقال فيها:

“خرج الشتا وهلِّت روايح الصيف/ والسجن دلوقتي يرد الكيف/ مانتيش غريبة يا بلدي ومانيش ضيف/ لو كان بتفهمي الأصول/ لتوقفي سير الشموس../ وتعطلي الفصول”.

ومات الأبنودي، رحل وبحّة العتاب ما برحت ترنّ في مواويل شعره وتسريحة كلماته وتجويد حروفه. العتاب على من سرّب غربان الوحشة والحقد، لتدق بلور وطنه والعتاب على زمن التفنن الذي نأى عن زمن الفن الأصيل. رحم الله الأبنودي الذي سيخلد مثلما خلد الكثيرون من العمالقة الذين لم يهمّشهم التاريخ، بل رفعهم وارتقى بهم فكانوا ومضة برق خُلدت في طقوس الدهر أبدا.

◄ الأديبة نسرين بلوط

****

عمنا الأبنودي

كان جدي نافذتي على الحياة والفن، فقد كان شاعرا يتقن ما يسميه هو “الدور” وهي الحكاية الشعرية لكل أحداث قريتنا المهمة، وله مريدوه الذين يحفظون هذه الأشعار حتى الآن، وهو من كان يجلسني بجواره وهو يتابع عبر المذياع القديم سيرة بني هلال برواية الرائع جابر أبوحسين وتقديم الأروع عبدالرحمن الأبنودي، كنت صغيرا فعندما تقف الربابة والإنشاد ويتحدث الأبنودي أسأل جدي “مين دة يا جدي؟” يقول عمّك الأبنودي، فتربيت على أن الأبنودي أحد أعمامي الذين لم أرهم حتى التقيته في معرض الكتاب بعد ذلك، وعندما وضعت قدمي على طريق القراءة والتي هي أسبق من الكتابة بالطبع، وقلبت يدي الكتب بحثت عن “عمنا الأبنودي” فوجدت جوابات حراجي القط، وكأني دخلت في مغارة الدهشة والمتعة والفن.

كان ديوان حياة الصعايدة، كيف نقلها بهذا الجمال؟ هي العبقرية التي غلفت شعر الأبنودي والتي جعلته يقفز بلا أدنى تعب أو مجهود -وليس كباقي الشعراء السابقين واللاحقين- إلى قلوب الناس عموما بمختلف مستويات تعليمهم، وامتدّ كما الأخطبوط على خريطة الوطن العربي، للأبنودي روائع وبصمات لا تنسى على القصيدة العامية والأغنية، والسير الشعبية، عافر مع الحياة ونحت أسمه في تاريخ الأدب بصوره الرشيقة وتعابيره المنتزعة من قلب الحياة، ولهجته الصعيدية التي تملؤها الحنيّة والطيبة، أثارت مواقفه انتقادات وشغب ولغط، ولكنه الآن يرقد في ذمة الله، ندعو له بالرحمة على ما قدمه لنا من متعة وفن.

الأبنودي لم يترك أداة من أدوات التعبير إلا واستخدمها فأحسن استخدامها وتوظيفها توظيفا عصريا ومتطورا

◄ الشاعر رأفت السنوسي

****

أب عظيم تربينا على حروفه

أستاذنا الكبير الراحل عبدالرحمن الأبنودي، أو الخال كما كان يطلق عليه، كان في الواقع أبا عظيما تربينا على حروفه، لكنه لأجيال أصبح والدا لنا جميعا أثرى حياتنا الثقافية، ولا أكذب لو قلت لك إنه كان سببا في الولاء والوطنية ليس نحو مصر فقط بل بلادنا العربية.

أنا شخصيا تعلمت من هي فلسطين وقيمة العراق الشامخ من حروفه، في إحدى قصائده قال إن فلسطين بجراحها العظيمة لم تلمّ العرب لإخفاقهم معها”. و لو أن الجرح بساط ممتد من الشرق إلى الغرب. هنا نتعلم منه لا يكفي أن تقف بجوار قضية عربيه، لكن كيف هو الولاء في العمل والفعل لحل هذه القضية التي هي سبب أصلي في بعثرة أوراق شجرة العرب الكبيرة.

هكذا فهمت منه، هكذا تربيت على نبض مشاعره العروبية التي تجذرت في قلوبنا وكأنها شريان كنهر النيل يسري في الوجدان. كم هي مشاعر لطيفة تفيض بالحب والانتماء إلى قضية عربية.

ربما اليوم يتحلل من الاهتمام بها كل الشعب العربي ولو ادّعينا غير هذا زورا. فلنقل إن الراحل الأبنودي كان قلبا نابضا بالقضايا العربية والمصرية، وملحمة حب بطلها فيها هو القلم الذي يمثل الضمير العربي الصاحي.

◄ الروائية عبير المعداوي

****

رحل حتى لا يرى المزيد من التلوث

الشعراء أول المختنقين من الأجواء في هذا العالم، الذين لم تعد لهم اللغة رئة ثالثة، والذين مهما قالوا عن الوطن يظلّ هو يحفر لهم من القصائد قبرا ربما يناسبهم لأن الحياة لم تكن مناسبة، الشعراء الذين يُلتفت إليهم وقت الجنازة فقط الذين تواروا قبل مجيء الموت، حتى يكون الموت الذي يكمل المشهد فقط، وليس هو المشهد كلّه.

حين مات الأبنودي كنّا نتذكر ما هي آخر قصيدة في مصر قالها؟ أم أنه توقف عن الكتابة في مصر حين بدأ الجو يختنق هناك؟ لم تكن الفسحة قصيدة للأبنودي إذ كانت ربما أغنية لعبدالحليم من تلك التي كانت من كلمات الأبنودي ذاته، هكذا توارى خلف أغنية، وقد توقف عن صنع قصائد تناسب فيها اللغة وجعه.

رحل الأبنودي ولا يزال أبناء الثورة يهتفون بما قاله قبل سنين كثيرة، يرحل وشباب وطنه يردّدون قصيدته بما تبقى لهم من صوت، يخاف عليهم من الاختناق أيضا، يرحل حتى لا يرى المزيد من التلوث، ولأنه لم يعد هنالك ما يتوارى خلفه أكثر من الموت. يبقى رحيله بسيطا مثل لسانه العالق لدى أصغر طفل في الصعيد، يُهال عليه من التراب الذي اختلط بألعابهم وأغانيهم وضحكاتهم، وليناسب هذا التراب قامته العالية.

رحيل الأبنودي يبقى بسيطا مثل لسانه العالق لدى أصغر طفل في الصعيد، يُهال عليه من التراب الذي اختلط بألعابهم وأغانيهم وضحكاتهم، وليناسب هذا التراب قامته العالية

◄ الروائي عبدالله المحسن

****

ودعنا الخال

"قالوا عنّا ذيابا واحنا يا ناس غلابا" هذا مقطع أغنية أداها علي الحجار في مسلسل ذئاب الجبل (1992)، "عدّى النّهار والمغربيّة جايّة تتخفّى ورا ظهر الشّجر"، شدا بها العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وأغاني رائعة ثروت أباظة شيء من الخوف، "وجايي من بيروت" لماجدة الرومي، والشوكولاتة لمحمد منير، تحت الشجر يا وهيبة لمحمد رشدي... هذه الروائع وغيرها صيغت من أنامل شاعر العامية عبدالرحمان الأبنودي، ألفها قبل أن يغادرنا يوم 21 من أبريل2015، ويترك الساحة في ركودها الفني.

ينتمي عبدالرحمان الأبنودي، أو كما يلقبه المصريون "الخال" عبدالرحمان، إلى محافظة قنا بمنطقة الصعيد، حيث ولد في 11 أبريل 1938، كان والده شيخا ورعا من شيوخ الصعيد المحافظين، أما عبدالرحمان الأبنودي فقد كان معجبا بالتراث الشعري العامي لصعيد مصر، فأصدر دراسة شعرية بعنوان السيرة الهلالية (1978)، والتي استند فيها على شعراء الزجل بصعيد مصر، أما في بداية الستينات فقد لمح فيه كبار الملحنين القدرة على نظم الشعر العامي، برنات موسيقية تشدّ الأنفاس، فلحن له الموسيقار بليغ حمدي القصيدة الوطنية عدى النهار، وطبعا أحباب لوردة الجزائرية والتي قام بتلحينها الموسيقار عمار الشريعي (1988)... والكثير من الأعمال.

لقد تميزت شخصية هذا الشاعر بالتواضع، والابتسامة الدائمة حتى في آخر أيامه، وهو مريض بالمستشفى فقد كان مفعما بالحياة، بعدما فقد رئته "باللعبة الحقيرة التي هي السيجارة" على حدّ تعبير الخال الأبنودي، ودعنا هذا الخال وهو يقول في فراش المستشفى "أنا مش كويّس، لكن أنا الآن بين أيدي أمينة مخلّياني كويّس".

◄ القاص زهير قاسيمي

14