الأبواب الموصدة

ما حضر في معرض الفنانة أني كوركديجيان مناف للإروتيكية وينحا إلى البورنوغرافية دون أن يكونها، هو مساءلة وجودية/ حسية تاهت عن مفاتيحها، لذلك لم يُصدّع الرعد ولم يُبهر البرق ولم تُفتح الأجساد في لوحاتها عندما دُقت أبوابها.
الجمعة 2018/11/16
عنف في اللوحات

حاولت أن أكتب عن معرض الفنانة أني كوركديجيان اللافت الذي قدمته مؤخرا في صالة “آرت لاب” البيروتية، ولكنني لم أستطع إيجاد الصيغة المناسبة لتناول لوحات فنية قد تخدش حياء الكثير من المتلقين، ومع ذلك، أجدني في نفس الوقت مصرة على أن أكتب عما عثرت في المعرض دون أن أمدّ نصي بالتفاصيل والصور عن الأعمال.

أطلعني القيم على صالة “آرت لاب” أن الفنانة قالت له “أنا أمر بمرحلة تهجس بالجنس، لذلك جاءت أعمالي الجديدة حول هذا الموضوع”. هكذا، نُظم المعرض وتم عزل بعض اللوحات في غرفة شبه مُغلقة إذ اعتبرت أنها أكثر جرأة من غيرها.

غير أن زائر المعرض قد تساوره أسئلة كثيرة، أولها هل ما تتحدث عنه الفنانة هو فعلا الجنس أم هناك موضوع آخر؟ أما السؤال الثاني فهو هل كان من الضروري عزل مجموعة من اللوحات عن الأخرى على افتراض أنها جريئة أكثر من غيرها؟ وما دور غياب حضور وغياب انتفاء النشوة على السواء في أعمال فنية تدعي أن الجنس هو موضوعها الرئيسي؟

قد تكون سهلة الإجابة عن السؤال الأول بأنه لم يكن من الضروري عزل لوحات دون أخرى، فكلها تنتمي إلى بعضها البعض. تتكامل وتتحدث ربما عن كل شيء إلاّ الجنس بمفهومه الإنساني الذي لا يزال إلى الآن يحتفظ ببعض من أجمل ألاعيبه النارية الملونة، قد لا يوافقني الكثيرون على ذلك، والحرية هي للتأويل.

من ناحية ثانية سيوافقني الكثيرون، خاصة إذا ما لفت النظر إلى غياب فظيع لعنصر واحد سلخته الفنانة عن ومن مشاهدها الجنسية، العنصر الذي أقصده تحديدا هو الجلد البشري بأعداد مسماته الهائلة وماهيته الفلسفية والنفسية والميتافيزيقية.

الجلد البشري في لوحاتها معدوم المسامات، من ناحية لا يتمرى أمامه العالم الخارجي وليس معبرا إلى التواصل مع جسد الآخر من ناحية أخرى.

تقلص الفنانة مهمة “الجلد البشري” إلى وظيفته الأولية، وهي الإبقاء على أعضاء كائنات لوحاتها داخل أجسادها، أجساد باردة انسكب عليها جلدها كمادة مطاطية جفّت، ولكن دون أن تفقد قابليتها للتمدد اللا نهائي.

جلد مطاطي غير قابل للخدش أو للجرح  حتى وإن سالت دماء “اصطناعية” في إحدى لوحات المعرض، جفّ “المطاط” وغلف الأجساد المفترض أنها ناشطة جنسيا وما تضمن ذلك من ممارسات مازوشية وسادية حينا وعبثية حينا آخر، وذلك دون أدنى تفسخات أو تبدلات لونية أو تكوّن ظلال إيحائية تعطي للأجساد أي صدى لوجودها الفيزيائي أو الروحي.

يغيب أدنى ظهور للذة الجنسية في أعمالها، لا بل تغيب حتى مقاربتها، وكيف لا وهي خارج المعادلة لسبب من الأسباب؟ ربما يعود انتفاء تظهير اللذة أو أثر غيابها إلى أن الفنانة صمّمت لوحاتها كمن يصمّم مُختبرا بيولوجيا ينيره ضوء “نيوون” بارد سطّح الأجساد الأكثر التواء، مانعا إياها من التحلل، ريثما تنجز الفنانة رسم معالم لبرودة ما فوق إنسانية.

تستخدم الفنانة العنف في هذه اللوحات، ولنقل الوحشية الغرائبية كوسيلة لسبر أغوار وتقليب مواجع وتناويع الممارسات الجنسية، عنف لا ينتج عنه إلاّ المزيد من العزلة والغربة، كما لا ينتج عنه أي أثر مرئي لمتعة ما وإن مرضية قد فلحت بأن تهز أواصر كائناتها البشرية المنغمسة ببهلوانيات نفسية وجسدية منذورة برمادية ملامحها إلى صقيع نفسي وجسدي نضجت ملامحه في النظرات المُقعرة والفارغة لكائناتها.

ما حضر في معرض الفنانة أني كوركديجيان مناف للإروتيكية وينحا إلى البورنوغرافية دون أن يكونها، هو مساءلة وجودية/ حسية تاهت عن مفاتيحها، لذلك لم يُصدّع الرعد ولم يُبهر البرق ولم تُفتح الأجساد في لوحاتها عندما دُقت أبوابها.

17