"الأبوذية" العراقية رافدا للفنون الشعبية الحديثة

الأرضية المشتركة للفنون الشعبية العربية تفسح المجال واسعا للاستفادة الفنية من الثيمات والأشكال التراثية العربية المختلفة في الأعمال الفنية الحديثة، بغض النظر عن اعتبارات المحلية الضيقة.
السبت 2019/04/13
صوت تخصص في غناء "تترات" الدراما التلفزيونية

يتسلح الفنان المصري وائل الفشني بالثقافة والوعي في منجزه الغنائي والموسيقي، فهو لا يعمل في فراغ، وإنما يتحرك بأجندة محددة واختيارات صارمة في إطار مشروعه الخاص للاشتغال على التراث الشعبي لتقديمه في قوالب عصرية، وقد تألق صوته في “تترات” الدراما التلفزيونية، خصوصا مسلسلي “واحة الغروب” و“طايع”، وتفاعلت في أعماله ثيمات وفنون تراثية متنوعة، منها “الأبوذية”؛ أحد أنواع الشعر الشعبي العراقي، وألوان فلكلورية متجانسة.

القاهرة- لا يكفي أن يكون الفنان مجيدا وأصيلا ليحفر مساره الدال عليه وسط الحقول الفنية الكائنة، وإنما عليه أيضا أن يقدّم بصمته الفريدة من خلال تطويع موهبته في إطار مغاير مختلف عن السائد، وهذا ما يسعى إليه المطرب والموسيقي المصري وائل الفشني في أعماله الغنائية التي تنتهج التراث المحلي والعربي فلكا للتحليق الخلاق بأجنحة وثابة، بغير اجترار ولا تقليد حرفي، وإنما بهدف اكتشاف الدرر الكامنة، وإعادة صياغتها فنيا في أثواب جديدة.

أرضية مشتركة

التقت “العرب” الفنان وائل الفشني، ليتحدث عن تفاصيل مشروعه لإحياء التراث والفلكلور الشعبي، ذلك المشروع الذي لقيت خطواته الأولى صدى طيبا، من خلال أغنيات تترات المسلسلات الدرامية، ومنها على وجه الخصوص أغنيته “خسارة الحر”، التي شكلت مزجا بين فن الأبوذية للشعر الشعبي العراقي، والسيرة الهلالية، والإنشاد الديني والحس الموسيقي التصوفي.

وبقدر ما تتسم الفنون الشعبية العربية بالتنوع والزخم والتعدد، سواء داخل الحيّز المحلي لكل بلد عربي على حدة، أو في الفضاء العربي الأرحب، بقدر ما تبدو متقاربة في المنشأ والجذور والأغراض والمجالات، وتشترك في الكثير من الخصائص والسمات.

ولعل “فن العديد” على سبيل المثال: الرثاء الشعبي والندب والبكائيات الإنشادية والغنائية، هو أحد أبرز هذه الأنماط الفلكلورية التي لها حضور متقارب في معظم الأقطار العربية بتنويعات متشابهة.

هذه الأرضية المشتركة للفنون الشعبية العربية تفسح المجال واسعا للاستفادة الفنية من الثيمات والأشكال التراثية العربية المختلفة في الأعمال الفنية الحديثة، بغض النظر عن اعتبارات المحلية الضيقة، فعناصر التقارب أعمق من ملامح الاختلاف والتباين.

في أغنيته الناجحة “خسارة الحر”، التي قدّمها الفشني بصوته ومن ألحانه في “تتر” مسلسل “طايع” الذي عُرض للمرة الأولى في رمضان الماضي للمخرج عمرو سلامة، هناك انفتاح واسع على أكثر من رافد تراثي، على مستوى الكلمات والموسيقى، بما يجسّد بوضوح معالم مشروع الفشني في التعاطي مع الفنون الشعبية وطرحها بآليات مغايرة.

واحتضنت الأغنية أجواء الموال الصعيدي، والإنشاد الديني، والإشراق التصوّفي، وتفاعلت مع فن العديد (المراثي)، خصوصا النواح على الشاب المتوفي بسبب الثأر في الجنوب المصري. وجاءت كلماتها المستقاة من السيرة الهلالية مرتدية عباءة فن “الأبوذية” العراقي، كما تداخلت في موسيقاها وتوزيعاتها الإيقاعات الأفريقية وتقنيات الجاز، بما جعلها عملا خصبا متشعب الروافد.

ويقول أحد مقاطع الأغنية، التي حظيت بمعدلات عالية من المتابعة والمشاركة وحقّقت نجاحا تناغَمَ مع نجاح المسلسل: “خسارة الحر لو داسه الزمان ورماه/ مما جراله يروح عند الخسيس ورماه/ بيبكي وينوح وعيونه من البكا وارماه/ وأقولك الجد يا أخي سيب الخسيس ورماه”.

يُلاحظ أن هذه البكائية المأخوذة من تغريبة بني هلال تتكئ على أحد الأنماط الشهيرة في الشعر الشعبي العراقي، وهو فن “الأبوذية”، ومن خصائصه انتهاء الأبيات الأربعة بكلمة لها المنطوق نفسه، لكن دلالاتها متغيرة، وهو لون رائج في الجنوب العراقي، وأرجع البعض تسميته “الأبوذية” إلى مفردتين هما “أبوأذية”، بمعنى “صاحب الأذية” أي صاحب الوجع والحادث المؤلم.

الطريق الصعب

في حديثه لـ”العرب”، يشير الفنان وائل الفشني إلى أن الأغنيات التي قدّمها في “تترات” الأعمال الدرامية، ومنها “سافر حبيبي” في مسلسل “واحة الغروب”، و“خسارة الحر” في مسلسل “طايع”، مجرد بوابة للانطلاق والوصول إلى الجمهور، ومحطة مبدئية في مشوار طويل وشاق، نحو مشروع إحياء التراث العربي موسيقيا وغنائيا، بتجسداته المتنوعة في مصر والدول العربية التي تشترك في مفرداتها التراثية وجذورها الثقافية والفنية.

ويوضح أنه وجد ذاته في هذا الدرب، ولن يحيد عنه، مهما كانت المغريات المادية، ويقول “اخترت الطريق الصعب، ولا أعمل وحدي بطبيعة الحال، فالجهد المبذول كبير، ثمة مؤسسة كاملة من الموسيقيين والشعراء والكتّاب والصحافيين أتشرف بالانتماء إليهم، نتعاون معا من أجل منتج فني أظنه خاصا ومختلفا”.

ويضيف أن هذا التراث العريض، يجب استثماره، ليس بتقديمه كما هو أو بتوزيعات موسيقية جديدة كما يفعل البعض، لكن بهضمه واستيعابه تماما، ثم إعادة إفرازه بصيغ مبتكرة عصرية كمنتج جديد، غير منقطع الصلة بالجذور.

ويصف وائل الفشني ذاته بأنه ابن “السيرة الهلالية” ومربعات “ابن عروس” (الشاعر المتصوف التونسي صاحب “فن الواو” الشعبي المعروف) والإنشاد الصوفي والترانيم الكنسية، مشيرا إلى أن صلة القرابة بينه وبين قارئ القرآن الشيخ طه الفشني، وعلاقة جده وخاله بالقرآن والإنشاد الديني، فتحتا عينيه مبكرا على التعامل الراقي مع الكلمة، وكذلك تبحّره منذ صغره في فضاءات الموالد والحلقات الصوفية فضلا عن المناسبات الكنسية التي كان يطالعها أيضا باهتمام ويشارك فيها.

ويقول لـ“العرب”، “أحببت هذا التنوع، والمزج بين الأطياف المضيئة، وفي هذا السياق، جاءت أعمالي محاولة لتقريب المسافات بين ألوان الفلكلور العربي المتعددة، في إطار غنائي موسيقي يليق بالمستمع الحريص على هويته”، مشيرا إلى اتساع دائرة الأغنية التراثية في ثوبها الجديد لتشمل التوزيعات الأوركسترالية الغربية أحيانا، وموسيقى الجاز، والإيقاعات اللاتينية والأفريقية وغيرها.

"الأبوذية" لون فني رائج في الجنوب العراقي، ومن خصائصه انتهاء الأبيات الأربعة بكلمة لها المنطوق نفسه

وعلى الرغم من هذه الرؤية المتسعة، يبقى رهان وائل الفشني الأكبر على خصوصية صوته، ذلك الذي يحيل إلى أناشيد الرعاة ونقاء الصحراء وأنين النايات وآهات التنويحات الشجية، ويؤكد أنه يتمنى أن يكون واجهة لائقة للتعبير عن هذه الجذور، وتقديمها للعالم كله، مثلما فعل محمد منير بتقديم التراث النوبي.

ويرى وائل الفشني، الذي درس الموسيقى والغناء في إيطاليا وتخصص لفترة في موسيقى الجاز، أن تجربته لا تزال بحاجة إلى تطوير وتضفير، ويقول لـ“العرب”، “أسعى إلى أن تكون محطتي القادمة انفتاحا أكبر على التراث الشعبي الخليجي، والشعر النبطي، بالتوازي مع المفردات المحلية، وجذوري الصعيدية، وأتمنى أن تنتبه وزارة الثقافة المصرية والمنظمات الكبرى الداخلية والخارجية إلى هذه الجهود الفردية، فمشروع توثيق التراث العربي وإحيائه بحاجة إلى رعاية مؤسسيّة”.

13