الأب أنستاس ماري الكرملي راهب دفن كتبه تحت التراب ليوصلها سالمة إلينا

الأحد 2016/08/07
الأب أنستاس ماري الكرملي الساهر على أحلام اللغة

لندن - مئة وخمسون سنة مضت على ولادة الرجل الذي يمكننا أن نصفه بـ”راهب اللغة”. ولن تدخل تلك الصفة في باب المجاز، فقد كان الرجل راهبا في واقع حياته اليومية ولم يتخل عن ثياب الرهبان عبر سنيّ حياته التي عاشها محلقا بجناحي لسان العرب.

مهندس كون اللغة، المقيم في دير

شغفه اللغوي قاده إلى المنفي. فكان حالة فريدة من نوعها وسط المنفيين لأسباب سياسية أيام الحكم العثماني. ذلك المنفيّ لغويا كان بمثابة جسر للغات، قديمها وجديدها، غربيها وشرقيها، المكتوب منها والشفاهي.

لغويّ، بل عالم لغات أصاب عراقيي العصر الحديث بجنون اللغة العربية، فصار أحد طلابه وهو مصطفى جواد يصر على تصحيح ما يتداوله الناس العاديون في الأسواق من مفردات وهو يردد “قل ولا تقل”.

الأب أنستاس ماري الكرملي، هو خلاصة زمن لغوي للزمن الفيزيائي. معجمه “المساعد” الذي قضى في تأليفه أربعين سنة هو جوهرة ذلك الزمن التي عثر عليها بعد تنقيب مضن في طبقات اللغة، فكان أشبه بحامل مصباح يتجوّل في غابة العربية وفي رأسه هدف واحد يكمن في تنظيف تلك الغابات من الأعشاب الضارة.

هيامه باللغة العربية دفعه إلى الإيمان بتفردها الإعجازي وهو القائل “إن لسان العرب فوق كل لسان ولا يدانيه لسان آخر من ألسنة العالم جمالا ولا تركيبا ولا أصولا ولا.. ولا”.

حارس العربية، الساهر على أحلامها ولد وعاش وتوفّي في بغداد، في قلبها بالرغم من أصوله اللبنانية. كانت اللغة هي وطنه الحقيقي. زهده وتقشفه في الحياة وتخلّيه عن متعها ومباهجها الزائلة وغيرها من الصفات التي استلهمها من موقفه الديني قابلها موقف مفرط في إسرافه في اقتناء الكتب وتجميعها. وهو ما جعله أشبه بالكائن الذي يعيش في جنّة من الكتب.

حين احتل العثمانيون بغداد استعمل جنودهم كتب مكتبته حطبا لنار التدفئة. غير أن تلك المأساة لم تثنه عن العودة إلى تطريز جدران دير الآباء الكرمليين، حيث كان يقيم بحرير الكلام الذي ينسج حدائقه في الكتب.

حين رأيت ذات مرة ما تبقى من مكتبة الأب الكرملي تأكد لي أن الكون يمكن أن يقيم في كتاب. وكان الكرملي نفسه واحدا من أهم صنّاع وعرّابي ومهندسي ذلك الكون مترامي الأطراف.

معرفة لغوية لم يسبقه ولم يلحق به إليها أحد

المنفي لغويا

ولد بطرس بن جبرائيل يوسف عواد في بغداد في الخامس من أغسطس 1866 من أب لبناني من بلدة بكفيا، وأمّ عراقية من الموصل. في مدرسة الآباء الكرمليين ببغداد، درس. ومنها غادر إلى بيروت ليتعلم اللاتينية واليونانية وليتبحّر أكثر في العربية.

من بيروت ذهب إلى شيفرمون البلجيكية لينخرط في سلك الرهبان ليذهب في ما بعد مباشرة إلى مونبلييه الفرنسية ليرسّم عام 1894 قسيسا باسم “أنستاس ماري الألياوي”، غير أنه في حمى نشاطه الديني كان قد أضاف إلى خزانته اللغوية لغات أخرى تعلّمها بشغف معرفي لا يُبارى وهي السريانية والعبرية والحبشية والمندائية والفارسية والتركية والإنكليزية والإيطالية والأسبانية.

معرفة لغوية لم يسبقه ولم يلحق به إليها أحد. في سنة الترسيم نفسها عاد إلى بغداد ليدير المدرسة التي درس فيها طفلا وليباشر صنيعه اللغوي الممزوج بحسّ قومي عالي النبرة وهو ما دفع السلطات العثمانية التي كانت تعتمد سياسة التتريك إلى نفيه إلى قيصرى بالأناضول عام 19144 ليبقى منفيا هناك سنتين.

قاده شغفه بالقراءة إلى التأليف، لكن في مجال تخصّصي، كان العرب قد هجروه منذ مئات السنين، هو المجال اللغوي، وبالأخص ما يتعلق بالجهد المعجمي. كان عمل الكرملي يقوم على المراجعة النقدية الدقيقة والعودة إلى روح المفردة العربية وهي المهمة الشاقة التي ما كان في إمكانه أن ينجزها لوا اطلاعه الدقيق على كلّ ما أنجزه العرب في ماضي حياتهم داخل اللغة ومن خلالها.

ربّما شجعته معرفته العميقة باللغات الحيّة والميّتة على حد سواء للعثور على مفاتيح البحث اللغوي، غير أن عشق الكرملي للغة العربية يقف بالدرجة الأساس وراء تعامله معها بما عرف عنه من حرص ووفاء لها، لا باعتبارها إرثا يمكن تصريفه واقعيا بل كونها أمانة، ينبغي الحفاظ على لمعان ما تحتويه من درر. لذلك أعاد النظر في كل المكتبة المعجمية العربية ليستخرج جوهرته “المساعد” وهو العمل المعجمي الذي استغرق تأليفه أربعة عقود، كان الكرملي أثناءها ينشر بحوثه ومقالاته في عشرات المجلات العربية بأسماء مستعارة، منها “أمكح، متطفل، مستهل، منتها، مبتدئ، ابن الخضراء وسواها” ولم يكن ذلك الأمر غريبا عليه وهو الذي عاش حياته كلها وهو يحمل اسما مستعارا.

تعدد أقرانه الذين اخترعهم وكان يكتب بأسمائهم يكشف عن شعوره بأن حجم رعيته يتجاوز عدد البشر الذين عُهد إليه بسبب منصبه الكهنوتي أن يرعى شؤونهم الدينية. كانت رعيته الحقيقية تتألف من الآلاف من الصفحات التي ترك على صفحاتها أثرا من خطه الناعم الذي يكاد لا يُقرأ. وهو الأمر الذي صَعّبَ مهمة تحقيق مخطوطاته الأربعين ونشرها. غير أن ما بذله تلميذه كوركيس عواد في هذا المجال يعد جهدا لافتا.

حارس العربية الساهر على أحلامها

موسوعة حية زينت بغداد

كما هو حال اللغويين العرب القدامى كان الكرملي موسوعيا في معارفه وخبرته وهو ما انعكس على المجالات التي كتب فيها. إذ فتحت له اللغة أبوابا أطل من خلالها على التاريخ والديانات والفلكلور والجغرافيا والأنثربولوجيا والتربية.

وإذا ما كان الخوف من ملاحقة العثمانيين له ولكتاباته، قد دفعه إلى أن يخفي مخطوطاته في خزانة دفنها تحت الأرض، فإن زوال الغمة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى دفعه إلى إخراج تلك الخزانة التي جادت بعدد من كتبها على المكتبة العربية، بعد أن قام الكرملي نفسه بطباعتها في حياته. ومن تلك الكتب نذكر “الفوز بالمراد في تاريخ بغداد”، “مختصر تاريخ العراق”، “أديان العرب”، “جمهرة اللغات”، “المجموع″، “أغلاط اللغويين الأقدمين”، “نشوء اللغة وتطورها”، “العرب قبل الإسلام”، “السحائب”، “شعراء بغداد وكتابها”.

وكما هو واضح من عناوين كتبه فقد كان الكرملي عروبيا في دعوته التنويرية، كانت رغبته في تحديث الحياة تقوم أصلا في التعرف على الأصول والتمسك بنقاء صورها واستبعاد كل ما دخل عليها بتأثير عاديات الزمن والعصور المظلمة.

عام 1911 بدأ بإصدار مجلته “لغة العرب” وهو العام نفسه الذي جرى فيه انتخابه عضوا في مجمع اللغات المشرقية الألماني. وصار بعد ذلك عضوا في مجمعات اللغة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد.

وإذا ما كان الزمن الذي عاش فيه الكرملي هو زمن النخب العربية الحقيقية التي أدركت أن اللغة وليست السياسة هي الركيزة الأساسية لوجودها واستمرارها في البقاء والنمو فإن الكرملي نفسه يعد ظاهرة متميزة في غناها وتمثلها لذلك المفهوم في ذلك الزمن. وهو ما جعله يحظى بالاهتمام والتقدير والتكريم من قبل المؤسسات الثقافية العربية والعالمية.

الرجل الذي ترك 3202 صفحة مكتوبة بخطه الناعم هي مادة معجمه “المساعد” الذي كان قد اسماه في البدء “ذيل لسان العرب” كان بحق منقبا وفاحصا ومختبريا حين وضع نصب عينيه التصدي لأخطاء اللغويين العرب، الأقدمين منهم والمحدثين على حد سواء. فكانت دراساته بمثابة سفر في تاريخ اللسان العربي.

لم ينشر إلا جزءا صغيرا من ذلك المعجم، قام بتحقيقه كوركيس عواد وعبدالحميد العلوجي عام 1972. غير أن ذلك الجزء بكلّ ما انطوى عليه من عمق يفصح عن حجم مشقة الرجل الذي سافر وحيدا بمصباح اللغة.

10