الأب الروحي لفن السخرية لا يقوى على الاحتجاج

غياب الحرية يشكل أبرز أزمات الأراجوز ويجهض آماله في انتقاد السلطة بمصر.
السبت 2019/12/07
أراجوز مهيض الجناح

لماذا لا يقوى فن الأراجوز على النهوض من مرقده وفرض حضوره على الساحة من جديد، على الرغم من هذه الجهود التي يبذلها مهتمّون ومختصّون بين الحين والآخر لابتعاث الأب الروحي لفن السخرية والتهكم والانتقاد في مصر؟ يفرض السؤال ذاته بقوة مع اختتام فعاليات مهرجان الأراجوز المصري الأول بالقاهرة في 28 من نوفمبر الماضي.

القاهرة – الأراجوز ليس مجرد دمية مصرية، لكنه رمز فني وعنوان عريض لهذه الشخصية الاستثنائية الشعبية التي استخدمها المصريون على مدار أكثر من سبعة قرون في الاحتجاج وإعلان الرفض والتمرّد ونقد أحوال المجتمع وأشكال السلطة المختلفة.

ولأسباب متعددة، سياسية واجتماعية واقتصادية وفنية، يوشك الأراجوز على الاندثار، ليصير في “خبر كان”، وتبدو محاولات إنقاذه بجهود شخصية وتمويلات ذاتية، على نبلها وبسالتها ونواياها الطيبة، مثل تعلق الغريق بطوق نجاة مهترئ.

غياب مؤثر

عندما أطل النجم العالمي عمر الشريف على جمهوره بشخصية الأراجوز محمد جاد الكريم في الفيلم الشهير الذي أخرجه هاني لاشين منذ ثلاثين عاما، فإنه أحيا الأمل في ذلك الوقت في إمكانية إنعاش هذا الصوت الفني الاستثنائي، الشعبي الفهلوي، الساخر المعارض، الذي لا يخشى في الحق لومة لائم.

وجاءت نهاية الفيلم تفاؤلية الطابع، موحية بأن الأفواه النضالية، حتى لو كانت لدمى وعرائس، لا يمكن تكميمها إلى الأبد، ففي المستقبل طاقة سحرية مشرقة، حتى وإن أخفتها ستائر الحاضر.

وفي السنوات الأخيرة، برزت أحلام بعض الفنانين والمتخصّصين بإمكانية استعادة فن الأراجوز التراثي على نحو أكثر توسّعا، من خلال مساندة المنظمات الدولية وإقامة بعض العروض، وقدّموا محاولات جادة ملموسة في هذا الصدد، لكن صخرة الحقيقة لا يزال لها رأي آخر على أرض الواقع المليئة بالمعوّقات والمطبّات القاسية، وعلى رأسها تقليص هامش الحرية.

وجاءت هذه الإرهاصات والجهود، الداخلية والخارجية، بمثابة نقاط بداية وومضات صغيرة بارقة في الظلام، لكنّ قَطْع الأراجوز خطوات على طريق عودته إلى هالة النور في الشارع المصري كفن جماهيري جاذب مؤثر فعّال، أمر آخر صعب المنال، على الأقل في الوقت الحالي.

الأراجوز العصري قليل الحيلة يتناول قضايا التعاون والتعايش والتآخي، ولا يقوى على إخراج لسانه الانتقادي اللاذع

عودة الأراجوز الفعلية ليست مجرد عروض هزلية لهذه الدمية الخاصة، سواء مبتكرة أو فلكلورية معالجة، فالمقصود بأي فن هو جوهره وليس شكله، وتحقّقُ فنّ الأراجوز فعلا ومضمونا مرهون باستعادته خصائصه المميزة وتأثيره ودوره الفني والاجتماعي والسياسي، وإلاّ فإن ما يقال عن ابتعاثه لن يتعدّى أن يكون مناسبات احتفالية وكرنفالات عاطفية تتأجّج فيها النوستالجيا، ويترحّم روّادها على فن الدمى الشعبية الأعرق في مصر، الذي يعدّ بذرة للمسرح وفنون النقد والفكاهة والسخرية اللاذعة، جميعها بلا استثناء.

ومن هذه الجهود الفردية المبذولة في سبيل دعم الأراجوز وتعزيز حضوره الشعبي، تأسيس المخرج والمؤلف المسرحي نبيل بهجت فرقة “ومضة” للأراجوز وخيال الظل، وهي فرقة مستقلة هدفها الحفاظ على فنون الفرجة الشعبية، وأقامت بالفعل عروضا داخلية وخارجية للأراجوز، إلى جانب مهرجان الأراجوز المصري الذي أقيم مؤخرا، كما تعزى لمؤسّسها مبادرة الأراجوز والدمى المصرية التي كان لها دور في اعتماد الأراجوز بقائمة اليونسكو للتراث الثقافي في نوفمبر الماضي.

إن الأراجوز الغائب، المؤثر، هو ذلك الذي يتحدّث بالضرورة بصوت مختلف، إذ يستخدم اللاعب أداة نحاسية داخل فمه لتغيير صوته، ومثل هذا الانحراف عن أصوات البشر يعكس دلالة “انفلات” هذا اللون الفني الاستثنائي الناطق بصوت مختلف، هو صوت تحطيم السائد وكسر التابوهات والخوض في المناطق المحظورة والأمور المسكوت عنها، وبغياب هذه الإمكانات وفقدان هذه الملامح، فلا مكان للأراجوز صاحب التاريخ الطويل من النضال، حتى وإن حضر بهيئته الجوفاء في استعراضات عصرية.

الأراجوز المبهرج، الضاحك الباكي، الدمية المرنة ذات الطرطور والرأس الخشبي أو البلاستيكي، هو تلك المرآة التي تعكس جينات الشخصية المصرية بما تحمله من قدرة على المرح والتنفيس عن الضغوط المحتبسة في الداخل من خلال الكوميديا السوداء.

وتحكي عروض الأراجوز عادة مواقف درامية من الحياة اليومية الاعتيادية، فيها مفارقات وصدامات متعددة، يستغلها الأراجوز المنتشي الواثق بذاته لإطلاق البسمات والقفشات والتندّر على القوى المتسلطة وكسر شوكتها وزعزعة هيبتها، بما يستدر ضحكات الحاضرين في عروض مصحوبة بالحركة والغناء.

صوت مختلف

يشكّل غياب الحريّات وتضييق نطاق التعبير أبرز أزمات الأراجوز في السنوات الأخيرة، فهذا الأريب الفطن، ابن البلد، الشعبي، ذو الجلباب، المتمتع بالذكاء و”الفهلوة” وقسوة اللسان، ممنوع من التجرؤ والانتقاد ولو من خلال الدعابة والفكاهة والتندّر على القوى السلطوية والمؤسسات المركزية، لاسيما السياسية والدينية التي لا تقبل الصوت المختلف وتتعامل معه بوصفه عميلا أو خائنا.

ولم تكن العصور التي نضج فيها فن الأراجوز عصور حريات وحقوق مكفولة بطبيعة الحال، فهو فن نشأ لمواجهة القسوة والتكبيل أصلا، لكن كانت هناك مساحات مقبولة للتنفيس الشعبي، على الأقل لتلك الأصوات الاحتجاجية التي تلجأ إلى الحيلة والرمز والإسقاط ولا تفصح عن المقصود تعريته وانتقاده بشكل مباشر.

وبلغ الأراجوز ذروة الجرأة في استغلال هذه الصيغ، وتوجيه الجمهور من خلالها إلى تغيير المفاهيم والقناعات، وأحيانا إلى الحراك الاجتماعي والسياسي واتخاذ مواقف معارضة واحتجاجية.

الأراجوز المبهرج، الضاحك الباكي، الدمية المرنة ذات الطرطور والرأس الخشبي أو البلاستيكي، هو تلك المرآة التي تعكس جينات الشخصية المصرية بما تحمله من قدرة على المرح والتنفيس عن الضغوط

ضاقت كل فرص منح الأراجوز هذه المساحات المحدودة والضئيلة التي كان يرضى بها سابقا، فالمراد هو منعه من الكلام كلية، بأي لغة توصيلية أو إشارية، بل إن الأمر وصل إلى أن برامج تلفزيونية ذائعة الصيت، مثل برنامج باسم يوسف على سبيل المثال، قد ألغيت في وقت سابق تحت مسمّى أنها تفسح المجال للأراجوزات، واستخدم هنا في توصيف ذلك الإعلام النقدي المتهتك غير المتحشم.

إن اتساع الصدور مرة أخرى للأراجوز يعني ببساطة ضرورة التسامح بقدر مقبول مع “سلاطة اللسان”، كسمة من سمات هذا الفن الذي يقترب بشراسة من كل المقدسات، حاملا على عاتقه مسؤولية كشف العورات، والتوعية، والتوجيه، وفضح المخطئ والمسيء، بغض النظر عن مكانه ومكانته، ومثل هذا المناخ الملائم لتألق الدمية الشعبية المتفجرة صار أقرب إلى المستحيل في الوقت الحالي، الأمر الذي دفع شهيد الحرية إلى الانزواء التدريجي.

وإلى جانب أزمة التعبير الجوهرية التي تتعاظم حدتها في حالة فن الأراجوز لاعتماده في الكثير من الأحوال على الارتجال العفوي الفوري، فإن هناك مشكلات أخرى فرعية تضخّمها وزارة الثقافة المؤسسة الرسمية كعوائق تحول دون ازدهار هذا الفن.

ومن هذه المعوّقات؛ ضعف الإنتاج وتهافت الميزانيات المادية وندرة اللاعبين والمصمّمين الموهوبين من الأجيال الجديدة، وظهور فنون أخرى حديثة متطوّرة سحبت البساط من تحت أقدام الأراجوز والفنون التقليدية عموما، كالمسرح والسينما والتلفزيون، بالإضافة إلى هيمنة الإنترنت بفيديوهاتها وبرامجها وإبداعاتها المرئية والتفاعلية الجاذبة.

وتبدو فرص حماية فن الأراجوز من الانقراض صعبة للغاية في ظل الأوضاع القاتمة القائمة، وزادت الأمور تعقيدا بعد رحيل روّاد فن الأراجوز من المؤسّسين والأساتذة، الذين كان يمكن الاستفادة من خبراتهم في هذا المجال، وآخرهم منذ أسابيع قليلة “العم صابر”، الذي ظل يقدّم هذا الفن على مدار أكثر من نصف قرن، متنقلا بين الموالد والاحتفالات الاجتماعية والدينية في القرى والأحياء الشعبية المصرية.

إن قضايا من قبيل التعاون والتعايش السلمي والتآخي ونبذ الخلاف وغيرها ممّا يطرحها الأراجوز “مهيض الجناح” في صيغه العصرية الراهنة ربما تفي بغرض التوثيق للفن المُنقرض وتعريف الأجيال الجديدة به، لكن “أين فن الأراجوز بلسانه الانتقادي الاحتجاجي اللاذع وخصائصه المعروفة؟”، إنه خرج ولم يعد بالتأكيد.

13