الأب المثالي.. الأب الميت

إلى متى يظل المرء مقلدا؟ تلك مشكلة الرسامين الذين تأثروا بوارهول. لقد بقوا واقفين عند حدود الصنعة. مبهورين بقربهم من تجربة الأب الذي اعتبروه مثاليا وكان ميتا في كل وقت.
الاثنين 2020/10/19
تكرار فاقد للإبداع (عمل تجهيزي لأندي وارهول)

يصعب الحديث عن تأثر إيجابي خلاق بأعمال الفنان الأميركي أندي وارهول (1928ــ1987). كل الذين تأثروا بفن الرجل – الظاهرة وقعوا صريعي شهرته وصاروا جزءا ملحقا به ولم ينفردوا بشخصياتهم المبدعة، وإن كان البعض منهم قد حقّق نوعا من الشهرة المؤقتة وبيعت أعماله بأثمان باهظة.

في حقيقته فإن وارهول لم يكن رساما متميزا بقدر ما كان صانع أسلوب احتلت التقنية الجزء الأكبر منه. صنيعة نيويورك كان ظاهرة شعبية تليق بأكبر مدن الاستهلاك وتنسجم مع ذائقة سكانها. بل إن وارهول ساهم في تشكيل تلك الذائقة ونشرها في العالم. إنه رجل المعلبات والممثلين والأعلام وسواها من رموز الثقافة الشعبية.

كان يعرف أنه يسعى إلى تجسيد التفاهة. ولم تكن تلك المهمة لتقلّل من قيمته الفنية بل إنه اكتسب شهرة من خلالها لم يكتسبها أحد من فناني النصف الثاني من القرن العشرين.

لست من المعجبين بفنه، ذلك لأني أعتقد أنه مثلما عبّر عن الزائل فإنه سيزول. إنه نتاج عصر رأسمالي خضعت الكثير من القيم فيه لقوة المال. وكان وارهول مولعا بالمال. وهي الصفة التي انتقلت مثل عدوى إلى مقلديه.

ولكن إلى متى يظل المرء مقلدا؟ تلك مشكلة الرسامين الذين تأثروا بوارهول. لقد بقوا واقفين عند حدود الصنعة. مبهورين بقربهم من تجربة الأب الذي اعتبروه مثاليا وكان ميتا في كل وقت.

لقد أنجز وارهول أسلوبه في وقت مبكّر وقضى حياته كما لو أنه ماكنة تكرّر ما كان موجودا. فهو على سبيل المثال أنجز لوحات لعشرات المغنيين والممثلين والسياسيين بالطريقة نفسها. ما من إبداع.

كان الرجل ذو الشكل الغريب يكرّر نفسه. وبالرغم من أن أعماله لا تزال تحظى باهتمام المتزايدين الذين يدفعون أثمانا باهظة من أجل اقتنائها، فإن تلك الأعمال ستفقد أهميتها الزائفة بمرور الوقت.

وهو ما يلقي بظلال كئيبة على مصير أعمال مَن قلدوه وسعوا إلى الاستفادة من الهالة التي أحاط بها نفسه في حياته وأحيط بها بعد موته من قبل نقاد، تستأجرهم المتاحف من أجل الترويج لمعارضها.

16
مقالات ذات صلة