الأب المفقود والأخ المقتول والعروس المنتحرة

الثلاثاء 2013/09/24
رشيد بوجدرة يسائل "تابو" الجنس

رشيد بوجدرة شاعر وروائي جزائري معروف في الأوساط الأدبية الفرنسية والعربية أصدر حتى الآن مجموعتين شعريتين هما: "من أجل إغلاق نوافذ الحلم" و"لقاح"، وعدة روايات منها "التطليق" التي اشتهر بها في فرنسا، و"الرعن" و"الإراثة " و"الحلزون العنيد" و"خليج الزقاق" و"فندق سان جورج" وغيرها.

في الواقع إن تجربة بوجدرة لم تتوقف عند كتابة الشعر والرواية، بل امتدت إلى ميادين المذكرات وتسجيل وقائع الرحلة بأسلوب شاعري مكثف، والسينما حيث وضع عدة سيناريوهات لأفلام جزائرية ناجحة منها فيلم "نهلة".

سأكتفي هنا برصد بعد واحد أساسي في رواية رشيد بوجدرة التي تحمل عنوان "ليليات امرأة آرق" وهو بعد التماهي في بناء العلاقة المتوترة بين الرجل والمرأة التي تشكل "موضوعة حيوية" في بنية هذه الرواية علما أن المسار العام لتجربة بوجدرة الروائية يبرز أن عالم المرأة المتعلمة في معظم أعماله يكاد يمثل "ثيمة" مركزية ومحورية مهيمنة.

من الملاحظ أيضا هو أن المرأة في جل روايات بوجدرة لا تنتمي إلى الشريحة الفلاحية من ناحية التكوين النفسي والثقافي والاقتصادي والممارسات اليومية بل تنتمي إلى الشريحة المتوسطة الغنية.


شخصية محورية


تحكي رواية "ليليات امرأة آرق" سيرة ذاتية لامرأة جزائرية درست الطب بالكلية حيث تعرفت إلى طالب شاب أقامت معه علاقة جنسية خارج إطار الزواج وتميزت بالتذمر والغثيان.

من خلال تطور نسيج الرواية نعلم بأن هذه البطلة لم تفقد عذريتها بالصدفة، أو عن خطأ وإنما سعت إلى ذلك سعياً وتعلل موقفها هذا بأنها تريد من وراء ثورتها على عذريتها أن تكسر القيود الاجتماعية السائدة والأخلاق التقليدية، أما ذلك الشاب الذي أقامت معه هذه العلاقة فإنه تزوج من غيرها. هكذا واصلت بطلة رواية "ليليات امرأة آرق" تجاربها الجنسية مع رجال آخرين معلنة أنها متعبة، ومفعمة بالكراهية، وأن حياتها تتميز بعدم الاستقرار.

من خلال منولوج طويل النفس نعلم أن أمها أصيبت بمرض السكري إثر مقتل إبنها على أيدي الفرنسيين بباريس وذلك بعد اكتشافهم علاقته بالثوار الجزائريين. عن طريق استخدام تقنية "الفلاش باك" تتكشف لنا عمتها فاطمة التي ماتت في حادثة الترامواي الذي قطَع جسدها إلى نصفين، وأن أباها هجر عائلته وأصبح في حالة المفقود، وأن عروسا انتحرت في الحي القصديري.

إلى جانب هذه التفاصيل نجد فاطمة تروي سيرة أخيها الأصغر الضابط في الطيران الذي تعود أن يقترض منها الأموال دون أن يعيدها لها ما اضطرها إلى أن تلغي هذا التعامل معه معتبرة سلوكه هذا قمة استغلال الرجل للمرأة.

ففي الواقع إنَ رواية " ليليات امرأة آرق" ليست برواية الشخصيات التي تنمو في إطار تطور الأحداث في الزمان والمكان وذلك لأن أغلب الشخصيات فيها لا نتعرف إلاَ على نتف من عوالمها لأن الروائي بوجدرة لا يتركها لتتحدث عن نفسها وتاريخها كما عودتنا على ذلك الرواية التقليدية.

وبذلك تكون هذه الرواية رواية الشخصية المحورية الواحدة وليست رواية الشخصيات وبذلك أيضا تكون هذه الشخصية المحورية الواحدة أشبه بمرآة كبيرة تعكس صوراً وأفعالاً وذكريات خاصة بها وظلال الآخرين.

وبمعنى آخر إن بعض الشخصيات المذكورة خلال المنولوج ليست بمرايا تعكس نفسها وإنما هي مجرد صور ترى من خلال الشخصية المحورية.

إنَ الأب المفقود، والأخ الأكبر المقتول والأخ الأصغر صاحب السلوك الفظ، وانتحار العروس في الحي القصديري، وموت العمة فاطمة، تحت عجلات الترامواي، وزواج ذلك الطالب من امرأة ثرية تقليدية، وصورة ذلك الشيخ المتخصص في كتابة رسائل الطلاق والزواج دون أن يهتم بأي إحساس تجاه مصير هؤلاء، تشكل كل هذه الشخصيات في مجموعها العناصر الأساسية التي أفرزت سلوك وتفكير البطلة (الدكتورة في الطب) مما يجعلنا نقول إن بطلة الرواية ليس لها تاريخها الخاص بها بل يشكل تاريخها مجموع خيبات لماضي وتواريخ شخصيات الرواية التي تشكل أفراد عائلتها.

إن التجربة الصعبة والقاسية لأفراد عائلتها، وكذلك علاقتها الهلامية المثبتة في الوصال الجنسي الفيزيائي مع الطالب الشاب لم تفجرا في حياتها وعيا إيجابيا، بل جعلتاها أثناء ممارستها لمهنتها كطبيبة متخصصة في الأمراض التناسلية تضحك على عورات الرجال، وهي ترمي من وراء ذلك إلى الانتقام منهم رمزياً.

إنَ تواريخ أفراد عائلة البطلة وكذا عاشقها الطالب والرجال الذين مارست معهم الجنس قد تحولت في وعيها إلى حالات متقطعة مرمية في فضاء المونولوج الداخلي ولم تتحول إلى أحداث بالمفهوم الروائي التقليدي.

إن بطلة رواية "ليليات امرأة آرق" تحصر مشكلتها الوجودية في أسئلة الجسد ومباهجه وخيباته ولا تحصرها في أسئلة المجتمع الأكثر إلحاحا وتأثيراً و رغم ذلك فإننا نجد في البنية العميقة لهذه الرواية نقدا لبعض الصور الاجتماعية السلبية كأزمة السكن وندرة الموصلات وتفشي الأمراض الأخلاقية وانفصال بعض الأفراد عن القيم التراثية الحية في المجتمع الجزائري.

إضافة إلى ما تقدم فإن نقد هذه البطلة المحورية للثقافة الذكورية وتجلياتها لم يكن فاعلا على المستوى الذاتي لأنه لم يحدث لديها تغييرا راديكاليا، بل بالعكس بقيت تسير في طريق الانحلال والفوضى والعبث، فهي لم تتجاوز عتبة الجنس كاستهلاك يولد لديها العبث والانتقام من الرجال إلى فتح فضاء الجنس كعلاقة إنسانية إبداعية في إطار ممارسة الفعل الاجتماعي والمهني.

يبدو أن هذه الرواية توحي بأن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة هي جزء من الفعل التغييري ولكن بطلة رواية " ليليات امرأة آرق" تحدد جوهر صراعها مع الرجل في العلاقة الجنسية غير الطبيعية، كما تحدد الخلل فيها على أنه نتاج لعدم تطور وتكافؤ هذه العلاقة علما أن الجنس، كأزمة وكـ "طابو"، ليس إلا نتاجا لتخلف المجتمع الجزائري الذي تسيطر عليه الثقافة الذكورية. رغم هذه اللمحات النقدية فإن الرواية قد عجزت حقا عن وضع مشكلة الجنس في الإطار التاريخي الصحيح.


الهوية والتماهي


في هذا السياق نستنتج أن هوية البطلة المحورية لرواية "ليليات امرأة آرق" وأن البنية الكلية لهذه الرواية نفسها ليستا سوى سلسلة من تماهيات غير واعية مع رواسب مخزون الماضي القاتم لعائلة هذه البطلة، وإعادة إنتاج لهذه التماهيات في شكل سلوك حاد وسلبي مثل السخرية من الأعضاء الجنسية للرجال، والانتقال من رجل إلى آخر، وإلغاء مشروع مواصلة كتابة "ليلياتها" حيث تعتبر البطلة التوقف عن الكتابة بمثابة الانتقام من الرجال.

إنه يمكن لنا تأويل قرار إلغاء البطلة لعملية مواصلة كتابة "ليلياتها" على أنه الزهد في دور الكتابة في تغيير الذات وتحريرها، وفي إقامة علاقات التواصل مع الناس، كما أن استبعادها للانتحار أمر يوحي ظاهريا بأنها اختارت الحياة بدلا من الموت، وأنها يمكن أن تعطي لحياتها مساراً آخر، غير أن ذلك لم يحصل لأنها أصرت على أن تستمر في الحياة لتنتقم من الرجال فقط: " لن انتحر نكاية في الرجال "الخنازير – الحلازن".

هكذا ندرك أن قرار عدولها عن الانتحار وأن اتخاذها لقرار توقيف الكتابة هما بمثابة غلق لإمكانية التغير وإقصاء لإنجاز تاريخ بديل يفترض أن يكون تاريخ المرأة المثقفة الواعية الملتصقة بجوهر الحياة المنتجة وليس بطقوس تعاطي الجنس الفيزيائي مع عدد من الرجال ومن ثم الضحك على عوراتهم، والانتقام الرمزي منهم.


الزمان والطبيعية


إن بنية رواية "ليليات امرأة آرق" مؤسسة على عنصرين مترابطين ومتبادلي الاعتماد: أولهما يقوم على جوانب من واقع شريحة اجتماعية ذات ماض متعب وحاضر معقد، ومستقبل معتم، وهي شريحة عاجزة عن صنع تاريخ جديد لنفسها خارج دائرة الانتقام، واستهلاك الجنس كبضاعة، وثانيهما يتمثل في المنولوج الداخلي الطويل بحيث يمكن لنا الجزم بأن الرواية من أولها إلى آخرها ليست إلا تداعيات منولوج وهي بذلك حطمت الشكل التقليدي الذي يقوم على تنمية الحدث من خلال نمو وتطوير الشخصيات ومواقفها وحركاتها في الزمان والمكان. فالزمان في رواية "ليليات امرأة آرق" هو زمان نفسي أكثر مما هو زمان متصل بتواتر الأحداث.

إلى جانب ما تقدم نرى أن الطبيعة في هذه الرواية ليست فضاء جغرافيا خارجيا تتم فيه الأحداث وتحولات الشخصيات كأفراد لها تاريخها، وإنما هي فضاء داخلي قد تحوَل إلى معادل موضوعي للتضاريس النفسية للبطلة المحورية للرواية.

ونتيجة هذا نلاحظ أن هذا التشكيل النفسي للطبيعة في رواية "ليليات امرأة آرق" قد ظل مفعما بغنائية حزينة أسستها شاعرية مرهفة تبرق في ليل امرأة تتماهى مع انكسارات وخيبات تواريخ العائلة وتعيد إنتاجها إلى درجة أنها قد أصبحت هي المشكلة لهويتها التي تستبدل الحب بالجنس، الأمر الذي أدى إلى انغلاق أفق التواصل في حياتها.

إن هذا المنعطف المتعرج الذي سارت فيه حياة هذه المرأة قد حال دونها ودون الوصول إلى أفق تنجز فيه بنفسها تاريخا يعطي لها الاندفاع الحيوي والمعنى. وهكذا نجد أنفسنا أمام هويَة مشكلة من مجموع تواريخ خيبات أفراد عائلتها، ومن كدمات التواريخ العلاقات الجنسية المشيأة التي أقامتها مع رجل تلو الآخر دون أن تثمر حبا حقيقيا.

14