"الأب" مسرحية ترصد حياة الإنسان حين يردّ إلى أرذل العمر

الاثنين 2015/02/02
علاقة ثنائية بين أب وابنته أفسدتها أعراض الشيخوخة

يبرز الروائي والكاتب المسرحي فلوريان زيلر (35 سنة) كواحد من الكتاب الذين فرضوا حضورا لافتا في الأعوام الأخيرة، سواء من خلال تحديث المقاربة الركحية مثل جويل بوميرا، أو بتفجير القواعد المسرحية المعروفة مثل سيلفان كروزفو، أو عن طريق المراوحة بين الملء والفراغ على غرار فلوريان زيلر، الذي قابل النقاد مسرحياته باستحسان كبير، من “إن متّ” و”الأم” و”الحقيقة” إلى “الأب” التي تعرض حاليا في مسرح بيرتلو.

“الأب” مسرحية تسلط الضوء على حياة الإنسان حين يُردّ إلى أرذل العمر، فيفقد الاهتداء إلى المعالم والموجودات، ويجهد في التشبث بوجود لا يريد فراقه، رغم أنه لم يعد يفهم قواعده.

فهي تركز على الحالة الذهنية لعجوز صار يعجز عن فهم العالم، فيسوء طبعه حدّ إيذاء من حوله. ومدارها عجوز يدعى أندري تطاولت به الأعوام حتى وهنت صحته ومداركه العقلية، وابنة تبحث عن حل من بين ثلاثة: أن تجيئه بممرضة تسهر على راحته، أو تودعه إحدى مصحات رعاية العجّز والمسنين، أو تأخذه إلى بيتها. اختارت الحل الأخير، فإذا حياتها معه تنقلب إلى صراع لا يهدأ.


لوحات متفرقة


لا يذهبنّ بالقارئ الظن أن المسرحية مجرّد سرد لوقائع اجتماعية، عن وضع المسنين في مجتمع غربي تطغى عليه الفردية والأنانية المفرطة، أو أنها تصوير لصراع بين جيلين، فهي في الواقع محاولة ذكية لرصد مرحلة الشيخوخة، ممثلة هنا في شخصية أندري، وسلوكه الذي يتبدّل من حال إلى حال، ويتناقض في كل رأي يبديه، وكل موقف يعلنه.

هذا التحوّل يلمسه المتفرج في تغيّر اللوحات بشكل تبدو معه الأحداث متقطعة، ارتدادية حينا، ولولبية حينا آخر، فلا يعلم بالضبط أيّ المشاهد ألصق بواقع الحال، السابق أم اللاحق، فهي أيضا تتناقض، وأبطالها يتناوبون على الركح بخطابات لا تدري من قائلها، لكونها تصدر عن شخص في أحد المشاهد، ثم تصدر عن شخص آخر في مشهد موال، وكأن المتفرج أمام كائنات متماثلة.

دور الأب المعقد استطاع أن ينهض به باقتدار عملاق من عمالقة المسرح الفرنسي هو روبير هيرش

فالمسرحية، كما يقول زيلر: “مربكة تنقصها دائما قطعة، دون أن نعلم ما هي”. فقد عمد إلى تشويش المسالك كيْ يترك لخيال المتفرج فرصة ملْءَ لحظات السكوت وفهم تكرار الخطابات، سيرا على منوال مؤلفين مسرحيين يميلون إلى ترك نصيب من التردد في نصوصهم، كناية على عدم الوثوق من مسألة محيرة لا يريدون البتّ فيها، على غرار الأنكليزي هارولد بنتر والنرويجي جون فوس، دون أن يلتزم بمقاربتهما حرفيا، بل يتبناها ويضيف إليها تصورا مخصوصا يرقى بالنص إلى مصاف النصوص العالمية الكبرى.

ولا يعني ذلك أن المسرحية غامضة، بل هي واضحة، تنضح بمشاعر إنسانية عميقة. ومردّ ذلك أن قوة الثقل فيها لا تقوم على عقدة، بقدر ما تستند إلى تحليل حالة، لفهم روع ذلك العجوز، خصوصا حينما تتفتت حقائقه، أو ما يحسبها كذلك، وتذهب أدراج الرياح.

فزيلر يمزج بين ما يدرك بالعقل وما يدرك بالحسّ المرهف دون الوقوع في ما يثير الشفقة، لينفذ إلى ما يميّز مصير هذا الرجل، بغض النظر عن انحداره المحتوم، ونعني به غياب ابنته الثانية، وموت زوجته التي رحلت منذ مدة. حدثان يرتادان ذاكرته كالرجع البعيد.

تصوّر المسرحية إذن رجلا في خريف العمر، يجتاحه الهرَم يوما بعد يوم، ويتفتت عالمه شيئا فشيئا. تستضيفه ابنته في بيتها لكي لا يبقى وحيدا، فتبدأ المنغصات والمشاكل.

مشاكل للبنت التي لم تتهيّأ كي تكون أمّا لأبيـها، تسهر على راحته وتغفر زلاته وترضي نزواته، فضــلا عن جراح الماضي التي لا تزال حاضرة في ذاكـــرتها. ومشاكل لـلأب الـذي لا يريد التنازل عن حريته بسهولة.

فلوريان زيلر: المسرحية مربكة تنقصها دائما قطعة، دون أن نعلم ما هي

وبرغم محاولاته، يعجز أندري عن المقاومة، فيفقد زمام أمره، وتختفي الذكريات، وتغيم الوجوه، ويختلط الحاضر بالماضي. وعلى غرار بيتر بروك في مسرحية “وادي الدهشة”، ينفذ زيلر إلى عقل بطله، عقل متعب تخرقه الذكريات من كل جانب، فينعكس ذلك في سلوك صاحبه، حيث يبدو أحيانا فظّا، كثير التذمّر، سليط اللسان، وأحيانا أخرى كالطفل، يفرح لأيّ خبر، ويبكي لأيّ حدث.


عملاق مسرحي


قد اختار المخرج لاديسلاس شايّو أن يختم كل لوحة بومضة ضوء تعشي الأبصار، تثبّت الممثلين والديكور برهة، قبل الانتقال إلى مشهد آخر، وأن يغيّر الديكور بتغيير وضعية الأثاث، وتوسيع القاعة على قدر الهوّة التي تجرف البطل، أو تقليص مساحتها على قدر ضيقه بمن يلاقي.

هذا الدور المعقد استطاع أن ينهض به باقتدار عملاق من عمالقة المسرح الفرنسي هو روبير هيرش (وقد اعترف زيلر أنه كتب المسرحية على مقاسه)، فقد أبهر الجمهور بتقمّصه لتحوّلات أندري، في حالات ضعفه وصبيانيته، وحالات تمرّده وعصيانه، ينقل أطوار ذلك الخرف حين يطغى ويغضب ويتعالى، وحين يصمت، وحين يشرد ذهنه ويضطرب وينهار، مع قدرة فائقة على النفاذ إلى أعماقه، نفاذا يجعل المتفرج يتعاطف معه.

والطريف أن هيرش هو أيضا عجوز في العقد التاسع، والجمهور يأتي من أجله هو في المقام الأول، كما يأتي غيره من أجل عجائز آخرين كنا قدّمناهم في ورقات سابقة، مثل ميشيل بوكيه في “الملك يموت”، وإمانويل ريفا في “شاطئ سافانا”، وميشيل روبان في “مضار التدخين”، وهم لا يزالون يملؤون الركح بحضور متميز.

16