"الأتراك الجدد".. أصوات بديلة تبقي أردوغان في الحكم حتى عام 2029

لن يهنأ بال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلا عندما ينجح في فرض التعديل الدستوري الذي سيمنحه صلاحيات مطلقة لإدارة البلاد دون أيّ تهديد من أي سلطة أخرى تشاركه القرار. ولأنه مجبر على إجراء استفتاء شعبي على هذه التعديلات، نظرا لعدم اكتمال نصاب نوابه في البرلمان بما يسمح له تمريرا سهلا لها، ومع تراجع شعبيته على خلفية عملية التطهير التي تشهدها البلاد منذ انقلاب 15 يوليو الفاشل، تجلت فكرة تجنيس الأجانب ليسدوا الفراغ الذي قد يتسبب فيه فقدانه لعدد كبير من الأصوات التي كانت مؤيدة له.
الأربعاء 2016/12/28
أمل جديد

أنقرة – لا خلاف في أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حقق سنة 2016، بعض النجاحات توّجها بإجراءات عملية لإفشال محاولة الانقلاب في 15 يوليو، وقد تمكّن إثرها من السيطرة على مفاصل الدولة التركية. لكن، عملية التطهير التي تجري منذ الانقلاب، وتورط تركيا في الصراعات الإقليمية بما جعلها عرضة للخطر الإرهابي، وارتفاع معدل القمع وخنق حرية التعبير، يغطي على الإنجازات التنموية التي تفاخر الحكومة التركية بتحقيقها سنة 2016.

لم يهتم الأتراك كثيرا بنفق “الاستقلال 15 يوليو”، الذي تم تدشينه مؤخرا ويربط الأناضول بالبحر الأسود، لأنهم كانوا قلقين من تداعيات خبر مقتل السفير الروسي في تركيا.

ولم يتصدر وسائل الإعلام التركية المحايدة والمعارضة خبر أن تركيا أصبحت في عداد الدول ذات الدخل المرتفع، بل كان اهتمامها منصبّا على تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” الذي يقول إن هناك مناخا من الخوف يسود بين الصحافيين في تركيا.

ويعلم أردوغان أن هذا المناخ أفقده كتلة انتخابية كبيرة، وأن الإنجازات لم تعد تهم آلاف الأتراك من ضحايا عملية التطهير التي تسود البلاد منذ انقلاب 15 يوليو الفاشل.

ويعلم الرئيس التركي أن عليه أن يعوّض تلك الأصوات التي فقدها بتراجع شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، خصوصا وأنه مضطرّ لإجراء استفتاء حول دستور تركيا الجديد بسبب صعوبة توفر أغلبية الثلثين لتمريره مباشرة في البرلمان.

صلاحيات مطلقة للرئيس

ذكرت صحيفة زمان التركية أن رئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرامان تلقّى برنامج التعديل الدستوري المؤلف من 21 مادة والذي اتفق عليه حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية.

ويقترح التعديل الدستوري الذي وافق عليه نواب حزب العدالة والتنمية (316 نائبا) تحويل النظام البرلماني الذي تأسس سنة 1920 إلى نظام رمزي واستبداله بالنظام الرئاسي.

ويمنح التعديل الدستوري الكثير من السلطات الجوهرية للرئيس، منها حل البرلمان وإعلان الحرب وتوقيع الاتفاقيات الدولية، ووظيفة رئيس الوزراء وإصدار المراسيم وكافة التعديلات القانونية التي يرغب فيها، كما يتضمن المقترح تعديلات ستضمن إخضاع القضاء العالي كليًّا لسلطة الرئيس.

وفي صورة موافقة مجلس النواب على إجراء الاستفتاء وتم تمرير التعديلات فسيكون بإمكان أردوغان أن يستمر في الرئاسة حتى عام 2029.

وأقرت لجنة الشؤون الدستورية بالبرلمان التركي، الثلاثاء، المادة الأولى من التعديل المصترح، والتي ترفع المادة الأولى عدد مقاعد البرلمان من 550 إلى 600 مقعد.

وأشار رئيس الوزراء بن علي يلدريم إلى أن التعديلات تتضمن السماح للرئيس بالانتماء إلى حزب سياسي ما يتيح لأردوغان العودة رسميا إلى قيادة حزبه العدالة والتنمية، وهو المنصب الذي يشغله حاليا رئيس الوزراء نفسه. وتعتزم الحكومة إجراء استفتاء على التعديلات في وقت مبكر من العام المقبل.

ونظرا إلى أهمية تمرير التعديل الدستوري، مهما كلف الأمر، كان من الضروري البحث عن أصوات بديلة.

صلاحيات الرئيس بموجب التعديل الدستوري:
*يصبح رأس السلطة التنفيذية

*حل البرلمان

*إعلان الحرب

*توقيع الاتفاقيات الدولية

*تولي وظيفة رئيس الوزراء

*إصدار المراسيم وكافة التعديلات القانونية

*إخضاع القضاء العالي كليا لسلطة الرئيس

*إلغاء صلاحية البرلمان الخاصة بإسقاط الحكومة

*تولى تعيين الوزراء ولن يتم التصويت على الثقة

*تعيين نصف أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين

ومن بين الأفكار التي يرى الخبراء أنها تأتي في هذا السياق، فكرة تجنيس اللاجئين السوريين، التي أثارت الكثير من الجدل في الأوساط التركية.

وقال الخبراء إن الغاية منها الاستفادة من هؤلاء الأتراك الجدد كأصوات، فضلا عن زيادة أعداد المنتسبين لحزب العدالة والتنمية.

ولا ينفي الباحث لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات آيكان أردمير أن تركيا ستكسب الكثير من دمج اللاجئين السوريين؛ لكن أردوغان “ليس مدركا لمدى تعقيد هذه المهمة”، خصوصا وأن تركيزه مسلط أساسا على كسب الأصوات.

ويضيف أردمير أن “إعلان الرئيس أردوغان لا علاقة له بالتعاطف مع الأوضاع الصعبة للاجئين”، وإنما “ينظر إليه عموما على أنه استراتيجية جديدة لخدمة طموحاته الشخصية”.

وفي حال “ضمن غالبية أصوات السوريين المجنسين، يمكنه أن يحقق أغلبية ساحقة لتعديل الدستور والفوز في استفتاء حول النظام الرئاسي”.

الأتراك المسخيت

لا يقف الأمر عند تجنيس السوريين، حيث يتجاوزه ليشمل أيضا المساعي التركية الحثيثة لاستقطاب الأتراك المسخيت ومنحهم الجنسية. وقد جاء في الجريدة الرسمية للجمهورية التركية أن البلاد استقبلت في 2016 “ثلاثمئة عائلة من أتراك المسخيت الموجودين في مناطق النزاع ذات الخطورة والراغبين في المجيء إلى تركيا”، وسيتم توفير سكن خاص لهم من قبل الحكومة.

وسبق أن استقبلت تركيا العام الماضي أكثر من مئة عائلة من الأتراك المسخيت، الذين تم استقدامهم من الحدود الأوكرانية الروسية. وجاء في بيان الإعلان حول سبب قدوم هؤلاء الأتراك أنه يكمن في فقدانهم لبيوتهم، ومصادر دخلهم جرّاء الحرب المندلعة على الحدود، والتفرقة العنصرية التي تطبقها الحكومة الروسية عليهم.

ويهوى الرئيس التركي اللعب على أوتار استحضار الماضي. وقد وجد في تاريخ الأتراك المسخيت ما يناسب خطابه. والأتراك المسخيت هم أتراك العرقية وكانوا يعيشون في منطقة مسخيت (جورجيا)، على طول الحدود مع تركيا.

وينتشر اليوم الأتراك المسخيت بشكل واسع في مختلف أنحاء دول الاتحاد السوفييتي السابقة (وكذلك في تركيا والولايات المتحدة) وذلك بسبب عمليات الترحيل القسري خلال الحرب العالمية الثانية.

في ذلك الوقت، كان الاتحاد السوفييتي يستعد لإطلاق حملة ضغط ضد تركيا. وقد تم إرسال رجال المسخيت وشبابهم للقتال في صفوف الجيش الروسي، في حين أرسل ستالين عام 1944، النساء والأطفال والعجائز عبر مقصورات قطار مغلقة إلى أواسط آسيا. ودعمت السياسات القومية في ذلك الوقت شعار “جورجيا للجورجيين” وأن الأتراك المسخيت ينبغي أن يرسلوا إلى تركيا

ويبدو موقف أردوغان أقوى في سياق تجنيس الأتراك المسخيت مقارنة بتجنيس السوريين، ففيما يعارض حزب الشعب الجمهوري تجنيس السوريين، يدعو بشكل كبير إلى دعم الأتراك المسخيت.

وتساءل النائب في حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزغور أوزيل، لماذا يتم منح الجنسية للسوريين بينما يعاني أتراك المسخيت من التهجير والاضطهاد منذ 70 عاما دون أن يتم سماع صوتهم.

وأضاف أوزيل، في اجتماع للبرلمان التركي العام الماضي، إلى أن أبناء العرق التركي أولى من السوريين العرب في الحصول على الجنسية.

وفي ذات الاجتماع، سارع وزير الداخلية التركي السابق أفكان آلا، إلى قطع الطريق على المعارضة كاشفا عن برنامج العدالة والتنمية لاستقطاب الأتراك المسخيت وتجنيسهم.

وأشار إلى أن الحكومة التركية لم تتخلّ عن الأتراك المسخيت، حيث مدّت لهم يد العون والمساعدة على كافة الأصعدة والجوانب.

وذكرت تقارير إعلامية تابعة للعدالة والتنمية أن الحكومة التركية قامت باستقدام 30 ألف مواطن من المسخيت الأتراك إلى تركيا، 25 ألفا منهم تم استقدامهم في عهد حزب العدالة والتنمية، وتم منحهم الجنسية التركية.

وهذا المشروع الذي يعمل عليه أردوغان من شأنه أن يحقق له عدة أهداف، لا فقط على مستوى الاستفادة من هؤلاء كأصوات انتخابية، بل أيضا لتوظيفهم في مختلف مؤسسات البلاد، خصوصا بعد أن وقع إفراغها من عناصرها.

ويستمد هذا المشروع أهميته من مناطق تركيز هؤلاء المتجنسين الجدد، حيث لن يستقر كلهم في إسطنبول بل في المناطق الحدودية والمحافظات البعيدة، والتي كانت تشكل مصدر قلق للنظام الحاكم.

12