الأتراك حائرون: كم الساعة الآن

تظهر ملامح السياسة الأردوغانية على المدى البعيد بشكل أكثر سرعة في كل مرة تتعرض فيها تركيا إلى حدث ما، سرعان ما يتجلى بوضوح أن له دوافع سياسية، وأنه جزء من مخطط الرئيس رجب طيب أردوغان نحو صياغة دولة تركية على مقاسه، وهو ما يدفع إلى التفكير في خفايا قرار الإبقاء على التوقيت الصيفي على مدار العام، وعدم العودة إلى العمل بالتوقيت الشتوي، مثلما هو معمول به في عموم أوروبا.
الأربعاء 2016/09/21
تركيا على توقيت أردوغان

أنقرة - عمّ الارتباك في تركيا بعدما أصدر مجلس الوزراء قرارا يقضي بالإبقاء على التوقيت الصيفي (غرينتش +3) على مدار السنة. وحجّة الجهات المعنية في ردّها على التململ والارتباك على الصعيدين التركي والدولي هي أن ذلك سيسمح للمواطنين “بالاستفادة لمدة أطول من نور الشمس”.

وكان من المفترض الانتقال إلى التوقيت الشتوي (غرينتش +2) في نهاية شهر أكتوبر، لكن ووفق نص القرار الذي اتخذته وزارة الطاقة وأقرّ في مجلس الوزراء بالجريدة الرسمي “الأحد المصادف للثلاثين من أكتوبر 2016، لن يعود العمل بنظام التوقيت الشتوي ساريا”.

وقال وزير الطاقة التركي رآت ألبيراق، في تعليق على تويتر، إن هذا القرار يهدف إلى “الاستفادة أكثر من ضوء النهار والهدف ادخار الطاقة من خلال تكييف ساعات العمل مع الإشعاع الشمسي للحد من استخدام أنظمة الإنارة”. وأضاف أنه “في الساعات المكتبية والدراسية سينقص الظلام وسنتجنب سلبيات فترات التحوّل”.

وذهب بعض الخبراء، ومن بينهم مايكل روبن، الباحث في معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة، إلى ربط هذا التغيير بالتغيير الشامل الذي تعيش على وقعه تركيا منذ سنوات، وبالتحديد منذ اشتداد عود رجب طيب أردوغان، منذ أن كان أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية ورئيسا للوزراء، والآن وهو رئيس للجمهورية التركية الحديثة، التي تحيي في 29 أكتوبر الذكرى الـ93 لإعلان مصطفى كمال أتاتورك أن تركيا جمهورية علمانية تتخذ من أنقرة عاصمة سياسية لها مكان إسطنبول عاصمة الحكم العثماني.

يقول مايكل روبن في قراءته لهذا التغيير إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قرر من طرف واحد تغيير المنطقة الزمنية لتركيا، معتبرا أن تركيا تتخلى عن اتباع أوروبا بإبقائها على التوقيت الصيفي كامل الشتاء. فعوضا عن إرجاع عقارب الساعة ساعة إلى الوراء مثلما يفعلون بالاتحاد الأوروبي في الخريف، ستبقي تركيا الساعات على حالها وبذلك تغير المنطقة الزمنية للبلاد، مثلما هي بصدد تغيير السياسة والثقافة والتعليم، ومظاهر كثيرة للجمهورية التركية الكمالية.

ويدعم هذه الشكوك أن القرار لم يكن جديدا حيث مهدت له الحكومة التركية السنة الماضية عندما اتخذت قرارا مشابها قام على تأخير موعد الانتقال من التوقيت الصيفي على التوقيت الشتوي، إلى ما بعد إجراء الانتخابات النيابية التي شهدتها البلاد في شهر نوفمبر 2015. ووفقا للسلطات التركية، فإن قرار إرجاء تغيير الساعة منح الناخبين ساعة إضـافية من ضوء النهار يوم الاقتراع.

وتسبب القرار في ارتباك على مستوى الساعات الأوتوماتيكية المعدلة على التوقيت الشتوي وعلى التوقيت الصيفي؛ كما اضطرّت رئاسة الشؤون الدينية إلى إعلان بيان حذرت فيه من أن أوقات صلاة المسلمين على التقويم المطبوع ستكون خاطئة بسبب القرار، وأوضحت أنه تجب إضافة ساعة إلى كل وقت من أوقات الصلاة.

ما فعله أردوغان هو وضع تركيا في نفس المنطقة الزمنية السعودية ما يزيد في توجيه تركيا نحو الشرق

وسبق أن غيرت تركيا التوقيت ثلاث مرات في السنوات الخمس الماضية، حيث أجلت التوقيت عام 2014، وقدمت بداية التوقيت الصيفي قبل الانتخابات المحلية حاليا، بينما تم تأجيله بسبب امتحانات دراسية على المستوى الوطني عام 2011؛ إلى درجة أن سؤال «كم الساعة الآن؟» أصبح نكتة يتندر بها في تركيا.

وانعكس ذلك في هاشتاغ أطلقه ناشطون أتراك على مواقع التواصل الاجتماعي حمل عنوان «توقيت أردوغان»، محمّلين هذا الارتباك الحاصل للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مشيرين إلى أن كل التغييرات السابقة في التوقيت كانت بمثابة التحضير النفسي لتغيير التوقيت بصفة دائمة، وكما جاء على لسان علي بن يلدريم، رئيس الوزراء التركي، بأنه لن يكون هناك تقديم أو تأخير للساعة في تركيا مرة أخرى.

وقدّم مايكل روبن توقعاته بخصوص الدوافع الحقيقية لدى أردوغان في أعقاب الانقلاب الفاشل، مشيرا إلى أن ذلك لا يعدو إلا أن يكون نصف الدافع لدى الرئيس التركي. ما فعله أردوغان هو وضع تركيا في نفس المنطقة الزمنية للمملكة العربية السعودية، وبالتحديد مكة، وهو الشيء الذي يزيد في توجيه تركيا نحو الشرق الأوسط وتحضير الساحة لأردوغان لزيادة فرض مطالبته بزعامة إسلامية.

وفي قضية أخرى، يزيد التوقيت الجديد الذي فرضه أردوغان في تعكير الصراع القبرصي الطويل إذ تواصل تركيا في احتلال شمال قبرص على مدى أربعين عاما وبذلك تديم آخر احتلال أوروبي. والآن سيتم تقسيم الجزيرة الصغيرة نسبيا ليس فقط بواسطة الأسلاك الشائكة، لكن أيضا بواسطة الوقت نظرا إلى أن تركيا تجعل “الجمهورية التركية لشمال قبرص” تتبع التوقيت التركي الجديد عوضا عن التوقيت الأوروبي.

واستخدم التوقيت الصيفي للمرة الأولى في كل من ألمانيا وأيرلندا وبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى لخفض استهلاك الفحم، الذي كان الوقود الأساسي في إنتاج الكهرباء، وبالتالي زيادة ساعة في ضوء النهار للتقليل من الطلب على الكهرباء. واعتمدت تركيا التوقيت الصيفي بالتزامن مع بقية أوروبا للسبب نفسه، لكن تركيا قررت الآن أن تأخذ مسلكا خاصا بها، يقول روبن إنه سيجعل تركيا “دكتاتورية موجهة دينيا”.

12