الأتراك متمسكون بنموذج تركيا القديمة

تلقى الرئيس الاسلامي المحافظ رجب طيب اردوغان في الانتخابات التشريعية أول نكسة سياسية كبيرة أسقطت أحلامه بالهيمنة على البلاد. ويقول الخبراء إن كلّ المؤشّرات كانت تدلّ على أن الرئيس التركي، وجماعته، دخلوا دائرة الفشل، وأنه لن ينجح في الانتخابات البرلمانية في الحصول على الأغلبية المطلقة، التي تعوّد عليها في انتخابات سابقة.
الثلاثاء 2015/06/09
أردوغان يفشل في إزاحة صورة أتاتورك

أنقرة - صدقت التوقّعات واستطلاعات الرأي وفشل حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، ولأول مرّة منذ 2002، في الحصول على الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية، وحصل على 40.8 بالمئة فقط من الأصوات. وهي نتيجة وصفها الخبراء بأنها ضربة قاتلة لجهود الرئيس رجب طيب أردوغان لتغيير النظام الرئاسي بشكل يمنحه مزيدا من السلطات.

ولا يعتبر أمرا صادما أن يتلقى حزب العدالة والتنمية صفعة في هذه الانتخابات نظرا للركود الذي يعيشه الاقتصاد التركي وعدم قدرة أردوغان على طمأنة الناخبين بالعودة إلى الازدهار، إلى جانب الاستقطاب الكبير للناخب التركي والذي جعله يتساءل حول أهلية الحزب للشعبية التي يحظى بها بعد أكثر من اثني عشر عاما في السلطة، بالإضافة إلى تزايد الثغرات الأمنية التي تؤكد ضعف السياسة الخارجية للحكومة وقضايا الفساد التي تحيط بالرئيس ورجاله.

والانتخابات البرلمانية، التي أجربت الأحد الماضي، لم تكن انتخابات عادية بل هي انتخابات للاختيار بين تركيا القديمة، البرلمانية العلمانية، التي وضع حجر أساسها كمال أتاتورك، وتركيا الجديدة، الإسلامية التي طمع رجب طيب أردوغان، الأناضولي ذو الجذور العثمانية، في بنائها. لكن، يبدو أن استراتيجية أردوغان عادت عليه، وعلى حزب العدالة والتنيمة، بنتائج عكسية.

وكان أردوغان يأمل بتحقيق فوز ساحق لحزب العدالة والتنمية يسمح له بتغيير الدستور وإنشاء رئاسة أكثر نفوذا، على الطراز الأميركي. ولفعل ذلك كان يحتاج للفوز بثلثي مقاعد البرلمان. لكن، بدلا من ذلك أصبح حزب العدالة والتنمية غير قادر على الحكم بمفرده، لأول مرة منذ وصوله إلى السلطة.

45 يوما حرجا من مداولات تشكيل الحكومة
تدخل تركيا، خضم مرحلة حرجة مدتها 45 يوما، لتشكيل حكومة جديدة، على ضوء نتائج الانتخابات البرلمانية، التي جرت أول أمس، ولم تمكّن أيا من الأحزاب المشاركة فيها، من الحصول على نسبة من الأصوات، تخوله تشكيل حكومة بمفرده.

هل تنزلق تركيا نحو الاضطراب؟

تطلّ احتمالات الاضطراب السياسي برأسها على تركيا بعد أن فقد حزب العدالة والتنمية الحاكم أغلبيته البرلمانية في الانتخابات التي وجهت ضربة لطموحات الرئيس رجب طيب إردوغان للفوز بصلاحيات جديدة كاسحة.

ماهي تداعيات الانتخابات؟

كان الغموض السياسي سببا في انخفاض حاد في أسواق تركيا وجدد للبعض ذكريات الحكومات الائتلافية المفككة قصيرة العمر التي كانت سببا في إضعاف الاقتصاد في التسعينات وأدت إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية في النصف الثاني من القرن العشرين.

لماذا تراجع العدالة والتنمية؟

أسباب عديدة وراء خسارة الحزب الحاكم لأغلبيته البرلمانية، لكن أهمها أن بعض الناخبين خاب أملهم جراء نبرة إردوغان التي تكاد تأخذ طابعا عسكريا وأن يكون آخرون قد شعروا بالخوف من خططه لتركيز الصلاحيات في يديه أو أزعجتهم فضائح الفساد الأخيرة التي أحاطت بالحكومة وعزاها إردوغان إلى محاولات للاطاحة به واستند إليها في إطلاق حملة لتطهير القضاء.

ورغم أن حزب العدالة والتنمية تصدّر قائمة الفائزين، إلا أنه فوز بطعم الخسارة بالنسبة إلى الرئيس، الذي انقطعت به الطريق السهلة نحو الرئاسة المطلقة، بخسارة حزبه بحصوله على 285 مقعدا فقط؛ فدون الحصول على 367 مقعدا على الأقل في البرلمان المكون من 550 مقعدا في تركيا، يجد أردوغان نفسه يفتقد الأغلبية المطلقة التي يحتاجها من أجل تغيير النظام في تركيا وجعله نظاما رئاسيا، من شأنه أن يزيد رسميا في صلاحياته. ودون الحصول على 276 مقعدا على الأقل، يفتقر أردوغان إلى الأغلبية البسيطة اللازمة التي تمكنه من تشكيل حكومة بشكل منفرد، وبالتالي إلى تأمين خطته لانتقال الرئاسة عن طريق الاستفتاء.

ومن المثير للاهتمام أن الشيء الذي حال بين أردوغان وسلطاته الجديدة المرجوة هو حزب الشعوب الديمقراطي، وهو حزب بالرغم من صغر سنه وحداثته، فقد نجح في أن “ينتقم” من تجاهل العدالة والتنمية للقضية الكردية، رغم أن صوت الأكراد كان في السابق من أكثر الداعيمن له، وافتكاك عدد من المقاعد من حزب العدالة والتنمية كافيا ليحرمه من الأصوات الضرورية لتعديل الدستور.

ويقول خبراء، في مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية والأمنية، إن أردوغان أنشأ بنفسه أسوأ عدو له في الانتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في السابع من يونيو الجاري، ومثلما حولّ من قبل، حليفه فتح الله غولن، إلى عدوّ لدود، عادى الأكراد، الذين حوّلوا وجهة أصواتهم نحو حزب الشعوب الديمقراطي.

خطاب الرئيس

يواجه حزب العدالة والتنمية اليوم، بسبب خطاب الرئيس، خسارة كبرى على المستوى السياسي والشعبي، ستنعكس على المفاوضات التي يتوقّع مراقبون قد تستمر أسابيع مع أحزاب معارضة لتشكيل حكومة مستقرة واحتمال إجراء انتخابات أخرى مبكّرة، خاصة وأن الأكراد أكّدوا، قبل الانتخابات، أنهم لا ينظرون بارتياح إلى إمكانية تشكيل ائتلاف مع حزب العدالة والتنمية.

استراتجية حزب العدالة والتنمية المزدوجة بين الأكراد والقوميين الأتراك تخسره شقا كبيرا من أنصاره

ومنذ انتخابه في اغسطس الماضي عمل أردوغان على استعادة مقاليد السلطة من خلفه رئيس الوزراء احمد داود اوغلو داعيا إلى اصلاح دستوري يعزّز صلاحيات الرئاسة. لكن الناخبين الأتراك أعلنوا بشكل واضح أنهم غير موافقين على الانتقال إلى نظام رئاسي، كل المؤشّرات تقول إنه سيكون استبداديا.

تعود سلطة أردوغان إلى ما قبل تسلّمه رئاسة الوزراء، وبالتحديد حين كان عمدة اسطنبول؛ فهذا المنصب هو الطريق نحو بناء السياسات والنفوذ. فأي شخص يشغل هذا المنصب لديه سلطة الموافقة على هذه المشاريع التنموية الطموحة. هذا الأمر يضع عمدة اسطنبول على الطريق نحو السلطة. وقد تم إعداد أردوغان لمنصب عمدة اسطنبول من جانب السياسي التركي نجم الدين أربكان، الذي شغل منصب رئيس للوزراء لفترة وجيزة في عام 1996، وبعد سنتين، تولى تلميذه المنصب في بلدية المدينة.

خلال فترة ولايته كرئيس للبلدية، أنشأ أردوغان شبكة قوية من المؤيدين، بما في ذلك حلفاء داخل حركة خدمة التابعة لفتح الله غولن، من خلال الأشغال العامة المختلفة التي ساعدت في تمهيد طريقه إلى اسطنبول، حيث انتشل عصابات الجريمة المنظمة من أعمال التخلص من القمامة وقام بتوزيع المياه الصالحة للشرب على السكان عبر خطوط الأنابيب المزروعة حديثا.

طموح أردوغان السلطوية في مهب الريح

وبمجرد وصوله إلى السلطة، في 2002، بدأ أردوغان بسرعة بإضفاء الطابع المؤسسي على شبكة رعايته. كانت قوات الشرطة والمدارس ووسائل الإعلام والمحاكم وجمعيات رجال الأعمال حلفاؤه المحافظون الذين تعود جذورهم إلى منطقة الأناضول، في منافسة النخبة الكمالية المتصدرة للمشهد في تركيا.

وبعد تحييد الجيش، قدّر أردوغان أن الوقت قد حان للبدء في تقليص نفوذ حلفائه؛ وأول خطوة كانت القطع مع حركة “الخدمة”، التي يتزعمها الإسلامي محمد فتح الله غولن، الذي تحول من حليف لأردوغان إلى ألدّ خصومه. وكان لكسر التحالف القائم بين حكومة غولن وحزب العدالة والتنمية تأثير سلبي على أداء الحزب في الانتخابات البلدية في 30 مارس الماضي والسباق الرئاسي في أغسطس الماضي، ونفس التاثير أيضا بدا واضحا في الانتخابات البرلمانية خاصة وأن هناك بوادر تشير إلى تحالف بين حركة “خدمة” والحزب الكمالي: حزب الشعب الجمهوري، الذي يمثل يسار الوسط.

عدم اليقين السياسي

بالرغم من أن الاضطرابات ميزت المشهد السياسي التركي على مدى الخمسة عشر شهرا الماضية، نجت الحكومة من السقوط. عندما انكشفت فضيحة ديسمبر 2013 حول الفساد المستشري في حزب العدالة والتنمية الحاكم، واعتقد الكثير بأن ذلك سيكون بمثابة نهاية المسار المهني لرجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء آنذاك. لكن بعد أقل من سنة، في شهر أغسطس، ربح أردوغان الانتخابات الرئاسية بأكثر من خمسين بالمئة من الأصوات، وكان للاقتصاد دور كبير في تلك النتيجة. لكن اليوم، يمر النمو الاقتصادي الباهر الذي حققته تركيا بمرحلة خطرة، إذ بدأ الاقتصاد ينجرف بعد أن أحاطت به رياح متعاكسة من السياسات الاقتصادية والصراع السياسي.

وبدأ أردوغان، الذي يعتبر برأي أنصاره صانع المعجزة الاقتصادية التركية ورجل الاصلاحات التي حررت الغالبية الدينية والمحافظة في هذا البلد من سيطرة النخبة العلمانية ومن تدخلات الجيش في الحياة السياسية، يواجه أكبر قدر من الانتقادات في تركيا حيث تؤاخذ عليه نزعته إلى التسلط ويتهم بالسعي لأسلمة النظام.

حزب العدالة والتنمية يواجه خسارة كبرى على المستوى السياسي والشعبي، ستنعكس على المفاوضات التي من المتوقع أن تستمر أسابيع لتشكيل حكومة مستقرة

وبعد ظهور نتيجة الانتخابات البرلمانية، التي كشفت عن تراجع تأثير أردوغان سيكون لتفكيك شبكة المحسوبية، التي أنشأها أثر عميق على المستقبل السياسي الهش في تركيا. حيث أن تصدّع التحالفات، وتواصل تراجع القبضة المؤسسية لأردوغان، مع انخراط المحاكم ووسائل الإعلام في الأزمة السياسية التي من المتوقّع أن يطول أمدها في البلاد، بالإضافة إلى تراجع الثقة في حزب العدالة والتنمية سوف يؤدي إلى انعاش الصراع السياسي التاريخي بين الأقطاب العلمانية والدينية في تركيا.

وفي هذا الصراع، سيكون الحافز الذي أثار حملة حزب العدالة والتنمية إلى السلطة هو نفسه الذي سيستنزف قوى الحزب، من خلال تشكيل تحالف بين حركة غولن وحزب الشعب الجمهوري من أجل إضعاف أردوغان.

وكان أردوغان يحلم، بعد أن أعيد انتخابه في 2007 و2011 مع نحو 50 بالمئة من الأصوات، بتولي الرئاسة وبالبقاء على رأس البلاد حتى 2023 للاحتفال بمئوية الجمهورية التركية. لكن هذا السيناريو شهد تعقيدات في يونيو 2013. فقد نزل على مدى ثلاثة أسابيع أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون من الأتراك إلى الشارع ليحتجوا على سياسته التي تأخذ أكثر فأكثر المنحى “الإسلامي”.

ويمثل فشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية نهاية لأكثر من عشر سنوات من الحكم المستقر لحزب واحد ويعد انتكاسة لكل من أردوغان وداود أوغلو. فقد صور الرجلان الانتخابات على أنها اختيار بين “تركيا جديدة” والعودة إلى تاريخ تميز بحكوماته الائتلافية قصيرة العمر وعدم الاستقرار الاقتصادي وانقلابات دبرها الجيش الذي استطاع إردوغان كبح جماحه.

وبعد أن كان أردوغان حادا في انتقاداته لخصومه الذين اتهمهم في الماضي بخيانة تركيا بدت نبرته استرضائية في أول تعليقات له عقب الانتخابات في تناقض صارخ لما كان يبدو عليه من خيلاء الزهو بالانتصار بعد الانتخابات المحلية والانتخابات الرئاسية في الفترة الأخيرة.

وقال أردوغان “رأي شعبنا فوق كل شيء آخر. أعتقد أن النتائج التي لا تتيح لأي حزب أن يشكل حكومة من حزب واحد ستقيم تقييما سليما وواقعيا من جانب كل حزب”.

تفاصيل أخرى:

السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة التركية

6