الأثاث.. نظام العلامات المادية في الفضاء الخاص

التصميم الداخلي يتحول إلى قطاع فني صناعي يتحرك بين جماهيري متوافر للجميع وفريد لا يتكرر.
الثلاثاء 2019/03/12
كنبة سالفادور دالي المستلهمة شفاه الممثلة الأميركية ماي ويست

لا ينفصل عالم صناعة الأثاث عن مختلف التطورات التي تطرأ على حياة البشر على غرار الارتفاع الديموغرافي، وما يفرضه من ارتفاع في عدد المساكن وبالتالي شقق أكثر ومساحات أقل، وما تفرضه هذه المساحات من أثاث عملي وجميل في نفس الوقت، أو على مستوى تغيّر ذائقة الناس ونمط حياتهم وتأثّرهم بمختلف المتغيرات التكنولوجية والفنية والحياتية والرغبة في تحقيق معادلة شراء الجيّد والجميل بسعر أقلّ. ويدفع هذا التحوّل إلى التداخل بين الفني والصناعي وحيث يتحوّل الجماليّ والوظيفي إلى مظهر يعكس الفئة المهينة على الفضاء الداخليّ.

باريس - يرتبط الفضاء الخاص، وتحديدا المنزل، بمجموعة من التقسيمات السياسية والثقافية التي ترسم الأدوار الاجتماعيّة. فالمنزل مكان الراحة والتسلية ومنشأ الأسرة النووية تقليديا. وهو أيضا المساحة التي تشغلها “ربة المنزل” التي “تعمل” فيه، كونها المسؤولة عن نظافته وترتيبه وجعله جاهزا للرجل الذي يعمل “خارجا”. والكثير من المقاربات الاقتصاديّة ترى أن “جهد” المرأة داخل المنزل يتم تجاهله ولا يأخذ بالحسبان، وكأنه نوع من العمل المجاني بالمقارنة مع ما يقوم به الرجال خارجا.

تحوّل هذا الفضاء منذ بداية القرن العشرين إلى مساحة للاستثمار. وظهرت أشكال الإنتاج الصناعي والجماهيري للأثاث والأغراض المنزلية التي غزت الغرف بأنواعها. وضُبطت قطع “الأثاث” هذه بتصميمات وظيفيّة في الكثير من الأحيان، لتكون عملية أكثر وبثمن رخيص. هذه المعادلة تتجلّى في شركة “إيكيا” السويديّة، بوصفها ديزني لاند للأثاث، الموجّه للطبقة الوسطى، سهل الشراء والتركيب. لتكون منتجاتها وسيلة لتلبية احتياجات “الداخل” بدقّة، كونها مصممة لتكون ذات وظيفة واحدة. ما يعني شكلا واحدا للنشاط البشري ضمن مكوّنات الفضاء الداخلي، القابلة بأكملها للاستبدال. وإثر استهلاك هذا الأثاث يتشابه الجميع ووعيهم بهذا “الداخل” والوظائف المفترضة ضمنه والمصممة مُسبقا كما نرى في الكتالوغ الخاص بإيكيا.

لاكتشاف ما يختزنه الأثاث والأغراض المنزليّة من قيم رمزية وأيديولوجية، لا بد من البحث في النقيض، فالصيغة النهائية للتصميم الوظيفي مهيمنة ومُقنعة ولا تبدو إشكالية. هذا النقيض نراه في أعمال المصممة الداخليّة كاترينا كامبراني، التي أنتجت ضمن مجموعتها “دون فائدة” عددا من “أغراض” الفضاء الخاص المصمَّمة بصورة تجعلها غير قابلة للاستخدام كالكؤوس والشوك والمفاتيح، في محاولة منها لكشف خفايا تصميم الأغراض اليوميّة وما يجعلها ذات جدوى. في ذات الوقت هناك إحالة إلى التميز الذي يتعرض له ذوي الإعاقات، أو من يستخدمون اليد اليسرى الذين يواجهون صعوبات في التعامل مع الكثير من الأغراض اليوميّة. ذات النقيض نراه على مستوى تخطيطي، كما في النماذج اللاقياسية التي قدمها توماس كاربينتر في انتقاد للأجساد “السليمة” التي يصمم على أساسها الأثاث، ذات الشيء نراه في التصميمات الساخرة، التي تنتقد الوظيفة القياسية للكرسي والطاولة في المنزل والتي تعيق أنشطة أخرى، كالاسترخاء وممارسة الجنس وغيرها.

كل قطعة أثاث تعكس أسلوب الاستخدام في سبيل تلبية رغبات عاطفيّة لدى المستهلك وبعدا ثقافيّا لدى الصانع
 

ننظر إلى كل “غرض” بوصفه “تركيبا”، تتحدد مكوّناته وأسلوب ضبطها بمجموعة من المؤثرات الاقتصاديّة (خط الإنتاج) والسياسيّة (شكل السلطة) والجماليّة (العلاقة مع الفنّ)، والتي تتجلّى عبرها وظيفته ومكانه وكيفية استخدامه، والتي أيضا بسبب حضوره في الفضاء الخاص تهدف إلى خلق الشعور بـ”الاستقرار”، الخاصيّة التي يمكن لأي “غرض” أن يمتلكها، والتي تحضر في عقل المشتري، هناك أيضا الوظيفة المحددة للغرض التي يمتلكها الصانع في مخيلته بعيدا عن التوظيف الحياتيّ لها، كما السكين، الذي يمكن أن يكون أداة من أداوت المطبخ وسلاحا في ذات الوقت، ما يعني أنّ كل غرض أو قطعة أثاث تعكس مخيّلة الصانع وأسلوب الاستخدام في سبيل تلبية رغبات عاطفية لدى المستهلك وثقافية لدى الصانع. مع تراكم الأغراض في الفضاء الداخلي، يتحوّل “الاستقرار” إلى شكل من أشكال التوجيه السلوكي، وأحيانا الهيمنة التي تضبط الأدوار الاجتماعيّة وعلاقات القوة، لتتحوّل كل قطعة أثاث إلى علامة مرئيّة تختزن شبكات متقاطعة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد سلوك المستخدمين وتؤثر في وعيهم.

كرسي كوربوزية الأسمنتي

تعتبر الكنبة التي صممها كوربوزية في عشرينات القرن الماضي من أشهر قطع الأثاث عالميا. وما زالت حتى الآن تصنّع بأثمان ليست بالرخيصة. وهذه الكنبة هي عبارة عن مجموعة من القضبان المعدنيّة التي تحتوي على وسائد جلدية توفر الراحة الشديدة حسب اسمها. لكن هنا، لن نناقشها كغرض مادي، بل كعلامة على الوظيفية في تصاميم كوروبزية، والمقاييس المريحة جدا والمضبوطة جدا، التي قد تقارب السجون الخفيّة، كما في الوحدة السكنية التي صممها في مرسيليا، والتي يقال إنها دعوة إلى الانتحار، بسبب عدم القدرة على تغيير وظائف الفضاء الداخلي، أو التلاعب بحدوده وكيفية الحضور فيه. ويزداد الأمر وضوحا في المنصة الموضوعة في الطابق التاسع التي تبدو أنها مجهزة كي يرمي المرء نفسه منها.

بالعودة لكنبة كوربوزية، المميز بها أنها لا يمكن أن تكون إلا كنبة، مريحة لشخص واحد، وتحريك أي قطعة فيها يفقدها قدرتها على احتواء جسم الجالس فيها. هي ذات تصميم دقيق لا بد من الانصياع كليّا لأسلوب الجلوس فيه. ولا يمكن الاستغناء عن أي جزء منها، هي غرض يحدد شكل الجسد ووظيفته ضمن الفضاء الخاص حين يكون ضمنها، كما يفترض

شكل راحته “الأنسب”، هذه التأويلات التي قد تبدو متخيّلة، نراها في تصميم ستيفن زفيكي لذات الكنبة، إذ جعل مكوّناتها مصنوعة من الأسمنت وقضبان الحديد الصناعية الخام، وكأننا أمام تجلّ ماديّ لتقنيات “الثبات” و”الوظيفيّة” التي تختفي وراء تصاميم كوروبوزية.

مع صعود الفئة السكانيّة العاملة وتحولها إلى طبقة وسطى حول المساحات الداخليّة إلى ما يشبه الأعمال الفنيّة الديمقراطيّة المتوافرة للجميع، وخصوصا في ظل الهجوم على الأغنياء والطبقة الارستقراطيّة مع تأسيس الاتحاد السوفييتي في بداية القرن الماضي، أصبح الفضاء الخاص شكلا من أشكال الاحتجاج إلى جانب السعي إلى الاقتصاد في المساحات بسبب صغر الشقق السكنيّة، التي تشبه العلب ضمن المدن.

جزء من تراث الفن المعاصر
جزء من تراث الفن المعاصر

وهنا تبرز أعمال الفرنسي جوردان فرانسيس التي ما زالت تُتبنّى حتى الآن، إذ يصمم الأخير كتلا متصلة من الأثاث للجلوس والعمل والتخزين، بألوان زاهيّة مستمدة من الحركة الانطباعيّة. كان فرانسيس أناركيا ومقاوما ضد الفاشيّة ومنتقدا للأثاث الضخم التي يمتلكه الأغنياء، ما جعل تصاميمه كـ”صالون جورج بيسون”، أشبه بتكديس لعدد من الوظائف ضمن كتلة واحدة. كلها متصلة توظف الأسطح المختلفة لتوفير مساحة للحركة ضمن الفراغ الداخليّ كما أن استخدماه للألوان الانطباعيّة أشبه بوسيلة

لتحرير الشكل من جموده، وجعله خارج متخيّل اللوحة الفنيّة وحاضرا ضمن الحياة اليوميّة.

يحيلنا هذا الصالون الذي تجتمع أجزاؤه وتتصل ضمن بضعة أمتار إلى خط الإنتاج، وخصوصا أن تصميمات جوردان موجهة للطبقة العاملة، وكأن هناك

علاقة عضوية بين مكان الجلوس والمكتب ومكان التخزين، فكلها مقسمة بدقّة وترتب النشاط داخل الفضاء الداخليّ، أشبه بماكينة من أجزاء مختلفة يمكن أن يتنقل بينها الفرد ضمن عدة “وظائف”، بحيث يكون وقت الراحة ليس إلا استعدادا للعمل لا انعتاقا منه، كون “المكتب” شديد القرب من مكان الجلوس.

تقول النظريات النسوية إن أغراض المنزل التكنولوجيّة ومهامه ساهمت بعزل النساء عن بعضهنّ البعض، فتخزين الطعام في المنزل (البراد) وماكينات الغسيل قللت من التفاعل بينهن ومن الطقوس الجماعية التي كانت تجمعهنّ، صحيح هي “سهّلت” العمل، لكنها حولته إلى جهد يتطلب مهارة وإتقان، وترافق هذا التدخل التكنولوجيّ مع تطور تمديدات أنابيب الغاز والكهرباء والمياه داخل المنازل، وهنا تدعو الحركات النسويّة إلى إعادة الاعتبار لهذا الجهد بوصفه عملا مشابها لأي عمل آخر، وتجاهله من قبل النظريات الاقتصاديّة ليس إلا تمييزا جندريّا ضدّ من يشغل الفضاء الداخليّ.

المقاربة السابقة نراها مثلا في أعمال الفنانة منى حاطوم، التي حولت أدوات المطبخ إلى أثاث داخليّ كبير الحجم، لكنه شديد الخطر في حال استخدم للجلوس والاستلقاء، وكأنها تحول أغراض الراحة في المنزل إلى ماكينات صعبة الاستعمال وتسبب الإنهاك بعكس المتخيّل عنها، إذ تضخم أحجامها لإبراز خصائصها وأسلوب التعامل معها بوصفه “عملا” لا مجرد نشاط سهل الإنجاز، ما يعني أن الراحة ضمن الفضاء الداخليّ ليست مهيمنة، بل يُضبط زمنها بالتدبير المنزليّ وما يرتبط به من جهد.

الداخل كعمل فني

كنبة كوروبزية من الأسمنت
كنبة كوروبزية من الأسمنت 

تحوّل التصميم الداخلي والأثاث الذي يدخل ضمنه إلى قطاع فنيّ وصناعة تتحرك بين الجماهيري المتوافر للجميع وبين الفريد الذي لا يتكرر، وخصوصا بعد الحرب العالميّة الأولى وتغير مفاهيم العمل الفنيّ، الذي لم يعد حضوره حكرا على المتاحف، بل يمكن لأيّ غرض أن يصبح عملا “فنيا”.

المثال الأشهر هو الكنبة التي صممها سيلفادور دالي، والتي صنعت منها خمس نسخ فقط عام 1938، وتصميمها مُطابق لشفاه الممثلة الأميركية ماي ويست.

ويقال إن هذه الكنبة غير مريحة، لكن وجودها يرتبط بفضاء محدد وأغراض أخرى حولها، بوصفها جزء من تصور متكامل للداخل من وجهة نظر سرياليّة، فهناك زاوية محددة يجب التحديق منها ليكتمل الوجه حول الشفاه، كما هي الحالة في متحف دالي.

المثير للاهتمام أن هذه الكنبة اللاوظيفيّة تعيد تعريف الفضاء الداخليّ بأكمله، وأسلوب توزع “الأثاث” وكيفية التواجد ضمن الغرفة، ما يجعل التصور الجماليّ وتخيّل الفنان يتجاوز الوظيفة المفترضة للكنبة، ما يجعلها وما حولها أقرب عمل تجهيز لا غرفة يمكن “الاستقرار” فيها، وهذا ما دفع الشركة الإيطاليّة “غوفرام” منذ السبعينات من القرن الماضي إلى إنتاج شكل جديد لها لكن هذه المرة مستوحى من شفاه مارلين مونرو، لتكون أكثر عمليّة ومناسبة لغرف الجلوس.

على النقيض من كنبة دالي، التي تحوّل فيها الفنيّ إلى صناعي يوزع بشكل ديمقراطي للجميع، تحوّل التصميم الصناعيّ أيضا إلى جزء من تراث الفن المعاصر، فالأغراض التي تنتجها خطوط الإنتاج وتباع بأثمان رخيصة أصبحت تعرض ضمن إطارات في المتاحف، وتحولت أشكال “الاستقرار” و”الوظيفيّة” التي تختزنها إلى قيم جماليّة، كحالة قلم البيك، الموجود في متحف الفن المعاصر في نيويورك-MOMA، والذي يتميز تصميمه الكريستالي بالحفرتين الموجودتين عليه، فتلك التي على الغطاء موضوعة لسبب قانونيّ، إذ تشترط معايير التصنيع البريطانيّة على تصميم غطاء القلم أن يسمح للفرد بالتنفس في حال قام بابتلاعه، أما الحفرة الثانيّة فهي وظيفيّة، لمنع تجمع الحبر داخل القلم.

ما يهما في قلم البيك هو تصميمه الذي لا نفكر به، الإتقان الذي يتميز به جعله منطقي الاستخدام، والخيار الأول حين شراء القلم، هو “تركيب” تحول فيه التصميم والشروط السياسيّة والاقتصاديّة المحيطة به إلى شكل ماديّ للـ”عادي” ذاك الذي ترسخ أسلوب استخدامه عميقا فينا، فهو تصميم متداول لا يثير اللُّبس أو الارتباك.

أثاث مستوحى من شفاه مارلين مونرو
أثاث مستوحى من شفاه مارلين مونرو

 

17