الأثرياء الأتراك يبحثون عن وطن بديل أكثر أمنا من تركيا أردوغان

يدفع الوضع السياسي في تركيا الكثير من أبنائها الأثرياء إلى البحث عن أوطان بديلة عبر شراء جنسيات دول أخرى أو من خلال الحصول على الفيزا الذهبية مقابل الاستثمار في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، كاليونان مثلا، وذلك في مسعى لتأمين أنفسهم وثرواتهم من تداعيات التطورات السلبية التي تتجه نحو تركيا بسبب سياسة النظام ورئيسه رجب طيب أردوغان. وبدأت موجهة هرب الأتراك الخائفين بعد محاولة الانقلاب الفاشل في صيف 2016 لكنها شهدت ذروتها بعد الاستفتاء على تعديل الدستور ومنح الرئيس أردوغان الصلاحيات المطلقة.
الثلاثاء 2018/01/23
لم تعد تركيا لكل الأتراك بل لأنصار أدرغان فقط

أنقرة- يرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده تسير على النهج الصحيح، ولكن ليس كل تركي يشاركه هذا الرأي، ويشعر بعضهم بالقلق بما فيه الكفاية إزاء المستقبل السياسي والاقتصادي لتركيا، بشكل يدفعهم إلى اتخاذ إجراء لتأمين أنفسهم من تداعيات التطورات المستقبلية.

من بين هذه الإجراءات إجراء يقوم به عدد صغير، وإن كان آخذا في التزايد، من الأثرياء الأتراك بالسعي للحصول على تصاريح بالإقامة في إحدى دول الاتحاد الأوروبي لأنفسهم ولأفراد أسرهم. وأصبح هذا الإجراء متاحا من خلال برنامج للاستثمار في اليونان يطلق عليه اسم “تأشيرة الدخول الذهبية”، وهذا البرنامج أصبح بدوره نموذجا للنشاط التجاري يمارسه بانوس روزاكيس.

وروزاكيس هو المدير العام لشركة تسمى “الإقامة في اليونان”، تقوم بتسهيل إصدار تأشيرات الدخول الذهبية، وهي برنامج ترعاه الدولة يهدف إلى اجتذاب المستثمرين لإقامة مشروعات في اليونان.

ويقضي البرنامج بمنح تصريح بالإقامة في اليونان “منذ اليوم الأول” لأي فرد يستثمر 250 ألف يورو على الأقل، في شراء وحدة سكنية في أثينا، على أن يكون تصريح الإقامة للمشتري ولزوجته أو لزوجه، ولأطفاله الأقل من 21 عاما ولأبويه وأيضا لوالد ووالدة زوج أو زوجة المشتري، ولا يتطلب من الشخص المشتري الإقامة الفعلية في اليونان، وفي الحقيقة لا يهتم بذلك معظم زبائن شركة روزاكيس.

تركيا، التي كانت في يوم من الأيام النموذج الأكبر للاستقرار السياسي والاقتصادي، تعاني من صراعات داخلية وخارجية تضع مستقبل البلاد في خطر، الأمر الذي يؤثر على اهتمام الأجانب بتركيا

وليست اليونان هي الدولة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي التي تعرض “تأشيرة الدخول الذهبية”، ولكنها تعرض أقل استثمار للحصول على هذه التأشيرة. البرتغال على سبيل المثال لديها برنامج مماثل، غير أن الحد الأدنى للاستثمار المطلوب في إطاره يبلغ نصف مليون يورو، بينما تعرض قبرص منح حق المواطنة للمستثمرين منذ بداية ضخ الاستثمار المطلوب والذي يبلغ 2 مليون يورو.

وتعتني شركة روزاكيس بإنهاء كل الوثائق المطلوبة من جانب جهة الإدارة اليونانية، وتتوسط لتمليك العقارات للراغبين في الاستثمار بل تقوم في حالة رغبة المستثمر بإدارة وحدته السكنية وتأجيرها وصيانتها.

وقام روزاكيس وزملاؤه مؤخرا بزيارة أسطنبول والقيام بجولة تعريفية بالبرنامج استغرقت أربعة أيام، والسبب في ذلك كان الطلب الشديد من جانب الأتراك على هذه التأشيرة، ويتزايد هذا الطلب بشكل مطرد منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.

وعلق روزاكيس على اندفاع المواطنين الأتراك للحصول على المعلومات الخاصة بهذا البرنامج قائلا “قمنا بعقد لقاء تلو الآخر معهم، إلى درجة أننا لم نجد وقتا لتناول شيء من الطعام أو حتى الذهاب إلى دورة المياه”. وتم تدشين برنامج “تأشيرة الدخول الذهبية” في اليونان عام 2013، وأشار روزاكيس إلى أن اهتمام الأتراك بالبرنامج كان طفيفا قبل محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة.

الهرب إلى أوروبا

يأتي معظم المستثمرين في إطار هذا البرنامج من الصين وروسيا ولا يزال هذا الاتجاه مستمرا، ولكن بقدوم عام 2017 احتل الأتراك المرتبة الثالثة في قائمة المستثمرين بالبرنامج بدلا من المصريين، وقال روزاكيس “يبدو أن الأتراك يتقدمون صوب المرتبة الأولى بالقائمة”.

وأوضح أنه خلال شهر نوفمبر 2017 حصل 170 تركيا وأسرهم على تصاريح بالإقامة في اليونان في عام 2017 من خلال شركة روزاكيس. وفي عام 2016 كان هذا الرقم 30 تركيا فقط، وعلى الرغم من أن السلطات اليونانية لا تنشر إحصائيات عن برنامج “التأشيرة الذهبية”، فإن الأرقام التي يعلنها روزاكيس تتوافق مع تلك المنشورة في وسائل الإعلام اليونانية.

أردوغان يحث الحكومة على اتخاذ خطوات لمواجهة رجال الأعمال "الخونة" الذين يحولون أرباحهم إلى خارج البلاد

ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي أعقبتها حملة “تطهير” قام بها أردوغان، يقوم المزيد من الأتراك بمغادرة بلدهم متجهين إلى دول بالاتحاد الأوروبي، أو على الأقل يفكرون في ذلك، وليست هناك أرقام بهذا الخصوص ولكن ثمة مؤشرات على هذا الاتجاه.

على سبيل المثال قالت الحكومة الألمانية إنه منذ صيف عام 2016 تقدم أكثر من 760 تركيا يحملون جوازات سفر دبلوماسية وعادية بطلبات للجوء إلى ألمانيا. كما طلب 33 تركيا وصلوا بزورق إلى اليونان في ديسمبر الماضي اللجوء إليها، وقالت الشرطة اليونانية إن من بين هؤلاء الأتراك أطباء ومعلمون وطلاب.

ويكشف مسؤولون بريطانيون أن طلبات الانتقال إلى بريطانيا من تركيا ازدادت إلى ثلاثة أضعاف منذ العام 2016. وتنقل صحيفة المونيتور الأميركية عن وكالة نيو وورلد ويلث العالميّة المعنيّة بالعقارات والمال والاستثمارات أن عدد الأثرياء الأتراك الذين يغادرون البلاد يشهد ارتفاعا ملحوظا.

تجنيس مقابل

بينما نادرا ما تشعر أنقرة بالأسف تجاه مغادرة منتقدي الحكومة للبلاد، تشكل خسارة العملة الصعبة شوكة في خاصرتها. ودعا أردوغان الحكومة مؤخرا إلى اتخاذ خطوات لمواجهة رجال الأعمال الذين يحولون أرباحهم إلى خارج البلاد وبالتالي يرتكبون عملا من أعمال “الخيانة”، ومع ذلك أكد الرئيس التركي في وقت لاحق أنه لا يعتزم فرض أية قيود على التدفقات المالية للخارج.

كما سبق أن اقترح الرئيس التركي برنامجا شبيها حين عرض الجنسية التركية للبيع لمن يستثمر مليوني دولار أميركي في تركيا، ضمن خطوة تأتي كدليل على أن المشروع السياسي للرئيس التركي وصل إلى مأزق حقيقي يتم فيه بيع الجنسية التركية للأجانب في حين يضطر الأتراك إلى البحث عن جنسيات أخرى يشترونها ويستثمرون خارج بلادهم من أجل الفيزا الذهبية.

وتعاني تركيا، التي كانت في يوم من الأيام النموذج الأكبر للاستقرار السياسي والاقتصادي، من صراعات داخلية وخارجية تضع مستقبل البلاد في خطر، الأمر الذي يؤثر على اهتمام الأجانب بتركيا وعلى مشروع أردوغان الخاص بالجنسية مقابل الاستثمار.

ويقول المحلل في صحيفة المونيتور ذو الفقار دوغان “إنه فيما يسعى الأتراك بشكل متزايد للسفر إلى الخارج، يتراجع اهتمام الأجانب بتركيا بشكل سريع”. ورغم أنّ الحكومة قرّرت تقديم الجنسيّة إلى الأجانب الذين يشترون عقارات تبلغ قيمتها مليون دولار على الأقلّ، فإنّ عدد عمليّات الشراء السكنيّة من قبل الأجانب تراجع بشكل ملحوظ مسجّلا انخفاضا بنسبة 20.3 بالمئة في العام 2016. ولا تزال هذه الموجة مستمرّة اليوم.

6