الأثر النفسي لظاهرة المحال المطلية بالأعلام السورية

السبت 2014/08/09

تعرض الشعب السوري من قبل النظام في محاولة منه لقمع الاحتجاجات لثلاثة أساليب اعتمدها النظام وما زال يعتمدها، أولها كان الاعتقالات والقنص والإهانات اللفظية الجارحة، ثانيها بدأ منذ تشكل عدد من كتائب الجيش الحر تمثل في قصف وحصار مدن وبلدات تواجد هذه الكتائب مما أدى إلى تشريد أغلب سكان هذه المناطق، أما الأسلوب الثالث، والذي كان يعمل بالتزامن مع الأسلوبين آنفي الذكر، فهو أسلوب ارتكز النظام في تطبيقه على الأثر النفسي والذي لم يقل أثرا عن باقي الأساليب، وكانت أولى أدواته الإعلام الرسمي والخاص التابع للنظام معتمدا على قاعدة نفسية تقول “اكذب اكذب حتى تصدق” سواء في نشرات الأخبار أو في البرامج السياسية التحليلية لما يجري أو الخطابات الرسمية، ومفردات هذا الإعلام ثابتة لا تتغير منذ اندلاع الثورة وإلى الآن وهي “مؤامرة، مجموعات مسلحة، مجموعات تكفيرية، قواتنا الباسلة، قنوات سفك الدم السوري، تحريض إعلامي الخ…”، مرسخا بذلك تلك المفردات في القاموس اليومي للمواطن السوري بواسطة التكرار على مدار ثلاث سنوات.

وقد نال هذا الإعلام اهتماما كبيرا من النظام كونه المصدر الأول لما يريد نشره وإشاعته بين الناس في تغطية الأحداث ولكن على طريقته إلى ما ذلك من تكذيب للحقائق، وما أكثر ما عرض على هذا الإعلام ودل على ذلك منها ما كان يعده من تقارير حول مخيم اليرموك، وأن المسلحين هم من يقومون بحصار وتجويع أهل المخيم، في حين أن القاصي والداني يعرف من هو صاحب هذا الحصار والذي يعد من أقسى الحصارات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ تاريخ نكبته، وقد قام بشار الأسد بزيارة مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون منذ عامين مخاطبا موظفي المبنى: “جئت أراقب التطور الذي وصل إليه الإعلام الرسمي، هجمة إعلامية الخ…. هم يحاربوننا في الفضاء ونحن نحاربهم على الأرض ولكنّ سننتصر عليهم في الأرض والفضاء”.

وثاني أدوات هذا الأسلوب هو بث ظواهر أذاها يعتمد النفس بحواسها البصرية والسمعية، كالحواجز التي انتشرت بكثرة في العاصمة دمشق وبجانب كل حاجز يافطة كتب عليها (نأسف لتأخيركم، ولكن واجبنا حمايتكم، حريتنا الأسد الخ).

ومنذ فترة ليست ببعيدة ولدت ظاهرة تمارس ذات الأذى النفسي وهي صدور أمر من النظام بطلاء جميع أبواب وواجهات المحال في دمشق بألوان العلم السوري “الأحمر، الأبيض، الأسود مع نجمتيه الخضراين”، وبتحليل تأثير هذه الظاهرة من الناحية العلمية يمكنك تصور الدور الذي تلعبه في عملية الحرب النفسية الممارسة من قبل النظام، بأنك وأنت تسير في أي منطقة في دمشق سوف ترى هذه العلم 420 مرة في الدقيقة، وذلك أن العين تشاهد سبع صور في الثانية الواحدة مضروبة في ستين ثانية عدد الدقيقة يكون الناتج 420 صورة، الأمر الذي يؤدي إلى ترسيخ صورة هذا العلم بألوانه ونجمتيه في الذاكرة الواعية واللاواعية، ويتبع القرار بأنك سوف تعاقب في حال لم تقم بالطلاء. هذا بالإضافة إلى دفع تكلفة الطلاء من قبل أصحاب المحال، وقد خصص أحيانا عدد من العساكر ليقوموا بعملية الطلاء.

وهذه آخر عملية اغتصاب للنظر مارسها النظام، فتخيل نفسك وأنت تسير في سوق عريق كسوق “القبابية” بأبوابه الدمشقية الأصيلة التي تواجه جدران الجامع الأموي، وقد طليت بألوان علم ذلك النظام، أو هل يمكن تخيل بشاعة الموقف بأن من يقوم بطلاء واجهة محله قد ذهب بيته قصفا وقضى ولده شهيدا، أو أن ترى المحال تدهن قرب منطقة تقصف من قبل من يمثلهم ذلك العلم.

هذه الطريقة التي حاول النظام إبرازها على أنها مبادرة عفوية من أصحاب المحال أنفسهم، رغم أنها بطيئة التأثير ولكنها شديدة على النفس، لأنها تقوم على التكرار فتتحول إلى عادة وإن كانت فاقدة للمعنى أي صورية، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون منذ مئات القرون عندما كان يتحدث عن العلاقة بين المجتمع ونفسيات أفراده “والنفس إذا ألفت شيئا أصبح من طبيعتها وجبلّتها”.


كاتب فلسطيني

9