الأثر والمذبحة

الأربعاء 2015/08/26

حين فصل إرهابيو دولة البغدادي رأس العالم الأثري خالد الأسعد ووضعوه بعناية على حافة الرصيف بين قدميه المتدليتين من الجثة المصلوبة، أنزلوه حيث يعتقدون أنه الوضع الطبيعي للرأس، وكأنهم كانوا بصدد تشكيل لوحة مرعبة ترمز إلى ذهنيتهم المحقرة للعقل والمزرية فكرا وبصيرة، فالانتماء إلى مجتمع التسلط الديني يفترض التصرف في الجسم الأخرس المطهر من الدماغ، ذاك الذي يدين بطاعة عمياء لمشيئة الإمام المهدي، الذي يصدر الأحكام، ويأمر فيُطاع.

قتل خالد الأسعد بين آثار مملكة تدمر، لأنه رفض إفشاء أسرار التحف الخبيئة، شأنه شأن سلفه سنمار الذي امتنع عن كشف خبايا هندسة قصر “الخورنق”، للملك اللخمي النعمان بن امرؤ القيس بن عمرو، قبل قرون عديدة. وكأنما الأثر الملوكي يحتفظ لمالك معارفه بمذبحة أثيرة تخلد ذكره، لهذا ربما اجتبت القصور والقصبات والأسوار الخالدة حكايات عن مذابح مثيرة تلتحم بمجدها، لم تكن قلعة صلاح الدين بالقاهرة وحيدة في هذا الصدد حين احتضنت “مذبحة المماليك”، ولا قصور “فرساي” و”سان بطرسبورغ”، حين روعت بمذابح الملوك والنبلاء…

لكن مقتل “خالد الأسعد” المفعم بالضغينة والانحطاط والخروج الحضاري، يبدو أكثر التحاما بمذبحة بني سراج في قصر الحمراء التي التبست بفناء بديع احتضن مجدها ونكبتها في القصر المنيف، بقدر التباسها بالسقوط الحضاري الكبير لدولة الإسلام بأوروبا. المذبحة التي خلدتها لوحة الرسام: ماريانو فورتوني، أحد أبرز الرومانسيين بإسبانيا في القرن التاسع عشر، والمعروضة بالمتحف الوطني للفن الكطلاني في برشلونة.

تصوّر اللوحة الواقعة التي سكنت الخيال الشعبي الإسباني بما تضمنته من أساطير جعلت تمثيلاتها تنتشر في حقلي الآداب والفنون على حدّ سواء، بيد أن ما يميز عمل ماريانو فورتوني عن سابقيه، ممن تناولوا المذبحة، أنه تخلص إلى حدّ كبير من تلك المستنسخات المسكوكة حيث يظهر عبد أسود وفي يده سيف يقطر دما، في إحدى غرف قصر الحمراء بجوار جثة مفصولة الرأس، تذكر بصورة خالد الأسعد التدمري، لقد اختار فورتوني التركيز على البعد الشبحي للجثث المتناثرة غير واضحة الملامح، تغوص تقاسيمها في الهيئة العامة للجسد المبهم، وأحيانا لا نكاد نتعرف على بعض الأكوام في فضاء اللوحة، التشويش القصدي يوحي بالجريمة المفزعة وينقلها من حيز الواقعي إلى الأسطوري، وتكثف ظلال ذلك الكنه الشبحي الغموض المكتنف للزخارف في الجدران والأقواس العتيقة، التي تطل من أحدها مجموعة من الدوائر التي تشبه الرؤوس، ولا نستطيع التمييز هل يتعلق الأمر بأموات أم أحياء يتلصصون على الجريمة، وفي جوار أحد الأعمدة يقف رجل ملتبس، كتلة حسية متداخلة الأعضاء، وكأن رأسه مدفون بين قدميه.

كاتب من المغرب

15