الأثيني الذي ارتبطت به الفلسفة حتى صار كل متفلسف أفلاطونا

مصطفى النشار يصدر كتابا جديدا يبحث في مثالية الفيلسوف الأثيني، وأفلاطون صاحب أول مذهب متكامل في تاريخ الفلسفة.
الاثنين 2018/08/20
مدرسة أثينا للفنان الإيطالي رفائيل
لا تذكر الفلسفة إلا مقرونة باسم أفلاطون، فهو الاسم الأشهر، ومن خلاله دلف العالم إلى دنيا الفلسفة. ولم تتوقف هذه الشخصية اليونانية القديمة عن إثارة إعجاب الباحثين والفلاسفة في العالم، ولم يتوقف العقل الفلسفي عن الإنشغال بها وبمنجزاتها، وكذلك الحال بالنسبة إلى العقل المؤرخ، فالانشغال بأفلاطون يعني الإنشغال بالفلسفة اليونانية وفتوحاتها الباهرة المبكرة.

 يقرأ هذا الكتاب “أفلاطون رائد المثالية” للمفكر والأكاديمي مصطفى النشار فلسفة أفلاطون فيلسوف الفلاسفة، رائد المثالية، صاحب أول مذهب فلسفي متكامل في تاريخ الفلسفة، وأول مَن وضع معنى الفلسفة بأنها علم الحوار العقلي الذي يستهدف الوصــول إلى الحقيقة، وهو أول من وضع للفلسفة منهجهـا باعتبارها علـم الحــوار، وكان أول من طبّق هذا المنهج في فلسـفته، حيث كتب كل فلسفته في هيئة محاورات وناقش في هذه المحاورات أفكار الفلاسفة سواء كانوا من السابقين عليه أو من المعاصرين له.

والكتاب يأتي ضمن سلسلة “أعلام الفلسفة في الشرق والغرب” التي أطلقتها مكتبة الدار العربية للكتاب، يحلّل فيه النشار منهج وفلسفة أفلاطون مجيبا عن تساؤلات منها مَن هو أفلاطون؟ وما طريقته في الكتابة الفلسـفية؟ وما هي تلك الآراء الجديدة التي خرج على البشرية بها فجعلت منه فيلسوف الفلاسـفة ورائد المثالية عبر تاريخ الفلسفة؟ حيث يرى أن أفلاطون نجح بمنهج الحوار هــذا في تقديم مذهب فلسفي مفتوح يقبل الرأي والرأي الآخــر، حيث جاءت كل محاوراتـه بنهايات مفتوحة يرد فيهـا رأي أفلاطـون كأحد الآراء الموجودة في تلك المحاورة أو تلك من محاوراته على لسـان أستاذه سقراط في مواجهة الآراء الأخرى الواردة على لسان أصحابها.

ويشير النشار إلى أن معظــم المؤرخيــن ينظرون إلى أفلاطـون باعتباره الأصل الذي استند عليـه كل تاريخ الفلسفة اللاحق لدرجة أن وايتهيد -وهو أحد كبار الفلاسـفة المعاصرين- يعتبر أن تاريخ الفلسفة كله هوامش على أفلاطون، وهذا الكلام صحيح إلى حد بعيد، حيث أن أفلاطون وتلميذه أرسطو قد اقتسما التأثير على تاريخ الفلسفة اللاحق، وبما أن أرسطو ظل تلميذا لأفلاطون حوالي عشرين عاما كاملة حتى بلغ حوالي الأربعين من عمره، فهو بلا شـــك كان ممن تأثروا به تأثرا كبيرا، رغم أنه كان من العبقرية بحيث نجح فـي الخروج على مذهب أستاذه وتقديــم مذهبـه الجديد الـذي تميّز بنزعــة واقعية على عكس مذهب أستاذه الــذي تميز بنزعـة مثالية ارتبطت به على مـر عصور الفلسفة، إن كل الفلاسـفة اللاحقين عليهما إما تأثروا بمذهب أفلاطون المثالي وإما بمذهب تلميذه أرسطو في نزعته الواقعية.

ويلفت المؤلف إلى أن أروع ما نجده عند أفلاطون هو رؤيته المثالية للوجود وعلى رأسه ذلك التمييز بين العالم المعقول، وهو عالم الحقائق المفارقة والعالم المحسوس وهـو عالم الظلال الذي نعيش فيه ونتصور خطأ من وجهة نظر أفلاطون أنه عالم الوجود الحقيقي، تلك الرؤية التي فسّر من خلالها كل شيء وحلّ من خلالهـا كل المشكلات التي تبلورت أمامه ولا تزال تواجه الإنسان في كل زمان ومكان.

يؤكد المؤلف أن معظــم المؤرخيــن ينظرون إلى أفلاطـون باعتباره الأصل الذي استند عليـه كل تاريخ الفلسفة اللاحق

 ولعل أبرز ما اشتهر به أفلاطون هو رؤيته الخاصة بدولة المدينة المثالية الفاضلة التي بناها على تصوره الخاص للعدالة التي تعطي لكل واحد مـن أفراد الدولـة الحق في التربيــة والتعليم، كما تلزم الدولة بأن يعين الفرد فــي الوظيفة التي أهّلته لها بحكم طبقته والمرحلة التعليمية التي وصل إليها، وهي الدولة التي اعتبر أفلاطون أن الحكماء الفلاسـفة هم فقط من يصلحون لحكمها على اعتبار أنهم من نجحوا في اجتياز كل المراحل التعليمية الشاقة من الطفولة حتى سن الخمسين، وهم بالتالي من يستطيعون ‏تطبيق مثال العدالة في الدولـة بنزاهة وموضوعية، ولعل هذا الرأي لأفلاطون هـو ما جلب عليه الكثير من الانتقادات التي اتهمته بأنه غارق في المثالية.

ويرى النشار أن معظم تساؤلات قراء مؤلفات أفلاطون على وجه الخصوص تدور حول أسئلة ثلاثة هي: لماذا اتبع أفلاطون طريقة المحاورة في كتاباته الفلسفية؟ وكيف يمكـن تصنيف هـذه المحاورات وترتيبها بحيث نتمكن من معرفـة كيف تطور فكره من ناحية، ونتمكن مـن تمييز ما كتبه مــن محاورات تخليدا لذكرى أستاذه سقراط عمّا كتبه ليُعبر عن فلسفته هو من ناحية أخرى؟ فضلا عن التساؤل الذي سبقت الإشارة إليه، وهو كيف نتعرف على ما كتبه هو وصحيح النسبة إليه، وما كتبه غيره ونُسب خطأ إليه؟

ويقول “أما بالنسبة للسؤال الأول الخاص بالأسباب التي دعت أفلاطون إلى اتباع طريقة الحوار في الكتابة، فبوسعنا أن نؤكد أنه قد ابتدع هذه الطريقة في الكتابة الفلسفية لأول مرة، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة منها: أولها أنه أراد فـي البداية أن يخلد ذكرى أستاذه سقراط بطريقة حيّة، فبدأ بتصويره وهو يقوم بمهمته التي اختارها لنفسه، وهي مناقشة المدعين للعلم والمعرفة، وقد كان اتباع أسلوب الحوار هو الطريقة الطبيعية للتعبير عن تلك الحركة السقراطية التي كانت تعتمد على المحادثة في بحثها عن المعرفة. والثاني أن هذه الطريقة في الكتابة الحوارية التي تصور الأشخاص الحقيقيين يتجادلون فـي موضوع مـا وكل منهم يعرض رأيه الخاص ويدافع عنه، قد أعجبت أفلاطون في مرحلة لاحقة واقتنع بأنها هي الطريقة المُثلى للكتابة في الفلسفة، حيث أنها تتسق مع رأيه القائل بأن الفلسفة ما هي إلا الحوار الدائم الذي يستهدف الوصول إلـى الحقيقة، ومن ثم فقد أراد أن يرسّخ مفهومه للفلسفة من خلال هذه الطريقة الحوارية في الكتابة. والثالث أن أفلاطون قد وجد في هذه الطريقة في الكتابة، الطريقة الوحيدة التي قد تدفع أذهان تلاميذه إلى التفكير العميق في ما يقرأون. كما كانت تدفعهم نفس الطريقة التي استخدمها في تدريسه بالأكاديمية إلى التفكير العميق في ما يسمعون”.

ويوضح “إذا وجد التلميذ أن هذه هي طريقة الأستاذ سواء في التدريس أو في الكتابة فإنه بلا شك يصبح مضطرا إلى التحاور مع ما يقرأ ومع ما يسمع، وهـذا هـو الطريق الأمثل لكي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة بنفسه، ومن وجهة نظره التي ربما قد تختلف عن كل ما قرأ”.

تحليل النشار في منهج وفلسفة أفلاطون
تحليل النشار في منهج وفلسفة أفلاطون

ويؤكد المؤلف أن طريقة الحوار التي كتب بها أفلاطون في اعتقادي هي الطريقة الوحيدة التي قد يتعلم منها القارئ العادي كيفية التفكير العقلي في أي مشكلة من المشكلات، أي يتعلم كيفية بلورة المشكلة عبر تساؤلات محددة، وكيفية الوصول إلى رأي أو آراء متعددة لحل هذه المشكلة، إنه يتعلم ببساطة، كيفية التفلسـف! وهـذا بالضبط ما كان يهدف إليه أفلاطون حينما استقر رأيه على اتباع منهج الحوار في الكتابات الفلسفية.

ويضيف أنه إذا كانت العدالة عند أفلاطون هي كمال النفس، فهي أيضا في رأيه كمال الدولة، وإذا كانت النفس التي تحسن أداء وظيفتها هي النفس العادلة، فكذلك تكمن العدالة في الدولة التي يقوم كل فرد فيها بأداء وظيفته على الوجه الأكمل، وكذلك تقوم كل طبقة من طبقاتها بوظيفتها على خير وجه.

ويرى النشار أن القارئ للكتاب الثاني من”الجمهورية” يرى بوضوح تلك الموازنة الدقيقة التي يقيمها أفلاطون بين الدولة والفرد، والتي يعرّف من خلالها العدالة بأنها قيام كل فرد بوظيفته على الوجه الأكمل في الوقت الذي تحافظ له الدولة على هذه الوظيفة بحسب المواهب والمؤهلات الطبيعية الكامنة فيه.

وها هو في الكتاب الرابع يؤكد هذا التعريف حينما يقـول “إن على كل فرد أن يؤدي وظيفة واحدة في المجتمع، هي التي وهبته الطبيعة خير قدرة على أدائها، فمن العدل أن ينصرف المرء إلى شؤونه دون أن يتدخل في شؤون غيره. إن من شأن ذلك أن تتحقق العدالة في الدولة نظرا لأن أعظم أسباب كمال الدولة، هو تلك الفضيلة التي تجعل كلا من الأطفال والنساء والعبيد والأحرار والصناع والحاكمين والمحكومين يؤدي عمله دون أن يتدخل في عمل غيره”. ومـن ثم فإن المجتمع يفرض على كل فرد أن يســهـم في كمال المدينة بأن يؤدي عمله على أحسن وجه ودون أن يتدخل في عمل غيره.

وإذا ما تساءلنا عن الأسباب التي دعت أفلاطون إلى تقديم تعريفه السابق للعدالة مقترنا بفكرة الوظيفة، فإن إجابته تكمن في تحليله البديع لأصل تكوّن الدولة ونشأة المجتمع السياسي.

فالدولة تنشأ في رأيه “من عجز الفرد عن الاكتفاء بذاته وحاجته إلى أشياء لا حصر لها”. ولما كانت حاجات الفرد عديدة وهو لا يستطيع القيام بها وحده، فهو إذن في حاجة إلى مساعدة من الآخرين، وكذلك فإن الآخرين في حاجة إلى مساعدته. ولذلك كان لا بد أن يتجمّع هؤلاء ليحققوا حاجاتهم المشتركة وعندما يتجمع أولئك الشركاء الذين يساعد بعضهم بعضا في إقليم واحد نسمّي مجموع السكان دولة.

14