"الأجناس الأدبية" كتاب يتقصّى تاريخ السرد لتحديد معالم النص وعتباته

الثلاثاء 2015/01/20
ستالوني: علامة التجنيس هي إشارة فوق نصية من المؤلف يحدد فيها طبيعة التلقي

دمشق – أصدرت المنظمة العربية للترجمة كتاباً بعنوان “الأجناس الأدبيّة”، من تأليف إيف ستالوني وترجمة محمد الزكراوي. يحاول الكتاب سبر تاريخ الأجناس الأدبية وخصائصها ومناقشة أنواع النصوص التي ظهرت مع بداية القرن العشرين.

لا يمكن إهمال نوع الكتاب أو النص الذي نقرأه قبل الشروع في قراءته، فالعنوان ونوع النص (رواية، ملحمة، شعر، قصة قصيرة) هما وسيلتان لضبط النص من جهة وتحديد علاقتنا معه من جهة أخرى وينسحب هذا الكلام على المؤلف أيضاً في تحديد الجنس الأدبي الذي يهدف إلى محاكاته، فتحديد أنواع النصوص بقي هاجساً يلاحق النقّاد والأدباء على حد سواء في سبيل التأسيس لتاريخ السرد، وإيجاد علامات مفتاحيّة قادرة على فرز النصوص وتأصيلها في محاولة لدراسة تطورها من جهة، وأساليب تلقيها ومحاكمتها من جهة أخرى.


مفهوم الجنس الأدبي


يرتبط مفهوم الجنس الأدبي بالعتبة النصية التي تحدد طبيعة الخطاب الذي يحويه النص وآلية قراءته وتلقيه، مثل (رواية، مسرح، ديوان شعر)، بالإضافة إلى الأجناس الفرعية المرتبطة بها مثل (رواية – سيرة ذاتية)، و(مسرحية- كوميديا، تراجيديا)، هذه العلامات تحدد آلية بناء النصوص من قبل الكاتب وآلية محاكمتها من قبل القارئ/ الناقد.

ويرتبط ذلك بعمليات تأصيل النصوص والنماذج الموضوعة التي تحدد طبيعة كل نص كالنموذج الإغريقي للمسرحية والملحمة المتمثل في أرسطو وكتابه “فن الشعر-poetics” الذي يعتبر الأول من نوعه حيث يحدد الضوابط التي تحكم الجنسين السابقين وأهدافهما وقواعدهما الجمالية.

ترتبط علامة التجنيس بمفهوم الشعرية ارتبطا وثيقا، فتحديد طبيعة النص يحدد العلاقات البنيوية التي تكونه وتحدد قيمه الجمالية والشعرية الناتجة عن العلاقات ضمن البنية ومع السياق التاريخي، فعلامة التجنيس تختزن في داخلها تراثا سرديا وشعريا لتصنيف النصوص وأشكالها.

عمليات التمرد على الجنس الأدبي بدأت مع بدايات الرومانسية ولكنها أخذت شكلها الأدق مع السوريالية

فكلمة “رواية” تستحضر تاريخ السرد الروائي والمعالم الشعرية التي ميزت كل مرحلة من تطور السرد باعتبار علامة التجنيس مرتبطة أيضا بكم النصوص التي تحملها، وبالتالي نجد أنفسنا نقف أمام ضوابط نقدية يضلع بها أولئك العاملون في المجال الأدبي، لنيل الاعتراف على أعمالهم.

التجنيس الأدبي يخاطب المتلقي ويحدد آلية إنتاجه للمعنى أثناء عملية القراءة، فعلامة التجنيس هي إشارة فوق نصية من المؤلف يحدد فيها طبيعة التلقي قبل أن “يموت“ ويترك المجال للقارئ، هي الدليل الأول للقراءة، وتختزن داخلها الجماليات التي يتوخى القارئ البحث عنها.

ويقتبس ستالوني قول الناقد أمبرتو إيكو: “لا يمكن وصف بنية فنية إلا بتأويلها، وكل إفادة عن بنية الرسالة هي محاولة لتأويلها”، فعندما يصف الجنس النص يكون ذلك مقدمة لفهمه، واستدعاءً لحساسية القارئ تجاه النص، كذلك ضبط عملية التخييّل وأسلوب سرد الحكاية الذي يختاره المؤلف من جهة وعلى القارئ توخيه من جهة أخرى.

ضمن كل جنس أدبي رئيسي “مسرح، ملحمة، شعر” تنشأ الأجناس الفرعية التي يصعب ضبطها، وتشكل كل منها حساسية جديدة للقراءة وتفترض مفاهيم جمالية جديدة، فمسرحية السيد (le Cid) لكورني مجنّسة بوصفها ”تراجو-كوميديا” ومسرحية “نهدا تريزياس” لغليوم أبولونير تجنس بوصفها “دراما سوريالية”، وكلاهما تخالف النماذج الكلاسيكية لأرسطو ولبوالو.

وينسحب الأمر على الرواية لنجد أجناسا فرعية كالخرافة (fable)، ورواية التراسل والمذكرات، كل هذه الأساليب الفرعية ترتبط بأسلوب القص، وطريقة سرد الحكاية، ويتناول الكتاب أيضا الخصائص الجمالية التي تميز كلا من المسرح والشعر، ويتطرق إلى وظيفة اللغة الشعرية والتواصلية وكيف تختلف هذه الوظيفة بين الأجناس المختلفة بالاعتماد على تنظيرات رومان جاكبسون عن الشعرية واللغة بوصفها حاملة للمعنى في سبيل إيصال الرسالة.

علامة التجنيس ترتبط بمفهوم الشعرية ارتبطا وثيقا


الفوضى والشك


بدأت عمليات التمرد بصورة واضحة على الجنس الأدبي وعلى الموضوعات الأدبية مع بدايات الرومانسية ولكنها أخذت شكلها الأدق مع السوريالية والدادائية والحركات المستقبلية التي رفضت التجنيس، وأدخلت علامات تجنيس جديدة.

كما اتسع مفهوم النص وأصبحت عملية التجنيس أوسع وأعقد وامتدت هذه الثورات ضد أنظمة التقنين الأدبي هذه حتى نصل إلى عالم ما بعد الحداثة وتداخل الأجناس الأدبية وظهور ما يعرف بـ”عبور الجنس الأدبي” trans-genre، حيث يستفيد كل نوع أدبي من تقنيات النوع الآخر، سواء في النصوص الروائية والشعرية والمسرحية أو في العروض البصرية، كما تدخلت أيضاً التقنية الحديثة لفرض أنواع جديدة، كالقصيدة الرقمية، والمسرحية المصوّرة سينمائيا، هذه الظاهرة ما زالت في اتساع لتجعل النقاد في حيرة في محاولة لتحديد الجنس الأدبي ومعايير أدبيته وجمالياته.

يتناول الكتاب التجربة الأدبية في العالم الغربي، لكن لابد لنا من الحديث عن العالم العربي الذي عرف الأجناس الأدبية وقد كان التقسيم الأساسي يتناول الشعر والنثر إلى أن جاء النص القرآني بوصفه ثورة في هذا المجال لخروجه عن هذين التصنيفين، إلا أن أدب الرحلات ومؤلفات النثر كانت معروفة لاحقاً والمنظرون وفقهاء اللغة كعبد القاهر الجرجاني والثعالبي أسسوا لشعرية كل جنس أدبي وحددوا معالمها. إلا أن الأجناس الأدبية الجديدة دخلت الثقافة العربية من الغرب، كالرواية والمسرح اللذين ما زالا يحاولان إيجاد جماليات مرتبطة بالخصوصية العربية وبعيدة عن النموذج الغربي عبر محاولات التأصيل أو التأليف والإبداع، وتعتبر قصيدة النثر من أهم الأجناس العربية التي تم التأسيس لها بالرغم من أنها وليدة الغرب، وجهود الشعراء من الرواد في مطلع القرن العشرين كانت هائلة في سبيل إيصال صوت هذا الجنس الأدبي الجديد.

وحاليا ما زالت الثقافة العربية تجرب في هذا المجال لنقف أمام أجناس أدبية جديدة وأشكال جديدة كل منها يحاول تحديد جماليات جديدة على صعيد الشكل والمضمون، مثل ” الكتاب” لأدونيس، أو “بر-حيرة- بحر” لراجي بطحيش المجنس بـ”بورترية منثور” وغيرهما من المحاولات على الأصعدة الأدبيّة المختلفة.

14