الأجنحة المنسية: ما يضيع في الترجمة

الأحد 2014/09/28

إذا كان الشعر هو ما يضيع في الترجمة، على حدّ قول الشاعر الأميركي الشهير روبرت فروست، فإنّ الترجمة المثلى للشّعر هي تلك التي تضيع فيه: تستحوذ عليه، وتتغلغل في أعماق أعماقه، فلا يظلّ من النص الأصلي إلاّ مقدار ما يبقى من الترجمة فيه. هنا، تصبح الترجمة، في حدّ ذاتها، نصا أصليا، فلا يشعر القارئ، الذي تتوجّه إليه الترجمة أصلًا، بأنه أمام نص أجنبيّ/غريب، بل واحد كتب بلسانه هو.

وبما أنّ الشعر، في العصر الحديث، لم يعُد هو “الكلام الموزون المقفّى”، بل أصبحت سمته الأساسيّة أقرب إلى التعريف الخلدونيّ منها إلى أي تعريف بلاغي آخر، فإنّ شعرية الترجمة لا تتحقق إلّا على يد الشاعر-المترجم (أو المترجم-الشاعر)؛ فهو الأقدر، بالنسبة إليّ، على تحقيق “درجة التوازن” تلك، بين “التكرار والابتكار والتقليد والإبداع”، لكتابة نص أصلي يكون “ترجمة للنص الغائب أو المجهول”، على حدّ قول أكتافيو باث.

فهو لا يبحث عن النّظير (فالنظير هو المِثْل والسّواء والشِّبْه في كل شيء)، بل عن المتماهي (المتقمِّص، والمستلِب، والمتوحّد)؛ وعن المتحوّل؛ والمتجاوِز؛ والعابر بإشراقاته (في جسد النص، وفي روحه أيضًا)، وليس عن العابر الزائل والثابت الذي لا يتبدّل.

عليه أن “يحرث الكلمة”، وأن يشعر بأنّ “اليقظة حلم آخر” في “أبدية خضراء”، وأن يحلّق بين “ظل” القصيدة و”فضائها” مرتعشًا، متناثرًا، لا رياش عليه إلاّ “شرنقات” الفراشة الملكة. وعليه، أيضًا، أن يثابر بين “الوضوح” و”الخرَس”، كرصيعة قديمة تحدق في “نهر الوقت والماء”. وأن يرتعد من الحمّى التي نفرت في روح شبيهه/الآخر، وعن “الأجنحة المنسية” التي رفّت، سكرانة، أعمقَ، في العتمة، وأعلى، في العزلة.

فالترجمة المثلى، في نهاية المطاف، هي “الاستحالة”، كما يصفها الشاعر كيمون فرايار، أحد أعظم من نقل الشعر اليونانيّ إلى الإنكليزية. فهي، إذن: تغيير في الجوهر، وتحويله إلى آخر؛ إزاحة، أو نقل إلى عالم لا يموت فيه النص الأصلي إلاّ بمقدار ما تحيا الترجمة فيه.

كما أنّها، بالتأكيد، ليست انتهاكًا فحسب. وليست تغييرًا في المكان، أو انبثاثًا (الانتشار من مكان إلى آخر)، أو تخلُّصًا (الانتقال من موضوعة إلى أخرى)، أو ترجمة حرفية؛ وليست استعارة أو استنساخًا أو ميتافيزيقيا فحسب، بل هي، في النهاية، تحوُّل/ميتامورفوزيس، ومِن ثَمّة، في آخر الأمر، تعايشًا/ميتابويزيس: علاقة بين متعضّيين اثنين، لا يستطيع أحدهما النّماء، ببذخ/ إلّا بعد أن يكون الآخر قد سبقه، وهيّأ البيئة الملائمة له.

وإذ يستعير فْريار مقولته عن “الاستحالة” من اللّاهوت المسيحي (مَن يأكل جسدي ويشرب دمي يَثْبُتْ فيَّ وأنا فيه)، فإنّه لا يختلف عمّا ذهب إليه الشاعر الأميركي تشارلز سيميك، حين يقول إنّه إن لم يجعل نفسه تعتقد بأنّه هو الذي يكتب القصيدة التي يترجمها، فلن تسعفه أيّ درجة إعجاب جماليّة بالعمل إلى إبداع أيّ شيء؛ ومع ما ذهب إليه طه حسين في مقدمته للترجمة التي أنجزها أحمد حسن الزيات لعمل جيته، آلام فرتر، إلى ضرورة أن “يشعر المترجم بما شعر به المؤلف، وأن تأخذ حواسه وملكاته من التأثير والانفعال نفس الصورة التي أخذتها حواس المؤلف وملكاته إن صحّ التعبير. وأن يحاول الإعراب عن هذه الصورة والإفصاح عن دقائقها وخفاياها بأشدّ الألفاظ تمثيلًا لها وأوضحها دلالة عليها”. وهو أيضًا ما دفع بالشاعر الأميركي كينيث ريكسروث إلى القول إنّ ترجمة ويتر باينر لقصيدة يوان تشن، والتي يرثي فيها زوجته، “واحدة من أفضل القصائد الأميركيّة”، بل “هي أفضل القصائد التي كتبها باينر بنفسه”، لأنها “تنقل شعورًا غامرًا بالتماهي مع حالة المؤلف الأصليّ”.


شاعر ومترجم من الأردن

11