الأجهزة الذكية تسرق الأطفال من لعبهم التقليدية

إغلاق تويز "آر" يو أس ضربة لسوق لعب الأطفال، ومتاجر لعب الأطفال تخوض معركة البقاء في عصر الألعاب الإلكترونية.
الجمعة 2018/03/16
تشبث باللعب التقليدية

تشهد سوق لعب الأطفال التقليدية تراجعا من حيث الإقبال، مقارنة بالسنوات الماضية، ومن بين أسباب هذا التراجع انتشار أجهزة الألعاب الإلكترونية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة الأطفال بمختلف أعمارهم، بالإضافة إلى انتشار أسواق بيع وشراء الألعاب عبر الإنترنت، وغلاء أجهزة الألعاب الأصلية مقارنة بالأجهزة المقلدة، مما أدى إلى تراجع سوق مبيعاتها بنسبة كبيرة.

وأعلنت سلسلة متاجر الألعاب الأميركية  تويز “آر” يو أس في بيان عن نيتها تصفية فروعها الـ735 في الولايات المتحدة. وتنوي المجموعة التي تواجه صعوبات مالية جمّة إعادة تنظيم أنشطتها في كندا وآسيا وألمانيا والنمسا وسويسرا وتدرس مشاريع بيعها.

ويمثل إغلاق تويز "آر" يو أس وبيبيز"آر" يو أس ضربة لأجيال من المستهلكين والمئات من صانعي لعب الأطفال الذين باعوا منتجاتهم في فروع السلسلة بالولايات المتحدة مثل شركة ماتيل منتجة الدمية باربى وشركة ليغو.

وتواجه منتجات الأطفال في السوق العالمية منافسة منقطعة النظير من مواقع الألعاب الرقمية التي تتم ممارستها عبر الإنترنت، وتخوض شركة ليغو الدنماركية الشهيرة معركة كبيرة للبقاء في عصر الألعاب الإلكترونية من خلال إنشاء منصة رقمية بهدف أن تكون جزءا من الأشياء التي يقضي معها الأطفال يومهم.

وقال توربيورن سوانستروم، المحامي الدنماركي المتخصص في قضايا حقوق الملكية الفكرية “نحن نتنافس على شغل وقت الأطفال، فهم إما أن يلعبوا بلعب الأطفال التقليدية وإما باستخدام الأجهزة الرقمية".

 

تحتل الألعاب اليدوية حيزا هاما في حياة كل طفل، إلا أن سوق لعب الأطفال باتت تشهد ركودا نظرا لانخفاض الطلب، مما أدّى بكبار الشركات المتخصصة في هذا المجال إلى الإعلان عن إفلاسها. فماذا حدث لسوق لعب الأطفال؟ وهل تغير مزاج الأطفال أم تغيرت السوق أم السلع؟

 وأدركت شركة ليغو التغيير الذي تشهده سوق لعب الأطفال، وبدأت الاستثمار في إطلاق منصة رقمية تتيح للأطفال تنزيل تصميمات الأشكال التي يمكن تكوينها باستخدام مكعبات ليغو وتبادل صور التصميمات والنماذج مع بعضهم عبر هذه المنصة.

وأكد مختصون أنه من بين أسباب تراجع مبيعات الألعاب التقليدية تحول مجموعة كبيرة من الأطفال من مختلف الأعمار من الألعاب اليدوية إلى الألعاب الإلكترونية مبكرا نسبيا مع تقدم صناعة الألعاب الإلكترونية، بالإضافة إلى سهولة الحصول على أشياء تجذب اهتمام الطفل بصريا عبر التلفزيون والآيباد والهواتف الذكية.

ويرى عبدالجليل معالي كاتب وصحافي من تونس أنه على الرغم من التغيرات الكبيرة التي طالت سوق لعب الأطفال، والتي أفضت إلى انتصار الألعاب الإلكترونية، على حساب اللعب التقليدية، إلا أن الكثير من العائلات مازالت تحرص على التشبث باللعب التقليدية لأسباب متداخلة.

وأوضح لـ”العرب” أن السبب الأول يتمثل في أن اللعب التقليدية تنمّي مدارك الطفل وتتيحُ له التعلم التدريجي (من خلال التعامل الحقيقي مع الأبعاد والأحجام والألوان) وتسمح له،  بتملك المدارك التي تمتن علاقته بالعالم.

 أما السبب الثاني فهو متصل بالآثار السلبية للعب الإلكترونية، وهي آثار أثبتتها التجارب والدراسات العلمية والطبية، التي توصلت -مثلا- إلى إثبات الصلة الوطيدة بين شيوع أمراض التوحد وبين الإدمان على الألعاب الافتراضية.

وأشار إلى أن القاعدة التربوية والتعليمية التي تقول إن الطفل يتعلم أثناء اللعب، مازالت سارية المفعول ومازالت تمثل دليلا على أهمية اللعبة بالنسبة للطفل، سواء في بناء عالمه الخاص من خلال العلاقة الحميمة مع اللعبة، أو عبر الفوائد التربوية المثبتة في التعلم وتنمية المدارك.

 كما أضاف أن اللعبة هي تمرين الطفل الأول في التعلم وفي الحياة وفي التواصل، أما اللعب الإلكترونية فتمثل هجرة بالطفل من عالم يتواصل من خلاله مع الآخرين، إلى عالم ينزوي فيه ويضع مسافة مع كل شيء وهو ما يعني قطيعة كلية في التقبل.

الطيب الطويلي: الطفرة التكنولوجية أثرت في ميولات الطفل واختياره لأدوات لعبه
الطيب الطويلي: الطفرة التكنولوجية أثرت في ميولات الطفل واختياره لأدوات لعبه

ومن جانبه أفاد الباحث الاجتماعي التونسي الدكتور الطيب الطويلي بأن المجتمع يخضع إلى متغيرات عدة تؤثر على مختلف مكوناته، ويشمل ذلك التغيرات في القيم والمعايير المجتمعية، والتغير في المعيشة اليومية وفي مختلف الأطر التي تؤثر على الطفل وعلى تنشئته الاجتماعية مثل المنظومة التربوية، أو الملبس، أو تعامل الأبوين معه، وأيضا على مستوى هوايات الطفل وطريقته في ملء أوقات فراغه واختياره للعبه.

وقال لـ"العرب" موضحا "لقد أثرت الطفرة التكنولوجية في ميولات الطفل واختياره لأساليب تعلمه وأدوات لعبه، حيث أصبح ميالا إلى اللعب الإلكترونية التي غيرت من أساليب لعبه التقليدية، وذلك أن دافعية اختيار الطفل للعبه تغيرت باعتبار أن الألعاب الإلكترونية، خلافا عن الألعاب التقليدية، توفر للطفل عدة مزايا إضافية، منها الجانب السمعي باعتبارها توفر موسيقى في كل اللعب الإلكترونية، وتوفر الجمل التمثيلية أو التعليمية، مما يحدث وقعا سمعيا على الطفل ويجعله يفضلها. هذا بالإضافة إلى التأثير البصري عبر المؤثرات البصرية والبهرج الموجود في هذه الألعاب والتي تشد الطفل وتبهره.

وبين الطويلي أن هذه الألعاب تمتاز بخاصية تطويعية، باعتبار أن الطفل يمكنه أن يطوع جهازه وألعابه خاصة باستعمال شبكة الإنترنت حسب ميولاته الشخصية، حيث يمكنه أن يختار الشخصية الكارتونية التي يفضلها وأن يختار اللعبة التي تثير انتباهه دون الحاجة إلى مجهود كبير.

كما نبه إلى أن تحول اهتمام الأطفال من الألعاب التقليدية البسيطة إلى الألعاب الإلكترونية يعتبر أمرا عاديا بحكم التغير الاجتماعي، ولكن يبقى من الضروري التأكيد على رقابة الولي على الطفل، أولا على مستوى الاستعمال الزمني، باعتبار أن مدة استعمال الطفل لهذه الألعاب لا يجب أن تتجاوز فترات قصيرة، كما تجب الرقابة على مستوى اختيار اللعبة حسب مدى تأثيرها التعليمي والتربوي على الطفل.

وأشار إلى أن عدة ألعاب إلكترونية أدت إلى الموت، سواء عن طريق مباشر مثل الحوت الأزرق أو مريم، أو عن طريق غير مباشر مثل لعبة البوكيمون غو أو غيرها، مشددا على أن دور الولي يجب أن يكون هاما في تأطير اختيار الطفل لألعابه، حيث يختار منها ما يساعده على التعلم والتخطيط وبناء شخصيته، لا تلك التي تتسبب له في أضرار نفسية وصعوبات في الاندماج في محيطه الأسري والمدرسي، لاعتبار أن عملية اختيار الألعاب وتوقيتها بالنسبة للطفل تكون مساهمة في تكوين شخصية الطفل، ومحددا لأن يكون طفلا انطوائيا أو اجتماعيا، وطفلا سريع البديهة أو غير ذلك.

21