الأجيال الأدبية منهجية غير واقعية

على الرغم من أهمية فكرة الأجيال بالمعنى النقدي لفهم التغيرات والملامح الثقافية، إلّا أنّ دراسة الأجيال بحد ذاتها لم تلعب دورا كبيرا في تطوير النظرية الاجتماعية.
الأحد 2018/04/29
الأجيال الأدبية لا تولد بطريقة تلقائية (لوحة: عمران يونس)

يرتبط تكوّن ما يمكن تسميته بالأجيال الأدبية أو الفنية غالبا بالمتغيرات السياسية أو الاجتماعية الكبرى التي تحصل في بلد معين أو إقليم، كالحروب والمجاعات والأمراض والكوارث والاكتشافات التكنولوجية الكبرى وغيرها، وليس بالضرورة حسب التصنيف الزمني، وهذا ما يؤكده الناقد الأدبي المتخصص في البحث الاجتماعي روبرت فول الذي يؤكد على أن الأجيال الأدبية لا تولد بطريقة تلقائية حسب الحقب الزمنية، بل إن الأحداث هي التي تصنع تلك الأجيال.

أما الناقد والباحث الأمريكي هارولد روزنبرغ فيقترح ضمنا ارتباط الجيل ـ الأدبي أو الفني ـ بالخطاب الذي ينتجه أو الذي يتجسد نقديًا نتيجة مجمل أعمال أفراده، لكنه مع ذلك يرفض المصطلح واستخدامه لأن الجيل ليس له معنى ثابت أو متفق عليه حسب رأيه.

عربيًا أكثر من اشتغل على قضية التجييل هم أدباء الستينات نقادا ومبدعين، بعد أن اسهمت ظروف عدة في بلورة هذا الجيل عربيا، أهمها الصحوة القومية والمدّ العروبي اللذان أعقبا نكسة حزيران وما تلاها وانتشار الأيديولوجيات، لا سيّما اليسارية، فراحت الأجيال المتعاقبة تقلدهم بعد أن تصدى الكثير من النقاد للتصنيف ومحاولة إيجاد ما يبرر وحدة تلك الأجيال نقديا، فصرنا نسمع عن جيل الخمسينات ثم جيل السبعينات والثمانينات وهكذا.

وهي من وجهة نظري ظاهرة لا تمت للإبداع بصلة، لأن المبدع الحقيقي الفرد منشغل بمشروعه الذاتي وتطويره من دون التعكز على المجايلة، و لأن الإبداع الحقّ لا يمكن تعليبه أو توحيد ملامحه أو تجميعه في خانة واحدة ليسدّ كامله نقص ضعيفه، وبهذا تتساوى المواهب افتراضيًا محتمية تحت يافطة الجيل الواحد.

لقد أسهمت ظروف عدة في العراق مثلا في تكريس ظاهرة الأجيال، فكان العهد الملكي في الأربعينات والخمسينات والاسترخاء الذي شهدته الحياة الاجتماعية آنذاك، كفيلًا في بلورة رؤى من كتب وبرز فنيًّا في تلك المرحلة لتجمعه مع أقرانه بعض الملامح المشتركة، ثم دخلت مرحلة الستينات بصخبها الأيديولوجي وعصر الهزائم القومية الكبرى، لتكتسب ملامح خاصّة ظلت مهيمنة على الساحة الإبداعية لعقود طويلة ما زالت آثارها شاخصة حتى الآن، ليولد تحت ظلها جيل ضائع وقع تحت هيمنتها وانمحت سماته سُمي في العراق جيل السبعينات الضائع.

 بعد ذلك نشبت الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت على مدى ثماني سنوات فنتج عنها أدب حربي تعبوي كان كافيًا لتجييل من ظهر في تلك الفترة وأينعت تجاربه الفنيّة تحت لهيب النّار، ليسمى لاحقًا جيل الثمانينات الذي ظل مهيمنا على الساحة الأدبية في العراق حتى سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي في العام 2003.

 لتظهر تجارب مختلفة ومتمردة وعصية على التجييل، تجاوزت فنيًّا كافّة الأجيال التي سبقتها، وهي ليست جيلا محدد الملامح أو متقاربا زمنيا، بل خليط من بقايا الأجيال السابقة واللاحقة كلها، وهذا دليل على أن قضية التجييل في الأدب والفنون ليست واقعية ولا تمتلك مسوغاتها النقدية حسب رأي هارولد روزنبرغ السابق، إنما يحاول المشتغلون في الآداب والفنون رسم ملامحهم وتجسيد منجزهم الفني بعيدًا عن أيّ إسقاطات مسبقة، بل أنّني أزعم بأن أحد أهم الشروط في العملية الإبداعية هي الاستقلالية والتفرد وامتلاك الملامح الخاصة بكل مبدع.

ويلاحظ عالم الاجتماع ديفيد كيرتزر أن “تعدد المصطلحات وتوظيفها في الخطاب التحليلي هي فضيلة بحد ذاتها، لكنّها قد تصبح عبئا في حالة التحليل العلمي، وعلى الرغم من أهمية فكرة الأجيال بالمعنى النقدي لفهم التغيرات والملامح الثقافية، إلّا أنّ دراسة الأجيال بحد ذاتها لم تلعب دورا كبيرا في تطوير النظرية الاجتماعية.

10