الأحداث التاريخية حولت النظرة الإسلامية إلى أوروبا من التجاهل إلى الانبهار

تطورت نظرة المسلمين إلى أوروبا والغرب تدريجيا وفق مسارات الأحداث التاريخية، وتعتبر بدايات القرن الثامن عشر أكثر الفترات انفتاحا على الغرب عندما بدأ العثمانيون التواصل معه والتأثر به وصولا إلى الاحتكاك المباشر مع الحملة الفرنسية على مصر وما تلاها حتى القرن العشرين، وهو ما قدمه خالد زيادة في كتابه “تطّور النظرة الإسلامية إلى أوروبا” معتمدا قراءة تاريخية لهذه النظرة وتحليلا يرتكز على ربطها بفكر صاحبها واتجاهاته الدينية.
الاثنين 2016/03/07
قراءة شاملة لكافة أوجه التطور

سعى الباحث اللبناني خالد زيادة في كتابه “تطّور النظرة الإسلامية إلى أوروبا” إلى استعراض هذا التطور عبر حقب زمنية طويلة وصولاً إلى الزمن الحاضر، بحيث يمكن مراقبة التغير والاستمرار، ليس فقط في نظرة المسلمين إلى أوروبا، بل في علاقتهم معها.

وتعود بدايات تشكل صورة أوروبا في الآداب الإسلامية، وفقا للمؤلف، إلى ابن خرداذية، صاحب كتاب المسالك والممالك، الذي يعتمد بشأن بعض بلدان أوروبا على رواية أسير لدى البيزنطيين هو مسلم الجرمي (حوالي 845) الذي كانت لديه معلومات عن الروم والبرجان والبزغز والصقالبة، ويبدو أنه كان مصدرا لمعرفة العرب بالدولة البيزنطية ومادته عن الصقالبة كانت مفصلة وقد أخذ بها سائر الجغرافيين حتى القرن 13.

وأضاف المؤلف “أما ما يقدمه ابن رستة في كتابه ‘الأعلاق النفيسة’ حوالي 902 فإنه يشتمل على معلومات كان مصدرها أسير آخر هو هارون بن يحيى”، ويتحدث ابن رستة بشيء من التفصيل عن القسطنطينية ورومية، ويقدم وصفا لكنيسة آيا صوفيا ووصفا للكنيسة العظمى في روما. وما يذكره ابن رستة نقلا عن هارون بن يحيى سيتناقله الجغرافيون خلال عدة قرون قادمة، كذلك رواية ابن فضلان عن سفارته إلى بلاد الروس والصقالبة ستصبح قاعدة للعديد من الجغرافيين المقبلين.

ورأى المؤلف في هذا السياق أن المعلومات التي قدمها المسعودي في كتابه “مروج الذهب” حول أوروبا أكمل مادة عرفها المسلمون في منتصف القرن العاشر ميلادي، فهذه المعلومات مستمدة من الجغرافيين والمؤرخين والرحالة السابقين، وقد أضاف إليها المسعودي معلومات جمعها بنفسه وهو كثير الأسفار، كما أنه يعتمد لمعرفة تاريخ اليونان والرومان مصادر يونانية وسريانية.وأشار المؤلف إلى أنه أراد من خلال الكتاب أن يعود إلى أصول نظرة المسلمين إلى شعوب أوروبا. ”دفعني إلى ذلك أن هذا الموضوع لم يتم تناوله من قبل بشكل شامل. ولعل الصعوبة ترجع إلى غياب أي ترسيمة تسمح بتعقب نظرة المسلمين إلى أوروبا”.

وتختلف النظرة الإسلامية إلى أوروبا بحسب الفترة التاريخية أولا، ثم فكر صاحبها واتجاهاته الدينية. ففي البداية كانت تلك النظرة فوقية وتتجاهل التأثير الأوروبي. ثم كان هناك اعتراف بها إثر الاحتكاك المباشر والتعرف إلى نهضة الغرب. وتراوحت المواقف بين رافض للتعامل معها ومعجب بها. بالإضافة إلى الفئة الثالثة التوفيقية. كذلك يختلف الموقف باختلاف فكر صاحبه؛ سلفياً متشدداً أم ملتزماً منفتحاً أم علمانياً.

وقد رأى زيادة أن تطور أشكال متفاوتة من النظر إلى أوروبا لم يكن نتيجة لتطور أوروبا ذاتها، بل نتيجة أيضاً للأوضاع الداخلية للمناطق الإسلامية المختلفة. وقال “عبر مضيقي البوسفور وجبل طارق كانت تحصل الاتصالات الإسلامية بأوروبا لكن الانطباع الذي بدأ يتكون في الغرب لم يكن مطابقاً للانطباع الذي تأصل في الشرق، فما الذي جعل العثمانيين يرهفون السمع إلى جلبة تقدم أوروبا العسكري، بينما ظهر المغرب وكأنه يتحاشى التنبه إلى الوقائع المستجدة في أوروبا القرن الثامن عشر”.

بالنسبة إلى العثمانيين فإن الإشارات الأولى التي نبهت إلى مخاطر القوة الأوروبية جاءت مبكرة وسابقة للهزيمة العسكرية. إن دولة كبرى كالدولة العثمانية كان بإمكانها أن تفرز رجالاً يجمعون بين سعة الأفق ودقة التأمل، مهما تضاءل عددهم، لكن الهزيمة العسكرية هي التي نبهت شخص السلطان، بالدرجة الأولى، إلى المخاطر التي تهدد دولته جراء صعود القوة العسكرية الأوروبية. ليس هذا فقط، بل إن الذين هزموا، أي قوات الإنكشارية، كانوا على نقيض مع شخص السلطان منذ بدايات القرن السابع عشر قبل أن تأتي الهزيمة في نهايته. من هنا نتفهم الإلحاح الذي أظهره خمسة سلاطين متعاقبين خلال القرن الثامن عشر على الإصلاح العسكري لأنه كان يعني في ظروف العصر إدخال إصلاحات جديدة على النمط الأوروبي وفرضها على قوات الإنكشارية التي كانت ترفضها بدعم من بعض رجال الدين المتنفذين.

تطور أشكال متفاوتة من النظر إلى أوروبا لم يكن نتيجة لتطور أوروبا ذاتها، بل نتيجة للأوضاع الداخلية للمناطق الإسلامية

وأضاف أنه من الطبيعي أن تسمح ظروف هذا الصراع الذي تواصل على امتداد القرن 18 بالتعرف إلى أوروبا أكثر، وباتساع دائرة المؤيدين للإصلاح والمدافعين عنه. ومن جهة أخرى فإن الأوروبيين أنفسهم ما كانوا بعيدين عما يجري في إسطنبول، والفرنسيون الذين أقاموا علاقات حسنة مع العثمانيين كانوا ينظرون إلى توظيف هذا الصراع ضمن تصورهم لمصالحهم. ولم يتباطأ الفرنسيون بتلبية جميع طلبات السلطان عبدالحميد الأول (1774 ـــ 1789) ووزيره المتحمس للإصلاح خليل حميد، وأرسلوا بعثة من عشرات المختصين الذين وضعوا في خدمة السلطان ومشاريعه الإصلاحية. وهكذا فإن دائرة المدافعين عن الإصلاح، المنفتحين على أوروبا، كان بإمكانها أن تجد الظروف الملائمة لتعزز قناعتها، وترسخ أسس نظرة جديدة إلى أوروبا مبنية على الإيمان بأن تقدم أوروبا يمكن أن يستوعب في الإطار العثماني لاستعادة القوة السابقة.

أشار زيادة إلى أن غائية مشروع الإصلاح ضمن الصراعات الداخلية تحولت إلى اقتناع بقضية التقدم كما أبرزتها أوروبا، وخصوصاً فرنسا، لدى العديد من المنفتحين على المدنية الأوروبية.

ولفت إلى أن الوضع لم يكن ذاته في الطرف الآخر من العالم الإسلامي، فلم يشهد المغرب صراعات داخلية من هذا الطراز، والإدارة لم تكن سوى حاشية السلطان عبيد البخاري، والجيش لم يكن، في عهد مولاي إسماعيل، سوى مجموعة من العبيد. إن أي مهمة إصلاح لم تكن مطروحة طوال القرن الثامن عشر في الإطار المغربي، ولهذا فإن نمو القوة العسكرية الأوروبية كان يعني ازدياد خطر العدو الأوروبي، لكنه لم يكن ليعني أي أمر على الصعيد الداخلي.

التقدم الأوروبي، وإن صار ملموسا بالنسبة لبعض معاوني السلطان، فإنه لم يكن إلا ليرسخ الصورة البغيضة للعدو القديم الحديث. ويمكننا أن نستنتج أنه لم يكن كافياً أن يبرز وجه جديد لأوروبا حتى تتبدل نظرة المسلمين إليها، فقد كان لا بد للعامل الأوروبي من أن يدخل عنصراً في الصراعات الداخلية ليسهم في زحزحة النظرة التقليدية.. كان ذلك في القرن الثامن عشر، وقبل قيام الثورة الفرنسية وبروز الوجه الاستعماري لأوروبا.

12