الأحد القادم تتحدد أولى ملامح هوية الدولة التونسية الجديدة

الثلاثاء 2014/10/21
أعربت 60 من النساء اللاتي شاركن في الاستطلاع تأييدهن لحكومة مستقرة أكثر من حكومة ديمقراطية

تونس - تكتسب الانتخابات التشريعية في تونس أهميتها من كونها ستمهد لتركيز مؤسسات دائمة للبلاد بعد فترة انتقال ديمقراطي امتدت أكثر من ثلاث سنوات مرت خلالها البلاد بأحداث جسام، تسببت وفق استطلاع لمركز بيو الأميركي للأبحاث في زعزعة ثقة التونسيين بالديمقراطية التي طالبوا بها عندما انتفضوا ضد نظام زين العابدين بن علي.

“سيستقبل التونسيون العام الرابع لثورتهم الشعبية ضد نظام انتفظوا ضدّه لأنه تجاوز سنوات حكمه المسموح بها ودخل مرحلة الحكم الدكتاتوري، ببرلمان وحكومة جديدين، سيحددان هوية الدولة التونسية المقبلة. حجر الأساس في بناء هذه الهوية الجديدة سيضعه التونسيون يوم الأحد المقبل (26 أكتوبر 2014) عبر الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية (البرلمانية).

استعدادا لهذا الاستحقاق انطلقت منذ الأسبوع الماضي الحملات الانتخابية تصاحبها استطلاعات للرأي وقراءات للوضع في البلاد التي شهدت على مدى السنوات الثلاث التي أعقبت سقوط النظام منعطفات ومنعرجات أفقدت التونسيين ثقتهم في ثورتهم وفي أهمية الديمقراطية لبلادهم وسط نظرة سلبية للوضع الاقتصادي، وذلك بحسب استطلاع رأي أجراه مركز بيو للدراسات.


كيف يرى التونسيون الديمقراطية؟


تشير دراسة استقصائية أجراها المركز الأميركي إلى أن إيمان التونسيين بالديمقراطية سجّل تراجعا ملحوظا، مقارنة بالأيام الأولى التي شهدت اندلاع أولى ثورات الربيع العربي، وأيضا مقارنة بإقبالهم التاريخي وغير المسبوق في تاريخ البلاد خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 23 أكتوبر 2011.

اليوم، وقد بقيت أيام قليلة على انتخابات 2014، يسيطر التشكيك والمرارة والخوف على خطوات التونسيين نحو الديمقراطية الانتخابية، حيث يرى 48 بالمئة فقط من التونسيين أن الديمقراطية هي أفضل أنواع الحكم (وفق إحصائيات مركز بيو). وهذه النسبة تعكس تراجعا ملحوظا مقارنة بـ63 بالمئة تم تسيجلها سنة 2012 ضمن استطلاع للرأي أجراه “بيو” بعد أشهر قليلة من سقوط نظام زين العابدين بن علي.

ومن الملاحظ، وفق أرقام “مركز بيو” أن كهول تونس أكثر تأييدا للديمقراطية من شبابها، فـ43 في المئة من التونسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة يرون أنّ الديمقراطية هي الحل الأفضل، بينما يبدي أكثر من نصف الذين تتجاوز أعمارهم الـ50 سنة (54 في المئة) نفس الموقف.

لكن ومع تضاؤل الثقة بقدرة الديمقراطية على إحراز نتائج ملموسة، لا تزال تحدو التونسيين الرغبة في إقرار مكونات رئيسية للديمقراطية مثل سلطة قضائية عادلة وانتخابات نزيهة وحق التظاهر والمساواة بين الرجل والمرأة.

حركة النهضة الإسلامية وقادتها يعانون تراجعا حادا في شعبيتهم لصالح أحزاب وشخصيات مستقلة وعلمانية


حكومة ديمقراطية أم قائد قوي؟


سُئل التونسيون، ضمن استلاطاعات مركز بيو عما إذا كانوا يفضلون حكومة ديمقراطية أو قائدا قويا كأفضل حل لمشاكل البلاد؛ فأجاب 38 بالمئة فقط بأنهم يفضلون الديمقراطية، مقابل 61 في المئة قبل عامين؛ بينما ارتفعت نسبة الذين يؤيدون حلّ قائد قوي من 37 في المئة إلى 59 في المئة.

وحين خيّر التونيسيون، الذين شاركوا في استطلاع رأي المركز الأميركي، بين حكومة ديمقراطية مع مخاطر عدم الاستقرار أو حكومة تركز على الاستقرار وليست ديمقراطية تماما، فضّل 62 بالمئة الاستقرار. واعتبر 26 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع أنه، في بعض الظروف، من الأفضل الاعتماد على حكومة غير ديمقراطية، في حين رأى 24 بالمئة أن نوع الحكم ليس عاملا هامّا؛ وهي نتيجة متقاربة مع استطلاعات الرأي في الصحف ووكالات سبر الآراء المحلية.

وتميل المرأة أكثر إلى منح الأولوية إلى عامل الاستقرار، فحوالي سبع من كل عشر نساء (69 في المئة) يعتبرن أنّ وجود حكومة مستقرة أهم من الديمقراطية، مقارنة بـ55 في المئة من الرجال.

في 2013 شهدت تونس أزمة سياسية حادة إثر اغتيال اثنين من قادة المعارضة العلمانية ومقتل عناصر من الجيش والشرطة في هجمات نسبتها السلطات إلى إسلاميين متطرفين مرتبطين بتنظيم القاعدة. ومع تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي قبلت حكومة ترويكا، في مطلع 2014، الاستقالة بموجب “خارطة طريق” طرحتها المركزية النقابية القوية لإخراج البلاد من الأزمة السياسية، وتركت مكانها لحكومة غير حزبية برئاسة جمعة تتولى تسيير البلاد حتى إجراء انتخابات عامة.

نتيجة لهذه الأحداث التي عاشتها البلاد، يرى خبراء أنه من الطبيعي أن يسجل موقف التونسيين من الديمقراطية، في شكلها التقليدي، تراجعا كبيرا، من 63 بالمئة في 2012 إلى 54 بالمئة مُسجلة في 2013 فـ48 بالمئة في 2014.


ديمقراطية كاملة أم اقتصاد قوي؟


مثلما كان، الضعف الاقتصادي، السبب الرئيسي في خروج التونسيين إلى الشارع، سنة 2011، يعد تدهور الاقتصاد السبب الأبرز في استياء التونسيين وفقدانهم الثقة في الديمقراطية. ويصف 88 بالمئة منهم الوضع الاقتصادي في البلاد بـ”السيئ”، فيما يرى 56 بالمئة أنها “سيئة للغاية”. لكن تبقى الأغلبية متفائلة بأن الوضع الاقتصادي سوف يتحسّن قريبا، ويتوقع 56 في المئة منهم أن تشهد البلاد هذا التحسن في غضون العام القادم.

وفي مسألة مقارنة أهمية الديمقراطية بأهمية انتعاش الاقتصاد، اعتبر 73 في المئة من المشاركين في الاستفتاء أن الاقتصاد القوي هو أكثر أهمية، وهي نسبة تسجل ارتفاعا هاما، مقارنة بالعام الماضي، في قفزة تعادل 14 نقطة في غضون عامين. فقط ربع المشاركين في الاستفتاء يعطون الأولوية لديمقراطيّة جيدة، في انخفاض حاد مقارنة بنسبة 2012 التي تبلغ 40 في المئة. ويميل المشاركون الذين استكملوا تعليمهم الثانوي (35 في المئة) – في نسبة تفوق الذين توقفوا عند التعليم الابتدائي أو أقل (23 في المئة) - إلى التصريح أن الديمقراطية هي الأهم.

إعادة المنظومة السابقة إلى الواجهة خطر حقيقي يهدد الحريات العامة


لماذا تراجعت النهضة؟


من بين النتائج التي توصلت إليها دراسات واستطلاعات “مركز بيو” في تونس، التي أجريت ضمن مقابلات شخصية مع ألف تونسي، (من 19 أبريل إلى 9 مايو 2014)، تهاو حاد في شعبية حركة النهضة الإسلامية التي قادت الائتلاف الحكومي الذي تولى السلطة بعد انتخابات المجلس التأسيسي.

وأظهر الاستطلاع تراجع التقييم الإيجابي لرئيس الحركة راشد الغنوشي من 66 بالمئة إلى 33 بالمئة، والقيادي في الحركة ورئيس الوزراء الأسبق حمادي الجبالي من 66 بالمئة إلى 43 بالمئة. وكانت الحركة قد حصلت على نسبة 37 بالمئة من أصوات الناخبين، في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. وإثر هذا الفوز، شكلت حركة النهضة تحالفا حكوميا ثلاثيا (ترويكا) مع حزبين علمانيين هما “المؤتمر من أجل الجمهورية” و”التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات”.

وفي الاستطلاع، أخذ تراجع النهضة هذين الحزبين (التكتل والمؤتمر) إلى مستويات سلبية أيضا، مثل سائر الشخصيات السياسية التونسية باستثناء رئيس الوزراء مهدي جمعة وزعيم حزب نداء تونس المخضرم الباجي قائد السبسي. وينظر 81 بالمئة من التونسيين بإيجابية إلى جمعة، في حين ذهبت 51 بالمئة من تفضيلاتهم إلى قائد السبسي، الذي يرى مراقبون أنه سيبلي مع حزبه بلاء حسنا في الانتخابات.

هل يوافق التونسيون على رموز بن علي؟

مع بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس، زادت وتيرة الجدل داخل الأوساط الشعبية والسياسية بسبب عودة وزراء الرئيس السابق زين العابدين بن علي إلى الواجهة السياسية وتشكيل بعضهم لقوائم ستخوض غمار الانتخابات البرلمانية، فيما تصدر بعضهم قائمة المرشحين للرئاسية.

ومنذ بداية الحملة الانتخابية في الرابع من أكتوبر الجاري توالت تصريحات رموز النظام السابق المناهضة للثورة، حيث اعتبر الباجي قائد السبسي، الذي شغل منصب رئيس البرلمان في عهد بن علي (1990 - 1991)، ومرشح حزب “نداء تونس” للرئاسة، أن تونس قد تأخرت في الثلاث سنوات الأخيرة التي أعقبت الإطاحة بحكم بن علي، في 14 يناير 2011، أكثر من الخمسين عاما التي سبقتها.

وبعدها، وصف السبسي، في تصريحات مماثلة، حكم الرئيس الحالي محمد المنصف المرزوقي بأنه “انقلاب” لـ”تجاوز الفترة المحدّدة (لحكمه) بعام بعد انتخابات (المجلس الوطني التأسيسي) التي أجريت عام 2011”.

ويشارك حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية في جميع الدوائر الانتخابية في تونس والخارج والبالغ عددها 33 دائرة، فيما يخوض السباق الرئاسي بمرشحه الباجي قائد السبسي، والذي تدور الشكوك حول وضعه الصحي وهو ما جاء على لسان أحد قيادات حزبه والذي قد يقلص من حظوظ فوزه.

62 في المئة من التونسيين يفضلون حكومة تركز على الاستقرار وليست ديمقراطية تماما

وستشارك في الانتخابات التشريعية عدة قوائم حزبية يعد قادتها من رموز النظام السابق، ومنها: الحركة الدستورية واللقاء الدستوري والمبادرة، بينما يخوض غمار الانتخابات الرئاسية كل من كمال مرجان، آخر وزير خارجية في عهد بن علي، وعبدالرحيم الزواري مرشح الحركة الدستورية الذي تولى حقائب وزارية عديدة إبان حكم بن علي، إضافة إلى مصطفى كمال النابلي والذي شغل وزير التنمية الجهوية (المحلية) طيلة 5 سنوات في عهد بن علي، وهو ما قوبل بانتقادات حادة من قبل النشطاء.

واعتبر الكاتب الصحفي التونسي خالد القفصاوي أن “إعادة المنظومة السابقة إلى الواجهة خطر حقيقي يهدد الحريات العامة”. كما لم يستبعد القفصاوي أن يكون ترشيح عدد كبير من الوزراء السابقين “مناورة” سياسية لـ”إيصال رسالة للشعب التونسي مفادها أننا لسنا أتباع أو أنصار بن علي”.

من جهته، اعتبر الكاتب الصحفي نبيل الشاهد، أن “ترشح رموز النظام السابق للانتخابات نتيجة طبيعية لعملية الانتقال الديمقراطي التي تميزت بالفشل في المحاسبة، وعدم مكاشفة الشعب على جرائم النظام السابق يقابله تدهور أمني واقتصادي كبير سهل عملية عودة المنظومة القديمة إلى الواجهة”، على حد قوله.

وتابع الشاهد، أن “عدم فتح الملفات القديمة وهروب الجميع من المواجهة أدى في نهاية الأمر إلى التعايش مع التجمعيين (حزب بن علي)، بالإضافة إلى أن تخوف النهضة من تكرار النموذجين الليبي أو المصري في محاسبة النظام المخلوع جعلها تسعى إلى عدم التصادم، وخيرت إدارة العملية السياسية وفقا لضرورات المرحلة، وكذلك بسبب عدم قدرتها على تفكيك منظومة بن علي في القضاء والأمن والاقتصاد”.

وبعد لقاء رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي صيف العام الماضي، إثر اغتيال القيادي في التيار الشعبي (ناصري) محمد البراهمي، وتوصل الحوار الوطني إلى تشكيل حكومة تكنوقراط في يناير الماضي، أسقطت عدة أحزاب سياسية، من بينها حركة النهضة، المصادقة على مشروع قانون العزل السياسي الذي كان سيمنع آلاف المسؤولين في النظام السابق من العودة إلى الحياة السياسية.

وأشار الشاهد إلى أن “ترشيح 6 وزراء من عهد بن علي للانتخابات (الرئاسية) يعكس أن النظام السابق لم يكن متماسكا وكان عبارة عن مجموعة من التكتلات لذلك اختارت كل جبهة مرشحا لها في ظل غياب قائد يلتف حوله الجميع”، مشددا على “إمكانية تحالف قطبين على الأقل من منظومة بن علي في صورة (حال) حدوث جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية”.

إقرأ أيضا:


حركة النهضة تختار 'الإبهار' وتضخيم اجتماعاتها بعد تأكد تراجعها


الرئيس التونسي: 'واثق' من فوزي في الانتخابات الرئاسية

6