الأحراش بلاط أفقر ملك في العالم

في أحراش الأنديز البوليفية، يعيش خوليو الأول، آخر ملوك أميركا الجنوبية، سليل العبيد الزنوج المجلوبين من أفريقيا، وتعترف السلطات الرسميه بلقبه الملكي، على الرغم من أن حياته أبعد ما تكون عن أي مظهر من مظاهر الملكية المعروفة، حيث يعد خوليو بينيدو بالفعل أفقر ملك في العالم.
الاثنين 2016/03/28
لم يتأخر عن الدوام

موروراتا (بوليفيا ) - إنه في عجلة من أمره اليوم، لأنه وصل متأخرا عن موعد عمله: الدوام ثماني ساعات يوميا، تحت سماء قائظة، في مجال قطع وتجميع أوراق نبات الكوكا، وهو العمل الذي دأب على القيام به أفقر ملك في العالم طوال أكثر من خمسين عاما.

ويبلغ تعداد سكان بلدة موروراتا 400 نسمة، وتقع في إقليم يونجاس، التابع للعاصمة لاباز، ويتميز بأجوائه الاستوائية، يمكن الوصول إليه عن مدق مغطى بالحصى تفوح منه رائحة أوراق الكوكا، التي تنمو في كل مكان هنا، والتي قننت الحكومة تعاطيها عن طريق المضغ، ومن ثم فزراعتها قانونية وتقدر المساحة المقننة لهذا المحصول في الإقليم بـ12 ألف هكتار، ولكن المساحة المزروعة فعليا تعادل ضعف ذلك، حيث يوجه الفائض في الغالب إلى عملية إنتاج الكوكايين.

على بوابة منزل خوليو بينيدو يقرأ "تباع المرطبات"، حيث تقوم جلالة الملكة أنجيليكا، زوجة الملك خوليو الأول ببيعها لمن يريد من الغرفة السفلية، أما باقي المقر المتواضع فعبارة عن حجرة علوية يمكن الوصول إليها عن طريق درج غير منتظم، ومن شرفتها الزجاجية تلمح “فاترينة” تحتوي على التاج الملكي.

بالإضافة إلى المرطبات، تبيع الملكة أنجيليكا الثوم والموز وزيت الطعام ومشروبات الكولا المصنعة محليا “كولا كينوا” بالوزن على الطريقة القديمة؛ أي مقدار من الأحجار مقابل أصابع من الموز.

على جدار متآكل، تعلق بصورة محتشمة، شهادة إثبات اللقب الملكي الحاصل عليه بينيدا “الملك الأفروبوليفي”، والذي تم تتويجه في الثالث من ديسمبر 2007، بعد الحصول على اعتراف السلطات الرسمية في لاباز، ولكن على المستوى المحلي، اللقب متعارف عليه بين السكان منذ 1992.

الملك الأفروبوليفي لا يضع تاجه إلا في مناسبات محدودة للغاية ويجد راحته في حقول الكوكا

ويعتبر الاعتراف باللقب الملكي لحفيد الزنوج البوليفي، أحد إنجازات الرئيس إيبو موراليس، أول شخص يصل إلى السلطة من السكان الأصليين عن طريق انتخابات ديمقراطية تعددية، للاعتراف بالعرقيات المختلفة التي تتعايش في بوليفيا في سبيل تحقيق مساواة حقيقية.

وبالرغم من أن السلطة الحالية تطلق على نفسها لقب “متعددة القوميات”، إلا أن عميد الجالية الأفروبوليفية، خورخي مدينا، يؤكد أن العنصرية لا تزال قائمة في البلد اللاتيني.

وتشكو كليوفيه بنيدا، شقيقة الملكة من نوع آخر من العنصرية حيث تقول “هناك انعدام مساواة واضح، نحن لا نتلقى أي مساعدة من الدولة، جميع المساعدات مخصصة للسكان الأصليين من الهنود الحمر من عرقيات الأيمارا والكيتشوا”. وفي حقيقة الأمر تعيش مورواتا وضعا مؤسفا، فغالبية المنازل من دون دورات مياه، لا يوجد في البلدة سوى حمام عمومي واحد.

ويصل نسب الملك خوليو الأول (74 عاما) إلى الأمير أوتيشتشو، أحد الزنوج العبيد الذين جلبوا إلى بوليفيا عام 1820، وتعود جذوره إلى السنغال، لهذا يجمع الملك الأفروبوليفي بين جذور الثقافتين الهندية والأفريقية، ومن هنا نشأ في بوليفيا وضع استثنائي لسلالة التشولاس (الهندية المتزوجة من أفريقي) أو الهندية السمراء.

خوليو بينيدو

واستقبلت بوليفيا أول دفعات من الزنوج في القرن السادس عشر، وجلبوا خصيصا للعمل في مناجم الفضة في بوتوسي، نتيجة لارتفاع أعداد الوفيات بين السكان الأصليين، بسبب سوء المعاملة وانتشار الأوبئة والأمراض التي جلبها المستعمر الأوروبي إلى هذه البلاد البكر. بعد ذلك تم تخصيص أعداد منهم لملاك الأراضي من الإقطاعيين في إقليم يونجاس.

حين كان الأمير أوتيشتشو يستحم في النهر، تعرف زنوج آخرون في ظهره العاري على علامة الملك، فعرضوا عليه طريقة لتحرير نفسه من هذا الشقاء، وتقول الروايات إن والده قبل وفاته أرسل إليه تاجه وعباءته عام 1832، ومن هنا بدأ في بوليفيا امتداد جذور هذه السلالة الملكية الأفريقية، ومنذ ذلك الوقت انتشب في الأمير أوتيشتشو لقب سيده بنيدو.

ويقول خوليو “تجري في عروقنا جميعا دماء سنغالية”، على الرغم من أن قدميه لم تطآ أفريقيا طوال حياته. ويقدر في الوقت الراهن أن بوليفيا يوجد بها نحو 23 ألف أفروبوليفي. لو تم تفعيل لقبه حرفيا لأصبح خوليو الأول ملكا على السنغال أيضا.

تجدر الإشارة إلى أن تحرير العبيد بالكامل في بوليفيا تم عام 1952 مع إصدار قوانين الإصلاح الزراعي.

ومن المقرر أن يؤول الملك من بعده إلى ابن أخيه رولاندو بنيدو (21 عاما) وهو طالب يدرس ويعمل في العاصمة لاباز، تبناه خوليو الأول وزوجته لأنهما لم ينجبا أبناء بعد أكثر من نصف قرن من الزواج.

ويحلم رولاندو بأن يزور السنغال أرض أجداده في يوم من الأيام، لأن تغير الأجيال من شأنه رد الاعتبار للقب وللجالية وللتقاليد التي نحتفظ بها.

ويشعر الملك خوليو الأول بالراحة في حقل الكوكا الخاص به، ولا يضع التاج إلا في مناسبات محدودة للغاية، وبينما يعمل الملك في الحقل، تقوم الملكة التي يقع منزلها الملكي بالقرب من الكنيسة برعاية الأعمال، في منزلها المتهدم ذي النوافذ المحطمة والذي يكاد يخلو من الأثاث.

بالرغم من ذلك توجد على الجدران لوحات تحكي تاريخ الملكية، وبعض الصور لمراسم تتويج الملك السابق بونيفاسيو، والشعار المثير للانتباه المكون من شمس حمراء قانية وقارب أسود، ملك أسود وشعلة: العالمين القديم والجديد متحدين.

20