الأحزاب الإسلامية تحوم حول برلمان مصر

الأحد 2014/06/08
البرلمان المصري القادم، يمثل طوق النجاة الذي يسعى الإسلاميون للتعلق به

القاهرة –المزاج العام في مصر لم يعد ميالا إلى التعاطف مع الإسلاميين كما كان الحال في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، التي أفرزت ما أسماه الشيخ السلفي حسين يعقوب بـ”غزوة الصناديق”، التي دفعت الأغلبية للتصويت بـ”نعم” خلال الاستفتاء على الإعلان الدستوري في مارس 2011، باعتباره البوابة لدخول الجنة.

وهذا ما يؤكده العديد من المراقبين مستبعدين عودة التيار الديني لحصد أغلبية مقاعد مجلس النواب القادم، ومحذرين، في الوقت نفسه، من استمرار قدرتهم على جذب الناخبين في ظل ضعف الأحزاب السياسية ومحدودية قواعدها الشعبية وتأثيرها في الشارع.

البرلمان المصري القادم، يمثل طوق النجاة الذي يسعى الإسلاميون للتعلق به. كما تحدّد طبيعة تشكيله في الوقت ذاته ملامح النظام المصري الجديد بقيادة، عبدالفتاح السيسي، بعد أن منح الدستور الأغلبية البرلمانية الحق في تشكيل الحكومة الجديدة ومنح مجلس الوزراء صلاحيات واسعة تقلّص من سلطات الرئيس.


الخريطة السياسية


تتشكل خريطة الإسلام السياسي في مصر، من فصائل عدة، تتنوع مواقفها وتتباين وتتنافر وتتوافق المصالح وفق معايير عدة. أكبر تلك الفصائل وأكثرها تنظيما جماعة الإخوان المسلمين، وهي الآن في مأزق تاريخي، يجعلها غير قادرة على المنافسة بشكل معلن في الانتخابات البرلمانية المقبلة، لسبب جوهري يتمثل في أن دفعها بمرشحين معلنين، يعد اعترافا رسميا منها بشرعية النظام القائم وخارطة المستقبل التي تمثل الانتخابات البرلمانية الاستحقاق الثالث والأخير فيها.

لكن الجماعة التي حصلت في 2012 على ما يقرب من نصف مقاعد البرلمان، بحصول مرشحيها على 235 مقعدا من إجمالي 498 مقعدا، ستعلن المقاطعة، في الوقت الذي ستدفع فيه بمرشحين مستترين من جانب، وستتحالف سرا مع مرشحين من رموز عهد نظام مبارك سبق وأن تركوا لهم دوائر انتخابية في عام 2005 بتفاهمات.

الجماعة تهدف من وراء هذا التكتيك إلى تحقيق هدف رئيسي، يتمثل في إرباك الحكومة عبر نوابها المستترين، وفقا للآليات الرقابية التي يمنحها القانون للعضو بتقديم الاستجوابات، فيما يسهم حلفاؤها غير الأعضاء في تحقيق مساعدات للملاحقين من الجماعة والدفع في طريق تسوية سياسية عندما يضيّق عليها الخناق.

تنظيم الإخوان يعتبر، بحسب القيادي الإخواني السابق، وعضو مكتب الإرشاد المنشق عن الجماعة، كمال الهلباوي أقل من 5 بالمئة من الكتلة التصويتية في مصر البالغة 54 مليونا، بما يعني أن أعضاء تنظيم الإخوان على امتداد مصر لا يتجاوز نصف مليون، وهي كتلة تصويتية غير فاعلة في انتخابات برلمانية كونها موزعة على ربوع البلاد وفي جميع دوائرها.

ويستخلص الهلباوي من ذلك أنه في حال اتخاذ الجماعة قرارا بالتصويت السري لمرشحين بعينهم لن تكون عاملا حاسما في الدفع بمرشحين لمقاعد البرلمان.


السلفيون والشتات


رغم حلول حزب النور السلفي في المركز الثاني في انتخابات 2012 بنسبة 29.24 بالمئة، إلا أن العديد من المحلّلين يتوقعون أن تتراجع تلك النسبة إلى 10 بالمئة فقط.

وينقسم السلفيون في مصر إلى، السلفية الحركية، التي يتزعمها الداعية السلفي الهارب من مصر محمد عبدالمقصود، الذي أعلن تأييده لجماعة الإخوان وشارك وقطاع كبير من أتباعه في اعتصامي رابعة والنهضة، قبل فضهما، وهم يرفضون خارطة المستقبل ويصفون 30 يونيو بالانقلاب، ومن ثمة سيجنحون إلى المقاطعة.

ويمثل هذا الفصيل، كتلة تصويتية تخصم من رصيد السلفيين، ولا تصب في صالح تصويت الإخوان السري حال اللجوء إليه، كون السلفية تختلف عن الإخوان، فالتنظيم الأخير يَدِينُ أعضاؤه “بالسمع والطاعة” بينما تقوم السلفية على “التأصيل الشرعي وتقديم المشايخ للدليل” ومن ثمة لن يتسنى لشيوخ هاربين مثل عبدالمقصود تقديم دليل يناقض ما يظهر وهو هارب.

فرص السلفيين في الانتخابات البرلمانية القادمة ضعيفة بسبب إغلاق قنواتهم ومنع الدعاية السياسية بالمساجد وفشل تجربة الإخوان وفضائح أعضائهم في برلمان 2012

أما الفصيل الثاني، فهو السلفية التقليدية وتمثلها جمعية أنصار السنة المحمدية، وتحرّم التظاهر، وتنأى بنفسها عن الخوض في المعارك السياسية، بدعوى التركيز على الجانب الدعوي، وتجنب الاستقطابات وهي الكتلة الأكبر من السلفيين في مصر والأكثر انتشارا بفروعها، وهي تتبني دائما موقفا مؤيدا للنظم الحاكمة، ولا تنخرط في أحزاب، ومشاركة أعضائها تترك للقرار الشخصي، وبالتالي لن تكون داعما قويا لحزب النور.

أما الفصيل السلفي السياسي الأبرز، فهو حزب النور وهو فصيل السلفية المعروفة بمدرسة الإسكندرية السلفية، وزعيمها ياسر برهامي، وإسماعيل المقدم ويونس مخيون، وأنشأت حزبا سياسيا. ويواجه الحزب انتقادات شديدة، وصلت إلى درجة اتهام شباب من حركة “تمرد” من أعضاء حملة المشير عبدالفتاح السيسي لهم بإعلان تأييدهم للمشير رئيسا في العلن، في الوقت الذي أبطل فيه أعضاء الحزب أصواتهم في الصناديق، مستندين إلى تزايد عدد الأصوات الباطلة في مناطق ارتكاز السلفية.

ويأتي في النهاية فصيل السلفية الجهادية، وهي فصيل يكفّر المجتمع ويمارس الإرهاب وغير منخرط في العملية السياسية.


تراجع السلفيين


أكد مرقبون تراجع فرص السلفيين في الانتخابات البرلمانية القادمة، لعدة أسباب أهمها، افتقاد أهم آليات الحشد والمتمثلة في الفضائيات الدينية والمساجد.

في هذا الصدد، يقول الشيخ محمد عبدالرازق لـ”لعرب”: “وزارة الأوقاف اتخذت إجراءات مشددة لمنع استغلال المساجد سياسيا، كون السياسة في المساجد تفسد الدعوة، وأولى هذه الإجراءات هي التنبيه على الخطباء بحظر مساندة مرشح بعينه أو حزب سياسي، داخل المسجد، وحظر توزيع أي منشورات أو وضع ملصقات سياسية داخل المسجد أو خارجه”.

وأضاف: “يأتي هذا الاتجاه من وزارة الأوقاف، متسقا مع قرارات سابقة لها بتعيين 17 ألف أمام وخطيب عبر مسابقة اختارت خلالها لجان علمية المتقدمين من خريجي جامعات الأزهر وفق معايير علمية، وبالتالي فلا مجال لاستغلال المساجد في الصراع السياسي، ومن يخالف يتم إلغاء تصريحه إن كان غير معيّن، فيما تتم إحالة المعينين المخالفين للتحقيق، ويحال للنيابة من يصعد المنبر دون تصريح”.

أما العامل الثالث الذي يقلل من فرص السلفيين في الحصول على نفس عدد المقاعد التي فازوا بها في برلمان 2012 المنحل، فهو فشل تجربة الإخوان في الحكم، وما أدت إليه من سخط شعبي شمل السلفيين وكل ما يمثل مرجعية دينية في السياسية.

كما يضعف من فرص السلفيين هذه المرة، ما صدر من بعض أعضائهم من تجاوزات خلال البرلمان الماضي، كان أبرزها فضيحة أنور البلكيمي النائب عن حزب النور دائرة منوف، شمال القاهرة، والذي أجرى عملية تجميل بأنفه وحرر محضرا كاذبا في قسم الشرطة، يزعم فيه تعرضه للاعتداء عليه من جانب مجهولين، بالإضافة إلى ضبط نائب سلفي في وضع مخل مع فتاة على أحد الطرق الصحراوية.


مرجعية إسلامية


من أهم هذه الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، حزب مصر القوية، الذى يتزعمه نائب مرشد الإخوان المنشق والمرشح الرئاسي الأسبق الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، ويسعى للدخول في تحالف مع التكتل الذي يستهدف تأسيسه حمدين صباحي، ويضم أحزاب الكرامة والدستور والتيار الشعبي، ويتوقف نجاحه على فرص القائمة التي ستكون ضعيفة في مواجهة القائمة التي تسعى لها الأحزاب والقوى المؤيدة للسيسي، بقيادة اللواء مراد موافي رئيس جهاز المخابرات السابق، وعمر موسى وحزب الفريق أحمد شفيق، وغيرها من الأحزاب اليسارية في مقدمتها التجمع.

الصوفية أحد أهم التيارات التي تستخدم الدين في السياسة ويصل عددهم بطرقهم المتعددة إلى 10 ملايين في مصر يحركهم زعماؤهم الدينيون، ويناصبون التيار السلفي العداء، ويدعمون المشير السيسي.

وأكدت مصادر لـ “العرب” أن عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ورئيس لجنة الخمسين والمقرب من السيسي، يجرى اتصالات معهم ومع غيرهم من القوى السياسية للانضمام للائتلاف الذي يسعى له صحبة موافي لخلق ظهير برلماني قوي للسيسي، قد يمكنهم من الوصول لتشكيل الحكومة وغلق الطريق أمام الإخوان والسلفيين الذين يسعون بحسب يونس مخيون رئيس حزب النور للمنافسة على كامل المقاعد في الانتخابات المقبلة.

الأيام المقبلة حبلى بكثير من الأحداث والتطورات السياسية، ووفقا لخريطة التحالفات الجاري تشكيلها سوف تتحدد معالم البرلمان المقبل وموقع التيار الإسلامي وأجنحته المختلفة فيه.

5