الأحزاب الجزائرية: فقدان الهوية والصلة بالمجتمع

الخميس 2014/07/17

كيف يمكن لنا أن نفسر ظاهرة تضخم الأحزاب الجزائرية المعتمدة رسميا حتى الآن والتي يقترب عددها من 60 حزبا؟ وهل يعني هذا العدد الهائل أن الجزائر تشهد حقا حياة سياسية تتميز بتعددية المنظورات الفكرية الديمقراطية لتنمية المجتمع والإنسان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تستطع هذه الأحزاب أن تقنع المواطنين والمواطنات سواء في الانتخابات البلدية أو البرلمانية أو الرئاسية؟ لماذا لا توجد لدى هذه الأحزاب مشاريع حداثية ومتطورة في مجالات التنمية الوطنية، وإذا كان لديها شيء من هذا فأين هو؟

لكي نجيب عن هذه الأسئلة ينبغي تدقيق المفاهيم والاتفاق أولا على أن مفهوم المعارضة لدى هذه الأحزاب الجزائرية لم يتبلور حتى الآن على المستوى الفكري وعلى مستوى الممارسة اليومية.

من المسلّم به أن المعارضة كمفهوم سياسي ضمن إطار التعددية الحزبية لا تعني حربا سياسية ولا عنفا إبستيمولوجيا، وإنما تعني طرح المشاريع المتطورة ‏على تنوعها أمام المواطنين والمواطنات لكي تناقشها وتشارك في الحوار حولها بحرية ومسؤولية، ومن ثم تختار أفضلها وأكثرها إقناعا.

بناء على هذه الصيغة فإن المنافسة السياسية العقلانية والرشيدة لا ينبغي أن تنحصر بين زعماء ومناضلي هذه الأحزاب في مكاتبهم الموصدة، وإنما يجب أن تكون داخل الفضاء الشعبي قصد التوصل جماعيا إلى ابداع التصورات والأفكار الأكثر نضجا والحلول التي تصاغ وتقترح من طرف هذا الحزب أو ذاك للمشاكل الكبرى التي تعاني منها البلاد من أجل إيجاد السبل الناجعة لها، للانطلاق بعدئذ في إنجاز عمليات صنع مناخ ووسائل تحقق التنمية المادية والثقافية والفكرية والروحية للنهوض بالمجتمع.‏

على هذا الأساس من المفترض على هذه الأحزاب المعارضة أن تدرس خارطة الواقع الجزائري، وخاصة جيوب التخلف فيه بواقعية وتحليل علمي على ضوء إدراك وملامسة حيثياته في الميدان، والقيام بنقد نظريات ومشاريع وتطبيقات النظام الموجود في الحكم من ‏أجل تصحيح الأخطاء والانحرافات، إذا كانت لهذا النظام أية نظريات أو مشاريع تضمن التحول الاجتماعي والفكري والاقتصادي والأخلاقي الأكثر تقدما. من خلال هذه الرؤية نرى أن مهمة العمل السياسي العملي في إطار صيغة المعارضة تتمثل في منافسة المشاريع والمنظورات الحزبية المتحضرة، من أجل رفع شأن الوطن والمواطنين والمواطنات؛ ‏وفي ظل هذا النوع من المنافسة الجادة فإن الغلبة تكون بلا شك للفكر المتطور، وللمشاريع الحيوية الكبرى المؤسسة على القواعد العلمية.‏

بناء على ما تقدم، فإن الوضع القائم في الجزائر هو أن التعددية الحزبية الهلامية فيها في حاجة ماسة إلى تشريح المنظومة المكونة لها، والبنيات المتحكمة في رؤاها، وفي الطرائق التي تعمل بموجبها، وكل ذلك على أساس علاقة الأحزاب بجهاز الرئاسة.

بادئ ذي بدء لابد من القول بأن النظام الحاكم في الجزائر بعموديه الفقريين الأساسيين وهما العسكر/ الأمن، والجهاز الرئاسي شبه مطلق. الدليل على هذا هو أنه تمكن سواء في عهد الحزب الواحد، أو في عهد التعددية الحزبية من فرض سيطرته، والاستحواذ على كامل السلطات عن طريق تثبيت مجموعة من التشريعات التي تضمن بقاءه في سدة الحكم، والتحكم الانفرادي به على مدى سنوات طويلة. فالأحزاب الجزائرية في مرحلة التعددية لم تنتفض أو تعترض على العناصر المشكّلة لهذا الوضع غير الديمقراطي بجدية وفي مقدمة ذلك:

1 - عقبة النظام الرئاسي الذي تعمل به الدولة الجزائرية، المختلف إن لم نقل الشاذ، عن الأنظمة الرئاسية في العالم أجمع. فالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ليس ممثلا شرعيا وحقيقيا لهذا الحزب أو ذاك، علما أن تلويح حزب جبهة التحرير الوطني بأنه هو رئيسه الشرفي ادعاء لا ينطبق على الواقع. من المعروف أن الرئيس الشرفي لحزب ما، لا يعني قانونيا أنه رئيسه الفعلي المنتخب من قبل مناضلي ذلك الحزب. فالرئيس بوتفليقة يقدم نفسه على أنه فوق الأحزاب، وأنه يعين من يشاء على رأس الوزارة الأولى أو على رأس الوزارات والسفارات والمؤسسات الوطنية دون العودة إلى هذا الحزب أو ذاك، كما أنه لا يحاسب من طرف الأحزاب أو من طرف البرلمان أو مجلس الأمة أو المجلس الدستوري الذي يعين رئيسه بنفسه.

فالنظام الجزائري يمركز السلطة المادية الفعلية، بكل أجهزتها، بين يدي رئيس الدولة والحكومة التنفيذية التي يعينها هو بنفسه وتعمل وفق مشيئته أيضا. بخصوص هذه النقطة التي تشكل أهمية قصوى والتي على محكها يختبر وجود الديمقراطية السياسية من عدمه، فإن الدستور الجزائري يحتوي على ثغرات تخل بمبدأ الديمقراطية والتعددية، وبهذا الصدد نجد مواده المتعلقة بوظيفة ومهام الرئيس بدءا من المادة 70 إلى المادة 87 تخول كل الصلاحيات لرئيس الجمهورية. أما البرلمان ومجلس الأمة فقد اختزلت مهمتهما في التشريع الصوري، مع العلم أن تعيين رئيسيهما يدخل كذلك ضمن صلاحيات الرئيس، وليس الحزب المنتخب بالأغلبية. إن هذه النقطة لا تزال غير خاضعة لأي نقاش حقيقي في القواعد الشعبية ذات الطابع المدني الواسع مثل الجمعيات المهنية والثقافية والفنية والجامعات، أو في المشهد السياسي الجزائري على مستوى الأحزاب والمنظمات الجماهيرية ذات الطابع السياسي، حتى في إطار ما يسمى بالمشاورات الشكلية التي كلف بها السيد أحمد أو يحيى مؤخرا.

2 - هناك مشكلة أخرى لم تحسمها الأحزاب الجزائرية، وتتمثل في القوانين الجائرة التي تضبط تسيير شؤونها على نحو غير ديمقراطي، ومن أمثلة ذلك غياب تداول رئاسة وقيادة هذه الأحزاب دوريا، وفقا للنزوع الثقافي الأخلاقي الجماعي التشاركي. والدليل على هذا وجود هذا المشكل داخل هذه الأحزاب هو أن رؤساءها أو المقربين منهم مازالوا يتشبثون بالزعامة الانفرادية على مدى أكثر من عشرين عاما، ويرفضون التخلي عن منصب رئاسة الحزب لتجديد دمه كما هو الحال، في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب جبهة التحرير الوطني، وحزب العمال الذي تتحكم فيه لويزة حنون التي مضى على وجودها على رأس حزبها 20 سنة أو أكثر.

صحيح أن بعض الأحزاب الكبرى قد شهدت تغييرا شكليا في هذا الشأن، ولكن الشخصيات الجديدة التي أسندت إليها مناصب الزعامة ليست إلا صورة طبق الأصل لشخصيات زعمائها السابقين من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي ضعيفة فكريا وتكوينا ثقافيا وعقائديا وتنعدم لديها الخبرة في التنظيم، والأخلاقيات السياسية الديمقراطية، والأسلوب العلمي في إدارة شؤون الدولة، الأمر الذي يجعلها غير مقنعة للناخبين وغير مستقطبة للجمهور في الفضاء الشعبي المدني.

3 - إن هذه الأحزاب- التي تتميز بالمجهرية والضآلة والتشظي، أو بالانقطاع عن الحوار مع الشعب، وبعدم النزول إليه لقيادته والتعلم منه، عدا تلك الشطحات الفولكلورية التي تظهر في الانتخابات- تشكلت في الغالب بإيعاز من النظام الحاكم، وجراء ذلك فهي غير مستقلة وغير مؤهلة في وضعها الراهن فكريا ومنهجيا ‏وبشريا ومؤسساتيا لأن تكون قادرة على إبداع التميّز.

هذا المأزق الذي توجد فيه الأحزاب الجزائرية قد جعلها بمثابة فرق إغاثة للنظام الحاكم، وتحولت مع الزمن إلى مدافع ‏عنه، وإلى ‏مجرد جدار حماية له بوعي أو بدون وعي. إن هذه الأحزاب لا تملك الاستقلالية ‏السياسية، فضلا عن افتقادها للمبادئ العقائدية وللأسس الفكرية والتنظيمية التي يتأسس عليها مشروع الدولة الحديثة النابعة من تفعيل طور المجتمع الحداثي، والتي بموجب تطبيقها في الميدان ‏تتمكن من ترشيد المجتمع، وبالتالي من الانفصال عن تقاليد ثقافة دولة ‏الحزب الواحد الديكتاتورية، ومن إنجاز الإقلاع النوعي المتطور للتنمية الوطنية، في ظل مناخ ما يدعوه المفكر الفرنسي هنري برغسون بالاندفاع الحيوي للفكر في الواقع المتحرك.‏


كاتب جزائري

8