الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية بين ضيق الحسابات وضرورة التوحد

الجمعة 2014/10/31
التونسيون الذين منحوا أصواتهم للنداء لن يسمحوا له بالتحالف مع النهضة

تونس - يبدو أنّ الزمن السياسي في تونس بلغ ذروة سرعته بعد بداية الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، التي أُجريت يوم السادس والعشرين من أكتوبر الجاري، وانكشفت معها ملامح المشهد البرلماني القادم الذي سيتمتّع فيه حزب نداء تونس بأغلبية المقاعد تليه حركة النهضة الإسلامية، بالإضافة إلى تمثيلية ضعيفة لما يسمى بالأحزاب الديمقراطية الاجتماعية.

النتائج الأولية التي أفضت إليها الانتخابات أسهمت بشكل أو بآخر في دفع العديد من الأحزاب، خاصّة الأحزاب الديمقراطية الوسطية التي وجدت نفسها خارج السباق ولم تنل تزكية الناخبين (عدا الجبهة الشعبية) إلى إعادة ترتيب حساباتها بحثا عن تموقع جديد يضمن لها نوعا من الاستمرارية ويحول دون اضمحلالها، ويضمن “عدم الانسياق بالمسار التونسي إلى مراح لا تحمد عقباه”، على حدّ تعبير بعض قيادييها.

وعلى الرغم من أنّ هذه الأحزاب عادت تقريبا لتقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه قبل إجراء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، من خلال تشتتها وعدم تشكيلها لـ”قطب ثالث”، يختلف من حيث المضامين والمشاريع (خاصة الاقتصادية) عن النهضة والنداء وتخييرها خوض الاستحقاق الانتخابي منفردة بقائماتها الخاصة، إلاّ أنّ سرعة وعيها هذه المرة بفداحة ما أنتجه هذا الخطأ ربما ينم عن تشكّل وعي جديد وإرادة أقوى للتوحد حول مشرعها الذي تقول أنه يحفظ الحدّ الأدنى الاجتماعي.


خسارة الانتخابات دافع للتوحد


حسب عدد من المراقبين فإنّ إرادة التوحّد هذه الأحزاب، التي جاءت متخلّفة عن موعدها كالعادة، إن وجدت حقا من يجسدها على الأرض ربما تكون الضمانة الفعلية لعدم “تغوّل” حزب نداء تونس في السلطة، خاصّة أنّ إمكانية تحالفه مع النهضة باتت فرضية واردة، ربما تجد تجسيدا لها من خلال دعم هذه الأخيرة لمرشح النداء الباجي قايد السبسي للرئاسية مقابل تشريكها في تشكيل الحكومة المقبلة، ممّا يتيح له (النداء) التحكم في طرفي السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى الأغلبية التي يحظى بها تحت قبّة البرلمان.

الرصيد النضالي الذي حصلته الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية زمن الدكتاتورية لم يدعمها للفوز في الانتخابات التشريعية

في هذا الإطار، قال رضا لاغة عضو المكتب السياسي لحركة الشعب: “إنّ النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية الأخيرة، أعلنت عن اضمحلال عدد من الأحزاب الديمقراطية من الخارطة السياسية التونسية التي تتمتع برصيد نضالي محترم زمن الدكتاتورية، مقابل محافظة حركة النهضة الإسلامية على قاعدتها الانتخابية والصعود الكبير لحزب نداء تونس، وهو مؤشّر يمكن يفضي إلى مآلين اثنين”.

المآل الأول حسب لاغة، يتعلّق بـ”إمكانية إفراز مشهد كئيب يعود بنا خطوات إلى الوراء”، وفق تعبيره، حيث يقول: “إنّنا لا نستغرب أن يكون هناك التقاء بين هذين الحزبين ممّا يمكن أن يهدد سلامة المسار الديمقراطي ويفضي إلى وضع خطير، خاصة أنّ فرضية إتمام عملية مقايضة بين النهضة والنداء تتعلق بدعم السبسي للرئاسية مقابل تشريك الحركة الإسلامية في تشكيل الحكومة واردة، وهو ما من شأنه أن يُبين عن وجه مكتئب ربما يفضي إلى إعادة منظومة الحكم القديمة”.

أمّا ثاني هذين المآلين، في نظر رضا لاغة، فهو “بلوغ حالة من عدم الاستقرار الذي من شأنه أيضا أن يعصف بالمسار الانتقالي ككل، ففي حال قامت النهضة من جهتها بمناورة تكتيكية وأحجمت عن الانخراط في الحكم والمشاركة في الحكومة المقبلة، واختارت موقع المعارضة؛ فالمعارضة بالتالي ستصبح عالية النسبة والكم، وهذا طبعا لن يسمح للحكومة المقبلة بالعمل ولن يسهم قطعا في استقرار الأوضاع، ناهيك عن إشكال آخر مطروح يتعلق بكيفية تعاملها (النهضة) مع القوى المعارضة الأخرى التي تتباين معها على مستوى البرامج والمشاريع والرؤية المجتمعية، وهي التي فشلت بالأمس القريب في التعامل والتفاعل مع مقترحاتها لمّا كانت في الحكم”.

برلمان تونس المقبل صلاحيات فعلية ودور حقيقي لأول مرة
تونس - لا تختلف كثيرا صلاحيات البرلمان التونسي التي حددها له دستور البلاد الصادر في 26 يناير 2014 عن الصلاحيات المنصوص عليها في دستور 1959 الصادر تحت حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة واستمر في زمن حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي أطاحت به ثورة 2011.

سيمكن التعدد المنتظر للأطياف الحزبية التي ستشكل البرلمان التونسي المقبل، النواب من لعب دورهم بشكل أكبر وتأدية المهام وممارسة الصلاحيات المناطة بعهدتهم وفق صلاحيات واسعة، تمنح للبرلمان لأول مرة، وتحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، الأمر الذي يجسد ميلاد نسخة “ديمقراطية” من برلمان تونس.

وينص دستور 2014، بموجب المادة 64 على أنه “يصادق مجلس نواب الشعب بالأغلبية المطلقة لأعضائه على مشاريع القوانين الأساسية، وبأغلبية أعضائه الحاضرين على مشاريع القوانين العادية، على ألّا تقل هذه الأغلبية الأخيرة عن ثلث أعضاء المجلس″.

في هذا الصدد، لفت أستاذ القانون الدستوري، صادق بلعيد، إلى أن دستور 1959 كما الدستور الحالي وفي جميع الدول، يكرس في مواده فكرة ممارسة البرلمان للسلطة التشريعية (إصدار القوانين).

وتظهر المادة 55 من دستور الجمهورية التونسية لعام 2014 نقاط تشابه مع دستور 1959 حيث تنص على أنه: “ينتخب أعضاء مجلس نواب الشعب انتخابا عاما، حرا، مباشرا، سريا، نزيها، وشفافا، وفق القانون الانتخابي”، وهي الصياغة ذاتها تقريبا في دستور 1959.

وسيتمكن البرلمان المقبل ، استنادا لنصوص الدستور، من لعب دوره بشكل كامل.


محاولات التدارك المتأخرة


في سياق آخر، أعلن مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات، الذي كان أحد الفائزين في انتخابات 2011 وشارك في تركيبة الحكم التي تلتها رفقة حزبي النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية، عن مبادرة جاءت في شكل دعوة وجهها إلى قيادات الأحزاب الديمقراطية الوسطية، التي تسمّى في تونس بالقوى الديمقراطية الاجتماعية، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الاستحقاق الرئاسي المقبل، من خلال التوافق حول مرشح رئاسي واحد تلتف حوله جملة هذه القوى ويكون محلّ إجماع، يكون بمثابة الضمانة التي ستحول دون استئثار هذا الطرف أو ذاك بالسلطة، ويسهر على سلامة النهج الديمقراطي الذي اختارت تونس أن تمضي فيه.

هذه المبادرة، لئن وجدت صداها سريعا لدى الحزب الجمهوري والتحالف الديمقراطي الذي عبر أمينه العام محمد الحامدي عن “استعداده للانسحاب من السباق الرئاسي لصالح مرشح توافقي يمثل المشروع الديمقراطي الاجتماعي”، حسب ما أفادت به مصادر إعلامية، إلاّ أنّها مازالت تجابه بتحفظات عدّة ومشوبة ببعض الشكوك لدى عدد من قيادات الأحزاب المدعوّة الأخرى.

وفي هذا الإطار، أوضح رضا لاغة “أنّ هذه المبادرة صحيحة وسليمة من حيث الجوهر والمضامين، لكنها ليست قدر التطلعات على مستوى الترويج لها؛ فهي تُبين عن رغبة حزب لم تنصفه الانتخابات الفارطة، فاختار أن يتدارك الموقف لصالحه”، مؤكدا “أنّ حركة الشعب التي تبحث بدورها عن الاندماج مع العائلة الديمقراطية الموسّعة من أجل خلق التوازن في المشهد السياسي المقبل، لا يمكن أن تقبل بمبادرة لا تتنزّل في إطار المقاربة الوطنية، حيث أننا لا نرى مانعا في التواصل مع كلّ الأحزاب الديمقراطية والدفع قدر الإمكان في اتجاه التوافق حول مرشح موحد للرئاسية يتمتع برصيد نضالي يمكّنه من الالتزام بحماية المسار الديمقراطي”.

من جهتهم، يرى مراقبون، أنّ مبادرة بن جعفر هذه لا يمكن أن تضمن التفاف مختلف القوى الديمقراطية التي تمّت دعوتها حولها، لأسباب عدّة أهمها أنّها جاءت في نظر البعض منهم متأخرة لترتق ما خلّفته نتائج الانتخابات الأخيرة من فتوقات داخل حزب التكتل، الذي يبدو أنه كان أعظم الخاسرين السياسيين الذين جنى عليهم كسرهم لوحدة الصف الديمقراطي وتحالفهم مع حركة النهضة ذات المشروع الإخواني المناقض لتصوراتهم وتمثّلهم للمنوال الاقتصادي التضامني والنمط المجتمعي الحداثي الواجب دعمه والدفاع عليه، وفق رأيهم.

يذكر أنه من المقرر أن تجرى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في الثالث والعشرين من شهر نوفمبر المقبل، وهي أول انتخابات رئاسية بنظام الاقتراع المباشر تشهدها البلاد منذ الإطاحة بحكم بن علي عام 2011، حيث انتخب الرئيس الحالي المنصف المرزوقي عبر أعضاء المجلس التأسيسي في شهر ديسمبر 2011. وتنطلق الحملة الانتخابية للدورة الأولى للانتخابات الرئاسية يوم 1 نوفمبر القادم، ليكون يوم الصمت الانتخابي الخاص بها يوم 22 من نفس الشهر، واقتراع التونسيين المقيمين بالخارج سيكون أيام 21 و22 و23 نوفمبر القادم.

أما الانتخابات الرئاسية داخل تونس فستكون يوم 23 نوفمبر القادم، ليتم التصريح بالنتائج الأولية لهذه الدورة وكآخر أجل يوم 26 نوفمبر، والنتائج النهائية يوم 21 ديسمبر القادم.

7