الأحزاب الدينية.. ما فرضته من لغة وسلوك على الشارع

الأربعاء 2013/08/14
الحجاب يعد واجبا على الإخوانية والنقاب على السلفية

ما يخص أثر السُّجود في الجبين جاء في الآية: «سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا»(الفتح: 29). ويروى أن المحدث مساور الوراق (القرن الثاني الهجري) قال لولده في الريَّاء الدِّيني، واستخدام الثُّوم في صناعة السِّيماء (الجاحظ، كتاب الحيوان):

«شمر قميصك واستعد لقائلٍ/ وأحكك جبينك للقضاء بثُوم

وأجعل صحابك كلَّ حبر ناسكٍ/ حَسن التَّعهد للصَّلاةِ صؤومُ».

بلا صعوبة تستطيع كشف الإسلامي مِن بين آلاف النَّاس، أولاً أنه ملتحٍ بالضرورة، مع اختلاف حجم اللحية مِن جماعة إسلامية إلى أخرى. فالسلفيون عادة يميلون إلى اللّحى الطوال والإخوان عادة تكون لحاهم مهذبة بعض الشيء، ويُعرف الإسلامي مِن الثِّياب أيضاً، الإيراني منهم وحزب الله لا يضع في عنقه الرِّباط، وذلك لتحريمه شبه الرَّسمي مِن قِبل القيادة الإيرانية، وذلك لأنه كان مفروضاً ضمن البذلة الأوروبية مِن قِبل الشَّاه رضا بهلوي، الذي عُزل عن عرش إيران في بداية الأربعينيات مِن قِبل البريطانيين، مع أن الشَّائع، وهذا مستبعد، لأن الرباط يشير إلى الصَّليب.

لكن ما تقدم ليس أساسيا في تمييز الإسلاميين عن سواهم أكثر مما تقدم، ففي اللحى مثلاً هناك فنانون وكُتاب وناس مِن غير المتدينين يطلقون لحاهم، وكذلك أحبار اليهود والعديد مِن قساوسة ورهبان المسيح يطلقون لحاهم، والملابس أيضاً قد يشترك فيها الإسلامي وغير الإسلامي، إلا السلفيون فيتميزون بالثياب القصيرة، منها البذلة الباكستانية والأفغانية ومنها الدشاديش القصيرة، لكن في كل الأحوال أدخل الإسلاميون، على مختلف أصنافهم، أطرزة مِن الثياب وهيئات اللحى، مع وجود المسابح في الأيدي، والاستماع إلى الأناشيد الدِّينية في مسجلات سياراتهم أو الاستماع إلى ترتيل القرآن.

وهذا على العموم لا الخصوص، فقد يمارسها المتدينون مِن غير الأحزاب والمنظمات الإسلامية. هذا ومَن يريد التمييز بين الإسلامي وغير الإسلامي يمكنه التدقيق بهيئات المتظاهرين عند مسجد رابعة العدوية في القاهرة، ثم يلتفت إلى هيئات المتظاهرين في ميدان التحرير، ليدرك تماماً ما يميز بين الجماعات السياسية، أو يميز الإخوان عن سواهم. ولا ننسى أن الحجاب واجب على كل إسلامية إخوانية أن ترتديه والنِّقاب على كل إسلامية سلفية، ولعلك لا ترى النِّقاب في ميدان التحرير، أو بين تظاهرات التونسيين والتونسيات ضد حكومة حزب النَّهضة الإسلامية، لكن ترى الحجاب كمشهد عادي غير مرتبط بتدين سياسي.

قلنا إن الملابس والهيئات ليستا أساسا في التمييز بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، إنما هناك مائز آخر يبدو هو الأساس باستخدام مفردات لغوية خاصة، تراها مستجدة في محاولة إشاعتها بين النَّاس، حتى أن أُسر الإسلاميين تتحدث بها، وتعتبرها علامة فارقة عن غيرهم. فلا يجيبك الإسلامي عندما مهاتفته إلا بعبارة التحية: السّلام عليكم، وهو يبدأك بها وإن كنت البادي بالمكالمة، وبذلك انسحبت من ألسنتهم عبارة: صباح الخير أو مساء الخير.

بل إن هاتين العبارتين أصبحتا عند الجماعات الإسلامية فارقتين لغير الإسلامي بل لغير المسلم. مع أن التحية في القرآن لم تحدد بعبارة معينة إنما جاء في الآية: «وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا»(النِّساء 86). بينما عبارة السلام عليكم يتعامل بها اليهود وبالنطق نفسه «شالوم»، وهي كانت محصورة بين العشائر والدَّواوين ولم يفكر أحد أنها ذات مغزى ديني، لكن كرسها الإسلاميون كتقليد راسخ لديهم، ويتعاملون مع الآخر على أساسها، وحتى النساء أخذن يستخدمنها في اللقاء بين بعضهن البعض، وكأن هناك إنذارا واستعدادا لشيء ما كالمعارك مثلاً.

في الخطاب العام، سواء كان في محاضرة أو حفل أو بداية حديث لابد أن يبدأ الإسلاميون بالبسملة والحوقلة والصلاة على النبي، وهنا يأتي الاختلاف بين السنة والشيعة بتقديم الآل على الأصحاب أو العكس. في بعض الأحزاب، الشيعية على وجه الخصوص، تُستخدم مفردة «الرسالي»، أو «الرساليين»، كتعبير عن مفردة المجاهد أو المناضل أي حامل رسالة الإسلام، والدعوة إليها.

وتكاد بين الإسلاميين أن تٌفقد مفردة شكراً التي تُقال عادة بعد مساعدة أو تسهيل عمل ما، ويستعاض عنها بمفردات مثل: جعلها الله في حسناتك، أو في خير أعمالك.

يحاولون استخدام اللغة الفصحى المقعرة، لا اللهجات العامية، أي اللغة العبارة للحدود الوطنية، على أساس أنها لغة الإسلام، سوى كان ذلك في تبادل التحايا أو الحديث العام، مع استخدام مفردة الأخوة في الدين، وهو على ما يبدو نوع من تقمص «دولية الإسلام» مع امتداد التنظيم الديني إلى خارج الحدود. قد تسمع مفردة الاستغفار من الإسلامي السياسي عند رؤية فتاة بلا حجاب أو المرور على حانة ببلاد أوروبا تعبيرا عن الاستنكار، الذي هو من الإيمان فالاستنكار القلبي يعني التعبير بأضعف الإيمان حسب حديث نبوي.

إن شعارات مثل الإسلام هو الحل، ونريدها إسلامية إسلامية، وعبارة الله أكبر في التظاهر أو معارك الجهاديين، انسحبت أمامها شعارات الوطنية، وبدأت ترى محلات لحلاقة وتجميل النساء كتب عليها «يوجد قسم للمحجبات»، أو في محلات بيع الملابس هناك قسم خاص بالمحجبات، أو اللباس الديني، وهو ما تضيع به الهويات الوطنية والفلكلورية بالحجاب العام، الذي ترتديه الإيرانية والعراقية والمصرية، وقد شاع بين السلفيات اللباس الأفغاني، وهو ليس لباسا دينيا بقدر ما هو لباس قبائلي متشدد.

تظهر بين الإسلاميين ما يُعرف بالتكليف، وهو تطبيق ما جاء في الفقه على البنات، وهذه كثيراً ما تقام في حفلات يجري فيها فرض الحجاب عليهن بعمر السابعة، ويصبحن مكلفات بالفروض الدينية، ويمنع خروجهن بلا حجاب أو اللعب مع الأطفال الصبيان، أو مصافحتهن للرجال من غير المحارم، والبعض يقلص المحارم إلى الأب فقط. هذا ما أجراه محافظ بغداد السابق، وهو أحد أعضاء حزب الدعوة، على فتيات ملجأ الأيتام ببغداد، لما أخذ أحجبة لهن وأعلن تكليفهنَّ، وبذلك أصبحن يعاملن كالنساء البالغات، فيقال «مكلّفة» أي بلغت حد التكليف.

لقد تغيرت العديد من المفاهيم، في الفترة القصيرة التي حكم فيها الإسلاميون، وهو كله عبارة عن تمهيد لإعلان تطبيق الشريعة، كي تأتي من داخل المجتمع بعد الهيمنة على العقل فيه، وصياغته صياغة حزبية دينية. ومثلما تبدلت مظاهر الرجال والنساء في الملبس والتعامل تبدلت أيضاً الألسن، وصار الحديث العام وكأنه ضمن وقت الصلاة، ففي العراق مثلاً انتهى تقليد المدائح أو المراثي على المتوفين، التي أسست لأدب قديم، وكلها بعد الفترة الإسلامية تحولت إلى الحسين، فصارت أية وفاة هي مأتم للحسين، وما في ذلك من تغلغل للشخصية الدينية السياسية، وحتى الأعراس لم تعد أعراساً إنما لا يباح فيها الغناء ولا الموسيقى، وهذا ما تمارسه الجماعات الدينية داخل تنظيماتها وأسرها، ما تحاول فرضه على المجتمع بعد الوصول إلى السلطة.

على أية حال ربما بعد سنوات ستفتقد مفردة «شكراً» ومع السلامة، ومرحبا، ومساء الخير، وتهانينا بكذا، ليتحول كل شيء إلى الدين، وبذلك، سيفقد الدين نفسه تأثيره الأخلاقي والاجتماعي، بل سينتهي كعلاقة بين الفرد والله إلى علاقة الفرد مع الله عبر الحزب. إنه اختلاق شخصيات أخرى أو استرجاع العصور الخوالي ومحاولة تصالحها مع أدوات العصر، مع أنها نافرة بحكم الزَّمن.

13