الأحزاب السودانية تحت ظلال مبادرة الحكومة

الثلاثاء 2013/09/03

في اتجاهها نحو تشكيل حكومة جديدة، شرعت الحكومة السودانية في عقد لقاءات مع قيادات الأحزاب السودانية المعارضة كل على حدة. وبهذا فهي تتفادى مواجهة التجمع الشكلي لهذه الأحزاب تحت مسمى تحالف قوى المعارضة والذي تم تكوينه عام 2009. أول هذه اللقاءات عقدها الرئيس السوداني عمر البشير مع زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي، الأسبوع الماضي. جاء اللقاء وسط تكهنات بانضمام حزب الأمة إلى الحكومة الجديدة التي يُعتزم إعلانها بمشاركة عدد من أحزاب المعارضة الأخرى.

وبين ما رشح من أخبار وما تم نفيه بواسطة قياديين في الحزب، تظل الأسئلة حول هذه المشاركة قائمة، خاصة وأنّ هذا ليس أول عرض يتم تقديمه إلى زعيم حزب الأمة للمشاركة في الحكومة، فقد شارك الحزب على المستوى العائلي بتقديم العقيد عبد الرحمن المهدي نجل زعيم حزب الأمة مساعداً لرئيس الجمهورية. كما أنّ هناك تبريرا لإعفاء مريم الصادق المهدي من رئاسة اللجنة الإعلامية لهيئة تحالف القوى المعارضة وذلك حتى يتم تهيئتها للدخول في الحكومة الجديدة.

إلى أين يمكن أن تصل نتيجة هذا الحوار الثنائي بين الرئيس عمر البشير والصادق المهدي، فقد تحاورت الحكومة من قبل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان حتى أفضت الشراكة إلى انفصال جنوب السودان عام 2011. وتتحاور الحكومة منذ 2006 مع الحركات المسلحة في دارفور لإيقاف نزيف الحرب التي اندلعت منذ 2003، وما زالت تقرّب فصيلا وتستبعد فصائل أخرى، توقع اتفاقية وتخرج من أخرى، تدخل بعض زعماء الحركات من بوابة القصر الجمهوري ليخرجوا من دهاليزه عائدين إلى حركاتهم وسلاحهم.

يقف حزب الأمة الآن على مسافة واحدة ما بين الحكومة وقوى المعارضة. فالحوار بين الحزب والحكومة يشهد توافقاً على مستوى الرؤى رغم إعلانه عكس ذلك. أما المسافة التي يحفظها بينه وبين قوى المعارضة فتغلب عليها صفة الأبوية، وذلك بنزوعه إلى تمثيل المعارضة والتفاوض نيابة عنها. وكثيراً ما يبرز صوت الحزب متخذاً نبرة مختلفة عندما تتوحد بقية الأحزاب، وهو الأمر الذي ترفضه قوى المعارضة، كما ترفضه قواعد الحزب نفسه.

لقاء البشير بالمهدي الذي تم تدشينه إيذاناً بالاجتماع مع بقية القوى السياسية الأخرى، جاء وفق متغيرات جديدة يشهدها السودان. أهم هذه التغييرات وأخطرها أنّ السودان يشهد حالة انكسار برزت في معادلة تغوّل الدولة على المجتمع، والتي ابتدأت منذ انقلاب الإنقاذ 1989. حينها كانت الأحزاب السودانية حتى في مهجرها ترفع صوتها مقابل ضعف المواطنين، أما الآن فإن المواطنين باتوا يشعرون أن هذه الأحزاب لا تمثلهم بعدما كفت قياداتها التي تنتمي لأطياف سياسية مختلفة عن التحدث باسمهم وحصرت كل تفكيرها في اقتسام السلطة مع الحزب الحاكم. وإذا نظرنا إلى تركيبة القوى السياسية الداخلية في المشهد السوداني نجد أن تحالف قوى المعارضة يتشكل بصورة رئيسة من عدة أحزاب تقليدية عمرها أكثر من خمسين عاماً. تدخل هذه الأحزاب بإرادتها في حالة تعامٍ تام عما حدث لها على الأقل في الحاضر السياسي من عمر نظام الإنقاذ من خلافات، وصلت إلى التنكيل بها وتشريدها خارج البلاد قبل أن يسمح لها بالعودة مجددا. أما العودة فلم تكن سوى لعب على هامش الحريات التي لم تتوفر بشكل كامل لممارسة العمل السياسي، ولم يسمح لها إلا بالحد الذي يعمل على تحسين صورة النظام ويخلق نوعاً من التوازن المحسوب.

بعد كل ذلك تعود القوى المعارضة إلى الحوار بشكل طبيعي، وكأنها حالة من الخلافات على صعيد العلاقات الاجتماعية وليست اختلافات مبدئية تحركها رؤى وطنية وسياسية. وبهذا فإنّها تكشف هشاشة التكوين الحزبي لأحزاب عريقة تم تقسيمها بتسكين المنشقين عنها في السلطة مما جعلها تتعامل بالأفعال وردود الأفعال. وكثيراً ما يتم وصف تصالح المختصمين سياسياً بأنّها حالة سودانية خالصة، لكن لو تم التمعن فيها فهي لا تعدو أن تكون انعكاساً لعدم النضج السياسي، وأن الأحزاب السودانية تمارس السياسة من موقع العلاقات العامة.

وبهذا النوع من المبادرات التي أتقنتها الحكومة، فإنها تتفنن في جذب بعض القوى السياسية واستبعاد أخرى. ولم يقتصر ذلك على الأحزاب السياسية ولكن حتى الحركات المسلحة المعارضة عملت على تدجين بعضها من أجل محاربة الأخرى.

معاناة السودان وأزمته السياسية التي نتجت عنها أزمات اقتصادية طاحنة وعزلة دولية مريرة، لا تضع غير خيار واحد أمام تحالف قوى المعارضة. هذا الخيار هو مبادرة بديلة تفضي إلى حل سياسي شامل يحقق للشعب السوداني حالة من التوافق السياسي التي تمكنه من برمجة حراكه السياسي. فعجز الأحزاب أمام مدّ مبادرات الحكومة وتقصيرها عن القيام بدورها أدى إلى وقوع المواطنين تحت ضرر الأجندات الإقليمية والطائفية التي فاقمت الأزمة وأنجبت أزمات نسفت وحدة السودان التي ابتدأت بانفصال الجنوب، ولا أحد يدري أين يمكن أن تكون نهايتها.


صحفية سودانية

9