الأحزاب السياسية المصرية في قفص المحكمة

أدت التصدعات والخلافات الحزبية في مصر إلى تدخل القضاء المصري للفصل بينها، وقد كشفت عن هشاشة التجربة الديمقراطية المصرية، كما سمحت المتغيرات السياسية في مصر بأن يلعب القضاء دورا بارزا في مجراها نتج عنه تدخل القضاء في الحياة السياسية وتحقيق المعارضين للقرارات الحكومية مكاسب سياسية.
الاثنين 2017/02/13
الحسم في أروقة المحاكم

القاهرة - يجد القضاء المصري نفسه مضطراً إلى الحكم في قضايا كثيرة تحمل خلفيات سياسية وتصدعات حزبية، متأثراً بالحالة العامة التي أفرزت مؤسسات وجماعات عاجزة تفتقد الخبرات الواسعة في التعامل مع المشكلات التي تواجهها، ولا تملك قدرة على تحقيق انتصار سياسي فأصبح القضاء ملاذاً سهلاً للحصول على إنجاز ظاهر، من خلال أحكامه التي تحظى بقدر مناسب من الاحترام.

لكن الظاهرة الأبرز، كان بطلها الأحزاب المصرية التي فشلت في تطبيق الديمقراطية داخل أروقتها فلجأت إلى القضاء دون أن تكون هناك حلول سياسية للاتفاق على صيغة يرتضيها أعضاء الحزب الواحد وعجت ساحات المحاكم بقضايا تتعلق بخلافات شخصية بين القيادات، وكذلك بقضايا تتعلق بمستقبل القيادة داخل الأحزاب، بالإضافة إلى قضايا أخرى تهدف إلى سيطرة فريق بعينه على مقاليد الأمور داخل هذا الحزب أو ذاك.

غالبية القضايا تدور في فلك زعامة الأحزاب، بداية من حزب الوفد الليبرالي الذي ذهب أعضاؤه المعارضون إلى حد التشكيك في انتخاب رئيسه الحالي السيد البدوي والطعن في النتائج في الانتخابات التي أجريت مطلع 2015.

وينتظر حزب الدستور الليبرالي أيضا رأي القضاء في الانتخابات التي أجريت على رئاسته الشهر الماضي، وأفرزت انتخاب خالد داوود رئيساً للحزب في الوقت الذي نفت فيه لجنة ما يسمى “حكماء الحزب” إجراء انتخابات داخله وبالتالي بطلانها.

ويدور الصراع الأبرز حالياً داخل حزب المصريين الأحرار، الذي يملك 55 مقعداً في البرلمان متفوقاً على جميع الأحزاب الأخرى، فمنذ الإطاحة بمؤسسه نجيب ساويرس ومجلس الأمناء الذي كان يرأسه توالت الدعاوى القضائية للطعن في تلك القرارات التي لم يتم البت فيها حتى الآن.

وتكررت الأزمة في حزب فرسان مصر، وهو أحد الأحزاب الصغيرة الصاعدة، إذ تفصل محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في الدعوى المقامة من قبل مجموعة من أعضاء الحزب لسحب الثقة من رئيسه اللواء عبدالرافع درويش واستمرار المجلس الرئاسي للحزب ارتكاناً إلى وجود مخالفات جرت أثناء إجراء الانتخابات.

رغم انعكاس حالة الانقسام التي تعاني منها معظم الأحزاب المصرية على قضايا النزاع الحزبي التي ينظر فيها القضاء المصري، إلا أن هذه الأزمة لها جذور تاريخية، فالقضاء المصري كان شاهداً على العديد من الخلافات الحزبية في السابق، من أبرزها خلاف عام 2006 عندما طعن رئيس حزب الوفد آنذاك نعمان جمعة في قرار الهيئة العليا للحزب القاضي بفصله من منصبه، وهو ما مكنه من العودة إليه مرة أخرى.

ديمقراطية هشة

يقول أحمد البرعي وزير القوى العاملة المصري الأسبق لـ”العرب”، إن التجربة الديمقراطية الهشة والقصيرة التي مرت بها الأحزاب المصرية تعد سبباً رئيسياً في استفحال الخلافات داخلها والفشل في إيجاد حلول سياسية لها، لذلك يتم اللجوء إلى القضاء للبتّ في تلك الخلافات.

ويضيف “على الرغم من أن لجوء الأحزاب السياسية إلى القضاء عملية تعد سلبية، إلا أنها تحمل فوائد متعددة على رأسها الارتكان إلى مؤسسة شرعية لحل المشكلات والنزاعات الداخلية وهو ما أدّى إلى تدخل القضاء في أمور السياسة”. وأوضح البرعي -وهو من قيادات حزب التيار الديمقراطي المعارض- أن انسداد الأفق بالنسبة للقوى السياسية المصرية في الوقت الحالي قد يؤدي إلى لعب القضاء أدوارا أكبر خلال الفترة المقبلة، كما أن غياب اهتمام الأحزاب بشواغل الجماهير وتفرغها للنزاعات الشخصية يعززان الدور القضائي ويكشفان مدى ارتباك السياسيين خاصة في الآونة الأخيرة.

ويجمع العديد من الخبراء على أن ساحات المحاكم أضحت قبلة مفضلة للعديد من السياسيين المصريين الذين ارتكنوا إلى أحكام سابقة غيرت مجريات الأمور السياسية برمتها داخل البلاد، كان على رأسها حل مجلسي الشعب والشورى خلال حكم الإخوان قبل ثلاثة أعوام، علاوة على بطلان الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الأسبق محمد مرسي.

ولعب القضاء المصري دورا بارزا في التراجع عن قرارات رئاسية كالإطاحة بالنائب العام المصري عبدالمجيد محمود من جانب الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، والذي عاد إلى منصبه في عام 2013 بعد أن صدر حكم قضائي يقضي ببطلان قرار رئيس الجمهورية في ذلك الوقت. وهو ما ساهم في أن يكون القضاء جزءا من أساليب وأدوات معارضة الحكومة المصرية، إذ أن الارتكان إليه يجنب التيارات السياسية المختلفة مغبة الفشل في كسب تأييد الرأي العام، نتيجة انخفاض شعبيتها وانعدام قدرتها على الحشد، كما أن حكماً قضائياً يمكن أن يؤدي إلى تحقيق انتصار معنوي فشلت المعارضة في تحقيقه على مدار سنوات ماضية، الأمر الذي ظهر جلياً من خلال قضية تيران وصنافير.

أداة للمعارضة

القضية لم تعد مرتبطة فقط بالمعارضة أو أي أطراف مدنية أخرى، بل إن دوائر قريبة من الحكومة المصرية عملت خلال السنوات الماضية على اللجوء إلى القضاء لتمرير قرارات ورؤى سياسية بعينها، من خلال بعض القنوات، وخاصة المحامين الذين عُرفوا بحب الظهور والشهرة والتقرب من السلطة.

أحمد البرعي: التجربة الديمقراطية الهشة التي مرت بها الأحزاب المصرية سبب في استفحال الخلافات

وقالت مصادر قضائية لـ”العرب”، إن محاكم مجلس الدولة المنوط بها النظر في النزاعات مع الحكومة ومؤسسات الدولة، شهدت العام الماضي أكبر نسبة من القضايا المرفوعة أمامها، وبلغت حوالي 500 ألف قضية، بالإضافة إلى قضايا متراكمة منذ سنوات لم يتم البتّ فيها حتى الآن تبلغ 2 مليون قضية، وأن غالبية تلك القضايا ذات خلفيات سياسية.

وكانت قضية تيران وصنافير مدخلاً لرفع العديد من القضايا ضد اتفاقيات وقعتها الدولة المصرية على مدار العامين الماضيين، على رأسها اتفاقية تعيين الحدود مع اليونان وقبرص، في ما لم يسلم الاتفاق الثلاثي الذي وقعه الرئيس المصري قبل عامين بشأن سد النهضة من تلك الدعاوى، وفي الوقت الحالي ينظر القضاء في دعويين مختلفتين في هذا الشأن.

وأصدر القضاء بعض الأحكام بتصنيف حركة حماس وحزب الله وكتائب عزالدين القسام كمنظمات إرهابية، وهو ما تكرر مع جماعة الإخوان وبعض التنظيمات الإسلامية والألتراس وحركة 6 أبريل، وعدد من الحركات والخلايا الأخرى، في ما تم قبول الطعن في تنفيذ بعض هذه الأحكام، كما الحال بالنسبة إلى حركة حماس.

ويصطدم الارتكان إلى مؤسسة القضاء لحسم العديد من القضايا والخلافات التي تحمل أبعادا سياسية برأيين متناقضين، الأول أن إقحام القضاء في قضايا تحمل أبعاداً سياسية مضر بالمؤسسة القضائية أكثر مما هو مضر بالعملية السياسية، فالسماح للقضاء بتقرير مصير القضايا المتعلقة بالأوضاع الراهنة يجعله طرفاً أساسيا ومحدداً لأصول اللعبة السياسية وهو ما يتنافى مع الحديث عن استقلاليته التامة.

ويذهب الرأي الآخر إلى أنه من الطبيعي أن تنتقل الخلافات إلى ساحات المحاكم، باعتبارها حكماً قانونياً وشرعياً بين الجميع، كما أن هناك بعض القضايا التي تنطوي على أبعاد سياسية، وتحتاج إلى قرارات حاسمة دون اللجوء إلى مواءمات لحلها، مثل قضايا تصدير الغاز لإسرائيل واتفاقيات تعيين الحدود، وبالتالي فإن مؤسسة القضاء تعد الوحيدة القادرة على التعامل معها.

وأكد شوقي السيد الفقيه القانوني، لـ”العرب”، أن المناخ السياسي الذي تشهده مصر حاليا أفرز نوعاً جديداً من القضايا تحمل أبعاداً سياسية، إذ أن الصراع على السلطة في مصر منذ اندلاع ثورة يناير 2011، انعكس على نوعية القضايا المعروضة أمام المحاكم والتي تغلب عليها سمة الخلاف السياسي.

وأضاف أن غالبية القضايا المعروضة مرتبطة إما بعمليات إرهابية وحركات معارضة يجري التعامل معها قضائياً من قبل الدولة، وإما بقرارات سياسية اتخذتها الحكومة، مشيراً إلى أن صعوبة تلك القضايا تتمثل في أعداد المتهمين بها وصفاتهم الرسمية، فقضايا الإرهاب وصل عدد المتهمين فيها إلى 500 متهم وهو ما يثقل كاهل المؤسسة القضائية.

ولفت إلى أن العديد من القضايا لها تبعات سياسية حساسة إذ بإمكانها التأثير على منحى العلاقات المصرية الدولية كما الوضع في قضايا تعيين الحدود، أو تزيد من احتمال تنازع السلطات بسبب أحقية كل منها في اتخاذ القرار، وهو أمر ناتج عن إشكال قانوني يحتاج إلى تعديل للحد من اللجوء إلى القضاء في البعض من القضايا السياسية.

7