الأحزاب الشيعية تزرع ألغامها الطائفية في مناهج التعليم العراقية

محاولة لتضمين المنهج سردية الميليشيات عن "تحرير" البلد من داعش.
الجمعة 2020/11/20
الغزو الإيراني يطال عقول الناشئة

الحرب الضروس التي شهدها العراق ضدّ تنظيم داعش بين سنتي 2014 و2017 رغم أنّها انتهت بهزيمة عسكرية مدوية للتنظيم وأفضت إلى استعادة المساحات الشاسعة من الأراضي العراقية التي كان قد احتلّها، إلا أنها فرضت على المجتمع العراقي التعايش مع جسم طارئ على الدولة ومتطفّل على جميع مهامها واختصاصاتها دون استثناء، هو الحشد الشعبي الذي لا يَقنَع قادتُه بمحاولة التأثير في السياسة وصناعة القرار، بل تمتد طموحاتهم إلى التأثير في المجتمع وتوجيه فكره ووجدانه.

بغداد - لم يعد حمل السلاح واستخدامه دون ضوابط، يمثّل سوى جانب واحد من مظاهر تغوّل الميليشيات الشيعية في العراق، وذلك مع اقتحام تلك الميليشيات المشكّلة للحشد الشعبي المجال السياسي سواء عبر قادتها النافذين المشاركين في صياغة سياسات الدولة وصنع قرارها، أو عن طريق الكتلة البرلمانية الوازنة الممثلة للحشد في البرلمان والمشاركة بفعالية في التشريع ومراقبة عمل الحكومة.

وشجّع الدور المتعاظم للحشد قادته على اقتحام مختلف المجالات وأكثرها تأثيرا في المجتمع أملا في السيطرة عليه فكريا ووجدانيا بما في ذلك مجال التعليم، حيث شكلت هيئة الحشد الشعبي لجنة علمية خاصة، مهمتها “تضمين موضوعات حول الحشد ضمن مناهج وزارة التربية”، وذلك في أحدث صيحة من صيحات الغزو الإيراني للعراق سياسيا وأمنيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا.

وكشفت وثيقة رسمية عن وجود كيان قانوني خاص داخل هيئة الحشد الشعبي يدعى “مديرية التربية والتعليم”، وكيان آخر يحمل عنوان “قسم التعليم الجامعي”.

أحزاب الإسلام السياسي الشيعي نجحت في اختراق مناهج التعليم في العراق وضمنتها إشارات طائفية من وجهة نظرها

ووجه مدير “مديرية التربية والتعليم” في هيئة الحشد الشعبي، حسين حيدر جاسم البخاتي، خطابا إلى وزارة التربية ووزارة التعليم العالي، يعلمهما فيه بقراره تشكيل لجنة برئاسته، وعضوية ستة آخرين، بينهم خمسة يحملون شهادة الدكتوراه، لتضمين موضوعات عن الحشد الشعبي في مناهج وزارة التربية.

وأثارت هذه الوثيقة سخرية كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها فتحت الباب أمام تساؤلات بشأن المخططات التي تستهدف ضرب وحدة البلاد.

ومنذ إسقاط نظام صدام حسين على أيدي القوات الأميركية في 2003، تحاول أحزاب الإسلام السياسي الشيعية اختراق مناهج كل من وزارة التربية ووزارة التعليم العالي لتوجيههما في طريق يتماشى مع عقيدتها الطائفية.

ورغم الممانعة الكبيرة التي أبداها المجتمع العراقي لهذه الميول الطائفية، إلا أن أحزاب الإسلام السياسي نجحت، خلال الأعوام الماضية، في تحقيق اختراقات جزئية للمناهج، وضمّنتها إشارات طائفية تعكس قضايا تاريخية من وجهة نظرها.

ومع ذلك تعتقد أحزاب الإسلام السياسي الشيعية أنها لا تنال جميع “حقوقها” لاعتبارها تمثل أغلبية السكان، على حد زعمها، وهي أغلبية يجب أن تتجسد في المناهج التعليمية، بعيدا عن الفائدة العلمية ومقتضيات العملية التربوية، وهو طرح لا يحظى بالاحترام حتى داخل الأوساط الشيعية الشعبية.

ويسود اعتقاد على نطاق واسع بأن تغيير المناهج وفقا للرؤية الشيعية في العراق هو مطلب إيراني وليس عراقيا، لأن المناهج الدراسية هي بوابة اختراق المجتمع، الذي تريده إيران أن يكون دينيا، تمهيدا لتطبيق نظرية الولي الفقيه.

ويبدي طيف واسع من رجال الفكر والثقافة العراقيين، لاسيما من لهم صلات مباشرة بقطاع التعليم، قلقا بالغا من المحاولات المتزايدة للأحزاب الدينية والميليشيات المرتبطة بها لاختراق المجال التعليمي والتربوي، ما سيمثّل قضاء نهائيا على أمل إقامة الدولة المدنية الذي لا يزال يساور بعض النخب.

التعليم في العراق، خلال السنوات الماضية، أضحى بؤرة لصياغة جيل طائفي
التعليم في العراق، خلال السنوات الماضية، أضحى بؤرة لصياغة جيل طائفي

وعلى الرغم من التراجع المخيف في قطاع التعليم في العراق خلال السبع عشرة سنة الماضية على مختلف المستويات سواء ما يتعلّق بالإمكانيات المادية المرصودة له والتي يظهر ضعفها في التهالك الشديد للبنى التحتية التعليمية، أو في مستوى التكوين وصياغة البرامج وطرق التدريس، فإنّه يبقى من بؤر الضوء القليلة في البلد الذي شهد تراجعات كبيرة في كل المجالات.

وتريد إيران تضمين المناهج الدراسية روايات عن الدور “الأسطوري” للحشد الشعبي في الدفاع عن العراق عندما تعرض إلى هجوم واسع شنه تنظيم داعش بدءا من صيف 2014 انتهى إلى احتلاله ثلث أراضي البلاد.وتعود أحزاب الإسلام السياسي الشيعية إلى فتح ملف المناهج الدراسية، كلّما أتيحت لها الفرصة، وهو ما حدث مؤخرا في قضية الحشد الشعبي.

وبالرغم من أن الجانب الأكبر من معارك طرد التنظيم خلال الأعوام اللاحقة خاضته قوات الجيش والشرطة العراقية، بمعونة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وقدمت خلاله تضحيات جسيمة، إلا أن الإعلام العراقي الذي تسيطر عليه إيران سرق الأضواء لصالح الحشد الشعبي، مفضلا تقديم سردية طائفية تحصر المعركة بين داعش السني والحشد الشعبي الشيعي على السردية الوطنية الموضوعية لمعركة وقعت بين دولة وتنظيم مسلّح بالغ التشدّد والدموية.

وتستند سردية الحشد الشعبي الطائفية إلى فكرة خيالية، مفادها أن إيران ساعدت العراق مجانا خلال تعرضه لهجوم داعش.

لكن وثائق وزارة الدفاع العراقية تؤكد أن بغداد دفعت قيمة جميع الأسلحة والذخائر التي استوردتها من إيران خلال حقبة الحرب ضدّ التنظيم.

وتسعى إيران لتكريس فكرة أن الحشد الشعبي هو المظلة الأمنية للشيعة في العراق الذين يتعرضون لاستهداف سني داخلي وخارجي.

وتقول مصادر في وزارة التربية العراقية إن أجهزة الوزارة تعرضت لضغوط إيرانية كبيرة خلال الأشهر الماضية لتضمين وجهة نظر طائفية عن الحشد الشعبي في المناهج الدراسية.

وتكمن خطورة التعديل الذي تسعى الميليشيات إلى إدخاله على مناهج التعليم، أنّه يكرس المزيد من الانقسام داخل المجتمع العراقي على أساس طائفي، إذ من المؤكّد أنّ تلفظ المكونات غير الشيعية في العراق ما ستتضمنه الكتب والمناهج من روايات تحكي “بطولات” الحشد الشعبي و”نبله” و”رفعة” أخلاق منتسبيه، فيما كانت شرائح واسعة من سكّان المناطق السنية التي شهدت الحرب على تنظيم داعش قد عاشت على أرض الواقع عكس ما هو وارد في تلك الروايات، حيث مارست الميليشيات المشكلّة للحشد عنفا مبالغا فيه ضدّ سكان تلك المناطق وعاملتهم كمتعاطفين أو متعاونين مع تنظيم داعش، حتى يُثبتوا براءتهم من ذلك، واعتقلت الكثير منهم خارج نطاق القانون وغيبّت آخرين لا يزال مصيرهم مجهولا إلى حدّ الآن، كما أجبرت سكان بعض المناطق على مغادرة ديارهم ولا تزال تمنعهم من العودة إليها، على غرار منطقة جرف الصخر جنوبي العاصمة بغداد التي أخلاها الحشد الشعبي من سكّانها السنّة ولا يزالون إلى اليوم ممنوعين من العودة إليها.

ويقول مراقبون إن إيران تحث أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التابعة لها في العراق على تبني أطروحات طائفية حادة لإذكاء الانقسام مع السنة والأكراد، وقطع الطريق على جميع فرص نشوء مشروع سياسي وطني في البلاد.

13