الأحزاب الشيعية في العراق تكسب جولة في صراع البقاء بالسلطة

نظام الأحزاب الدينية القائم في العراق تمكّن بفضل مناورة مقتدى الصدر من اجتياز مرحلة حرجة، لكن إلى حين، حيث ما تزال الأسباب التي أطلقت موجة الغضب الشعبي السابقة في العراق قائمة بل مرشّحة للتفاقم، ما يجعل الشارع العراقي مهيّأ لانفجار جديد لن يكون الصدر قادرا على تطويقه.
السبت 2016/04/02
كل اعتصام وأنتم بخير

بغداد - مال أغلب المحلّلين السياسيين إلى اعتبار توجّه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي نحو تشكيل كابينة وزارية جديدة من التكنوقراط “خطوة إجرائية شكلية، بعيدة عن تلبية مطالب الشارع بالإصلاح الشامل ومحاربة الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة”، متوقّعين انطلاق موجة جديدة من الغضب الشعبي، بعد نجاح الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في تطويق الموجة الأولى التي انطلقت الصيف الماضي.

واستندت تلك التحليلات إلى ما عجّت به وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من خيبة أمل عبّرت عنها شخصيات عراقية مستقلة ونشطاء سياسيون ومدنيون، ممّا آلت إليه الحركة الاحتجاجية القوية للمطالبة بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين وتحسين الأوضاع المعيشية السيئة، ووصلت ذروتها مع رفع شعارات تطالب بالتخلّص من نظام المحاصصة وحكم الأحزاب الدينية المسؤول عمّا آلت إليه أوضاع الدولة العراقية من تراجع شديد على مختلف الصعد والمستويات.

وفي المقابل تحرّكت الآلة الدعائية للأحزاب الشيعية العراقية من وسائل إعلام ومنابر دينية تبشّر بـ”عهد جديد في العراق”، وبانتصار باهر حقّقه زعيم التيار الصدري في مجال الإصلاح ومحاربة الفساد.

وقال علي النعماني، إمام وخطيب الجمعة بمدينة الكوفة، إنّ حركة الصدر “أنهت المحاصصة الطائفية وأسقطت رهانات المرجفين”، “معتبرا “أن حركة الإصلاح انبثقت من جديد لإنقاذ البلاد”.

وأضاف النعماني أن “الإصلاحات آتت أولى ثمارها بعد أن رضخت الحكومة لمطلب العراقيين الذي حمله رمز الإيمان والصبر السيد مقتدى الصدر وخلفه الملايين من شرائح المجتمع العراقي”.

ويتجاهل مثل هذا الموقف حالة الامتعاض التي سادت العديد من الأوساط الشعبية والنخب السياسية العراقية على إثر تقديم رئيس الوزراء حيدر العبادي الخميس تشكيلة حكومته إلى البرلمان، ومسارعة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى إنهاء اعتصامه داخل المنطقة الخضراء، واعتصام أنصاره خارجها في خطوة بدت منسّقة مع حكومة العبادي وباقي الأطراف السياسية المستفيدة من العملية السياسية ومن نظام المحاصصة القائم في البلاد، وعلى رأسها الأحزاب الشيعية.

وكان العبادي سلّم، الخميس، رئيس البرلمان سليم الجبوري تشكيلته الوزارية الجديدة ضمن ملف مغلق، وتعهد بتسمية رؤساء الهيئات المستقلة خلال مدة أقصاها شهر واحد، فيما حدد الجبوري عشرة أيام لمناقشة الوزراء المرشحين وشهرا لحسم الهيئات والمناصب الأمنية.

مقتدى الصدر أوقف الحراك الاحتجاجي في اللحظة المناسبة عند اقترابه من حافة هاوية إسقاط حكم الأحزاب الدينية

وأظهرت تسريبات نشرتها وسائل إعلام عراقية اختيار عدد من الجامعيين والتقنيين لشغل الحقائب الوزارية مع الإبقاء على حقيبة وزارة الداخلية بيد منظمة بدر الشيعية ممثلة بالوزير الحالي محمد سالم الغبان، وأيضا الإبقاء على خالد العبيدي عضو ائتلاف متحدون وزيرا للدفاع.

ومن الأسماء المقترحة أيضا، اسم عالم الجيولوجيا نزار محمد سليم نعمان وزيرا للنفط، وعلي عبدالأمير علاوي حامل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال وزيرا للمالية، والشريف علي بن الحسين المختص في الاقتصاد وزيرا للخارجية، والقاضي محمد حسين نصرالله وزيرا للعدل.

كما تحدّثت التسريبات عن دمج وزارة المالية مع التخطيط، والنقل مع الاتصالات، والعمل مع الهجرة، والزراعة مع الموارد المائية، والشباب مع الثقافة، والصناعة مع التجارة، والإعمار والإسكان مع البلديات.

ومأتى الامتعاض من هذه الخطوة أنّ مجرّد الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة من تكنوقراط أو غيرهم يظل أبعد ما يكون عن المطالب الشعبية بتحسين الأوضاع المعيشية وبمحاسبة الفاسدين من كبار قادة الدولة وزعماء الأحزاب ورموز القضاء، والمسؤولين عن هدر وسرقة مئات المليارات من الدولارات، ما جعل حركة التنمية في حكم المتوقفة بشكل تام منذ سنوات.

ومن هذا المنظور اعتبر متابعون للشأن العراقي، أنّ ما جرى الخميس يعدّ انتصارا للأحزاب الشيعية التي نجحت في تطويق حركة الاحتجاج باستخدام جماهيرية مقتدى الصدر الذي استولى على الحراك الشعبي وتمكّن من التحكّم فيه وإدارته، وصولا إلى إنهائه في اللحظة المناسبة حين بدا أنّه يلعب على حافة هاوية إسقاط نظام حكم الأحزاب الدينية.

غير أنّ هؤلاء نبّهوا إلى أنّ الأمر يتعلّق بمجرّد انتصار ظرفي للأحزاب الشيعية، لأنّ الأسباب التي أطلقت موجة الغضب في الشارع العراقي ما تزال قائمة، وأنّ موجة أعتى ستنطلق مجدّدا حين يلمس الشارع عجز “حكومة التكنوقراط” الجديدة عن تغيير الأوضاع الآخذة في المزيد من التفاقم مع اشتداد الأزمة المالية في البلاد، وفي ظلّ مواصلة رموز الفساد تحكّمهم باللعبة السياسية من وراء ستار الحكومة التي شاركوا أصلا في اختيار وزرائها.

ويتوّقع أن تكون موجة الغضب الشعبي القادمة أوسع مدى وأعتى من سابقتها، وأكثر إحراجا للأحزاب الدينية الحاكمة التي لن تستطيع إعادة توظيف مقتدى الصدر في تطويق الحراك الاحتجاجي على غرار ما حدث مؤخـرا لأنّ اللعبة ستكون قد انكشفت للجميع.

وقال أحد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي “إنّ العراق سيكون على موعد مع صيف ساخن حين تتجدّد أزمة الكهرباء التي لا يتوقع أن تحل خلال أشهر قليلة”، مضيفا أن “حرارة الصيف القادم ستكون حارقة لجميع شركاء العملية السياسية ولحكومة التكنوقراط الجديدة”.

3