الأحزاب الطائفية.. تطرف وتقويض لأسس التسامح

الثلاثاء 2013/12/24
الدولة تتلاشى ويحضر الحزب، فيتأخر الدين وتعلو الطائفة

تسامح الأديان وحوارها وانفتاحها على بعضهما، حدث مطلوب ومحمود ومضمون داخل الأديان ذاتها، طالما أنها لا تحتوي إشارات دالّة على التعصّب أو على الغلوّ، بل تشتركُ جميعها في القول بأنها جميعا تمثل في نهاية المطاف مشروعا إلهيا واحدا متكاملا بصرف النظر عن الاختلافات المراعية لظروف التنزيل. هذا قول بديهيّ يحظى بالإجماع والاتفاق لكنه أيضا يدفع إلى التساؤل عن دوافع ممارسات مغالية سامة تصدرُ بمسوّغات أو مسميات دينية.

الممارسات التي قد يفهمُ منها تقويضا لإمكانية التعايش بين الأديان وتبادلها الهادئ لمشتركها، واحترامها الواعي لاختلافها، هي- مثلا- الانتصار للانتماء الطائفي على حساب التديّن الموحّد للبشرية. وفي هذا إقرار أول بأن الأديان جميعها (مثلما أسلفنا) تحثّ على التعايش والتسامح، وتقرّ بأن تقدّم مشروعا دينيا وحضاريا واجتماعيا موحّدا وإن اختلفت التعبيرات. أما الطائفية فهي اشتقاق سياسي ممارساتي من «الطائفة» وهي انتماء أضيق من الأديان أولا، ينبع من قراءات بشرية- قد تخطئ وقد تصيب- للنص الديني، ويحيل ثانيا على تحويل ذلك الانتماء إلى فعل سياسوي محموم لا يعترف بالآخر بل يلغيه.

هنا، يمكن استحضار أمثلة عديدة لتيارات سياسية وأحزاب طائفية، ملأت «الدنيا وشغلت الناس» بغلوّها و»كفرها» باعتدال الأديان وتساميها عن العنف والتكفير والتفجير واعتبار الآخر «جحيما».

حزب الله اللبناني، مثال «بليغ» عن الاصطفاف جنب الطائفة، ومجاوزة الدين الإسلامي بكل ما يحمله من دلالات حاثّة على الحريّة والتعايش الهادئ واحترام المختلف في عقائده وإيمانه. في وجود حزب الله ذاته اعتداء مزدوج؛ على الدين أولا وعلى المواطنة ثانيا. الاعتداء الأول يكمنُ في إعلاء المذهب على الإسلام، وبالتالي اعتبار الانتماء الشيعي أسبق وأهمّ من الاشتراك في الإيمان بالدين الإسلامي، ولاشك أن أبناء المذهب الشيعي ذاته لا يؤمنون جميعهم بمسوّغات حزب الله لأنها سياسية صرفة. وهذا يحيل على الاعتداء الثاني على قيم المواطنة التي تعني العيش المشترك داخل وطن جامع يضم الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية.

المواطنة والعيش داخل وطن جامع يحترم جميع أبنائه بصرف النظر عن أديانهم، لا يعنيان القفز على الأديان أو تجاوزها، ولا يعنيان أيضا عدم الاعتراف بالخصوصيات المذهبية والطائفية والعرقية واللغوية، بل إن كل ذلك حين يوضع في وعاء مدني يمكن أن يتحوّل إلى مصدر إثراء وتنوع وتعدد.

لكن العيش داخل وطن بمقولات طائفية صرفة ترى الوطن والآخر بعد الطائفة، هو ضرب من التعصّب والقبلية السياسية التي تستعرُ كلما توفرت دواعي اتقادها، هو أيضا نكوص وتراجع إلى لحظة ما قبل أشكال التنظم الحديثة التي توصّل إليها العقل البشري، بأن ابتكر الدولة والسلطة والقوانين، وانتظم صلب فضاءات حديثة من قبيل الأحزاب والجمعيات والنقابات وغيرها من أشكال الانتماء التي ترقى على انتماءات قروسطية (القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب وغيرها). مع الإقرار بأن تلك الأشكال الحديثة لا تعني إلغاء للأشكال القديمة، بل هي سموّ واعتراف واع بها، فأن ننتظم في وطن يحترم نفسه وأبنائه فذلك يعني أن ينظر كل فرد إلى السماء كما يشاء، ويعيش في وطن يضمن الحد الأدنى المشترك للجميع.

هذا كله يتناقض جذريا مع ما يصدره حزب الله (وغيره من الأحزاب الطائفية في العالم العربي) وخاصة أبناء الطائفة التي يخوض حزب الله غمار السياسة باسمها.

لكن الضرر الأكبر يستهدف الوطن ويهدد سلمه الأهلي، فأن يمتلك الحزب الطائفي هذا جيشا وسلاحا ومؤسسات ومدارس وفرقا رياضية.. فإن ذلك يعني أنه يقدم نفسه «دولة موازية» للدولة الأصل، بما يعني أنه لا يعترف بها وبحدودها وسيادتها وأمنها. أن يقدم هذا الحزب (أو غيره) خطابا سياسيا مفعما بالمقولات الطائفية وبوجوب حماية الطائفة فهذا يعني إلغاء للآخر (السنّي أو المسيحي أو غيره). أن يخوض حزب الله حربا في دولة أخرى منتصرا لطرف على حساب طرف آخر باستعمال المسوّغات الطائفية ذاتها (حماية المراقد تارة وصون المقاومة تارة أخرى) فذلك اعتداء مركّب على الوطنية وعلى كل الطوائف وعلى جوهر العمل السياسي وعلى نبل الأديان وخصوصية المذاهب والطوائف.

فالأديان والمذاهب والطوائف لا تحتاج جيوشا تحميها وخطابا متعصبا يبدد عنها الأخطار، بل تحتاج تعميق الإيمان بها، واستحضار ما يجمعها بغيرها. ولذلك كله يمثل حزب الله اللبناني وغيره من الأحزاب الطائفية تقويضا لكل إمكانيات التسامح والتعايش بين الاختلافات الدينية.

وجود حزب الله منذ تأسيسه كان خطأ في الممارسة السياسية، وكان تعبيرا عن عرج فكري وحضاري يسود الساحة السياسية العربية الإسلامية؛ يختزل في أن الانتصار للطائفة إذا ارتفع منسوبه وزاد عن حده واقتحم مجالات السياسة، فإنه سيعود وبالا على السياسة وعلى الخصوصية المذهبية، ويقدمُ صورة مغشوشة رديئة فجة لجوهر الدين الإسلامي القائم على اليسر والإيمان الهادئ المحترم لكلّ اختلاف.

13