الأحزاب المغربية والتشويش على الديمقراطية

السبت 2017/01/14

واضح أن مخاض تشكيل الحكومة المغربية طويل ومقلق، ولأن الحرب هي فعلا على المواقع والكراسي، فقد تحولت مشاورات زعماء الأحزاب إلى ميدان تنافس بامتياز، بدل أن تكون فرصة لتكريس ديمقراطية الاختيار التي مارسها المغاربة في السابع من شهر أكتوبر 2016، فتحولت المشاورات إلى مشهد سريالي لم يعد أحد يفقه شيئا في ألوانه المتداخلة والقصف المستمر بقنابل البيانات.

منذ ثلاثة أشهر ونحن نشهد حراكا هستيريا على المشاركة في الحكومة، الذي لم نعد نفرق فيه صراحة بين خريج مدرسة اليسار ولا من هو متشبع بقيم اليمين. أمام كرسي الوزارة تماهى اليساري مع اليميني، فشكلا قوة ضاربة لهتك عرض التعددية والتمايز الحزبي.

إنه العبث السياسي بامتياز. فجل الأحزاب تناضل اليوم من أجل كعكة الحكومة والهروب من تحمل مسؤولية المعارضة. ففي أي نظام ديمقراطي يحترم نفسه توجد معارضة متنبهة لكل الاختلالات التي يمكن أن تنتج عن التسيير اليومي للحكومة.

فعلا الدستور لم يحدد سقفا زمنيا لتشكيل الحكومة، لكن لا يعني هذا ترك المجال مفتوحا للأطراف السياسية دون حثها على التوافق على صيغة عملية ومنطقية للتداول حول منهجية التدبير الحكومي والتحالف على أساس عوامل وقيم مشتركة.

يبدو أن زعماء الأحزاب السياسية استحلوا لعبة الزمن فاستغلوه في معركة تكسير العظم في ما بينهم، مهددين قيم التوافق على خدمة مصالح البلاد والعباد والمساهمة في تفريغ الفصل 47 من روحه الذي يحقق في العمق المنهجية الديمقراطية.

دعم مسار الخيار الحكومي من خلال إعادة التشكيلة التي عرفناها في السنوات الخمس الماضية كما صرح بذلك رئيس الحكومة المغربية المعين، عبدالإله بن كيران، تدعمه فرضيتان، الأولى هي أن صراعا بين موازين القوى المتعددة وصل إلى حالة من التصادم بين الرؤى في تقييم النتائج الانتخابية، فتم التوافق على إعادة الهيكلة الحكومية الأولى بدل إعادة الانتخابات التي ستكون مكلفة. الفرضية الثانية تحكم السياقات والظروف ذات الصلة بتسريع هندسة قرار تشكيل الحكومة يفرض حلا وسطا يعطي الأولوية للمنهجية الديمقراطية دون رفع سقف التوقعات ولا الضغوطات.

بين الديمقراطية والدكتاتورية خيط رفيع يمكن أن يتآكل بسهولة ويسر كلما تكثفت الرغبة في استغلال الآلة الديمقراطية لاستجماع قوة الدكتاتورية، وكلما توحدت المصالح الشخصية ضد رغبات الصالح العام. بينهما عنصر جامع وآخر يقع سدا منيعا لاختلال موازين القوى بينهما، إنه الثقة والتوافق والرغبة العميقة في تسهيل التداول على السلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وإلى قانون المحاسبة.

اليوم تتصرّف بعض الأحزاب المغربية بلهفة غريبة للمشاركة في الحكومة، رغم أن المواطن المغربي الذي شارك في العملية الانتخابية لم يمنحها تفويضا فعليا لفرض وجهة نظرها باعتبار النتائج الهزيلة التي حازتها، إلا أن الغريب في الأمر أن هناك من يفرض شروطه بعجرفة، وآخر يهدد بالويل والثبور إذا لم يشارك وكأن لهم فعلا امتداد شعبي ومؤسساتي يؤهلهم لفرض أنفسهم دون وجه حق.

فها هو إدريس لشكر، رئيس الاتحاد الاشتراكي، يؤكد في بحر الأسبوع الماضي على استعداده المشاركة في حكومة بن كيران مهما كانت الظروف، وأصدر حزبه بيانا في هذا الصدد، رغم أنه شدد في عز الحملة الانتخابية السابقة في أكتوبر الماضي على أن “التحالف بين الأحزاب يقتضي عدم التناقض في المرجعية السياسية، وإذا حقق الحزب نتائج أقوى من انتخابات 2011، يدفعنا نحو التدبير الحكومي مع الأحزاب المتجانسة معنا”.

لكن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بوأت حزبه مراتب متدنية مقارنة بانتخابات 2011، والعدالة والتنمية الحزب الذي تصدرها لا تجمعه بالاشتراكيين سوى مرجعية البطاقة الوطنية. فسلوك إدريس لشكر الجديد يدفعنا إلى الاستفسار حول السر وراء هذا الاندفاع غير المفهوم نحو المشاركة في حكومة لا تلبي ما اشترطه سابقا؟

التقط عبدالإله بن كيران، بدوره، اندفاع لشكر للمشاركة في الحكومة وعلق متهكما بأن “أبواب الدخول للحكومة كانت مشرعة لمدة ثلاثة أشهر، فما الذي منعك كل هذه المدة عن الدخول حتى تأتي اليوم وتريد الدخول للحكومة؟”.

رئيس الحكومة المكلف كان براغماتيا في اختياراته وتحالفاته، فاصطاد رئيس حزب الاستقلال حميد شباط ليضغط به في سبيل الوصول إلى ما وصل إليه في تحقيق أغلبية من أحزاب رافقته في التدبير منذ العام 2013، وعض بالنواجذ على حزب التقدم والاشتراكية، ومارس المراوغة مع حزب التجمع الوطني للأحرار ولوح بالاستقالة كعامل ضغط إضافي على الآخرين ليرضخوا.

أما حزب الأحرار فأراد فرض حزبي الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري كأوراق ضغط في التفاوض رغبة منه في حقائب استراتيجية داخل الحكومة، فتم استدراج الحزبين من حيث لا يدريان إلى فخ “الاستوزار” وسراب المشاركة في الحكومة.

حتى امحند العنصر، زعيم حزب الحركة الشعبية المؤهل للمشاركة في الحكومة، لم يعجبه الأمر وقال في تصريحات صحافية إنه “من الناحية المبدئية نحن مع عودة الأغلبية السابقة، لكننا نعتقد أنها غير مريحة عدديا”. لم يفصح الطرف غير المرتاح رغم أن وزراء من حزبه عُزلوا لأسباب مرتبطة بسوء تدبير قطاعاتهم في الحكومة السابقة.

وحاول حزب الأصالة والمعاصرة النأي بنفسه عن النقاش الدائر حول تشكيل الحكومة محملا رئيس الحكومة المعين مسؤولية ما يحدث من تراشق وتخوين، وضرب الأحزاب بعضها ببعض، وخلق البلبلة داخلها، وتردي مستوى النقاش، والمشاورات. حركة نقرأها في سياق الخلل المزمن في علاقة الأصالة مع العدالة والتنمية.

فكيف يمكن لمثل هذه الأحزاب التي لم تقدم وصفة ناجعة في عز الحملة الانتخابية للرفع من نسبة النمو والحد من البطالة، وتطويق آفة التطرف، وفتح علاقات دبلوماسية مثمرة والحد من تدخل المؤسسات الدولية في الشأن الداخلي، واستجلاب انتباه الشباب للعملية السياسية وإعطائه الدافع الحقيقي للمشاركة المكثفة في الانتخابات؟

أحزاب يمكن أن تصبح ألغاما مزروعة في طريق ديمقراطية مازالت تتلمس طريقها وتشوش على مسارها، إذ كيف يمكن لمثل تلك الأحزاب أن تعمل على تفعيل خطابات الملك الخاصة بإصلاح الإدارة والاهتمام الفعال بالوضعية التي تعيشها الفئات المهمشة وتقديم مقترحات خاصة بالرفع من تواجد المغرب داخل أفريقيا والتصدي لمناورات الخصوم؟

كاتب مغربي

8