الأحزاب الوسطية الإسلامية: الوهم الذي خلقه الإخوان للمناورة السياسية

الأربعاء 2014/06/11
لم تكن الأحزاب الإسلامية الوسطية سوى أداة طيعة في يد الإخوان لإبقاء الشارع المصري في حالة تحرك لصالحهم

القاهرة – حطت ثورة 30 من يونيو أخيرا الجزء الأهمّ من رحالها بانتخاب رئيس للجمهورية حظي بتأييد واسع من قبل الجماهير المصريّة بحسب ما أبَانَت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة. لكن القراءة المعمقة لما نتجت عنه هذه الانتخابات (من زاوية قراءة الساحة السياسية المصرية) لم تتوقف فقط عند المرور سطحيا على فوز عبدالفتاح السيسي بالرئاسة، بل تعدّت ذلك إلى الغوص في خلفيات ووظائف تيارات سياسية عديدة نشطت على الساحة المصرية، ومن بينها تلك الأحزاب التي تصف نفسها بأنّها “إسلامية وسطية”.

ساعدت أحزاب الوسط الإسلامية على اكتساح جماعة الإخوان المسلمين للساحة السياسية المصرية بعيد نجاح ثورة يناير 2011 التي أسقطت نظام مبارك، وقد ارتكزت جماعة الإخوان في ظهورها التدريجي في كافة أرجاء مصر على هذه الأحزاب الوسطية التي ترفع شعارات دينية مماثلة لبقية أحزاب الإسلام السياسي كافة. وقد اندست تلك التيارات الإسلامية (مثل حزب الوسط بقيادة أبو العلا ماضي) وسط الجماهير لتمهيد الفضاء لقدوم الإخوان بخطابهم الدغمائي والعاطفي الرامي فقط إلى تحويل الملايين من مُريدي الجماعة إلى أرقام انتخابية لا غير.


أحزاب رديفة للإخوان


بدأت الأحزاب الإسلامية الوسطية في مصر، على غرار حزبي الوسط والنهضة، هذا الأخير الذي أسسته مجموعة منشقة عن جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك حزب الريادة وحزب المستقبل الذي أسسه الداعية عمرو خالد (….) في الاضمحلال شيئا فشيئا مع صعود جماعة الإخوان إلى السلطة.

ومع اشتداد عود الإخوان (نسبيا) في الحكم، دخلت تلك الأحزاب تحت جناح الجماعة وتخلّت سريعا عن وسطيتها، وأصبحت المدافع الأول عن قرارات الإخوان من أجل السلطة والنفوذ. ويشير كمال الهلباوي القيادي الإخواني المنشق إلى أنّه على ذات المنوال لم تحسم مرحلة ما بعد 25 يناير معضلة تيار الوسط في ظل افتقاده لنواة صلبة قادرة على الوصول إلى السلطة أو حتّى الحفاظ على المواقف السياسيّة تجاه الأطراف الأخرى الفاعلة، على الرّغم من حالة السيولة الحزبية الّتي تلت الثورة بتأسيس أحزاب متعددة تنازعت على تمثيل الوسط في الخريطة الحزبية المصرية.

ويرجع الهلباوي ذلك إلى عدة اعتبارات رئيسية أهمها أن المزاج العام لحركة الشارع كانت تميل باتجاه التغيير الراديكالي للقوى الإسلامية، ما جعل خيارات أحزاب الوسط الإسلامي تكاد تتطابق مع القوى السياسية التقليدية ما أفقدها ماهيتها في تصور الشارع، إضافة إلى عجز أغلب الأحزاب الإسلامية عن احتواء الحراك الاحتجاجي للشارع، وأيضا “عدم قدرتها على طرح مبادرات لحشد الرأي العام في مقابل التأثير السياسي القوي للحركات الاجتماعية الجديدة مثل حركة 6 أبريل وحركة تمرد”.

وفي ذات السياق يؤكد العديد من المراقبين أن توجهات تيار الوسط الإسلامي فرضت فعلا، حقيقةً مفادها أن التوجهات الوسطية باتت مرادفا لمهادنة السلطة الإخوانية، وهي مُهادنة مشفوعة بضبابية في المواقف وازدواجية في المعايير.

مع اشتداد عود الإخوان في الحكم دخلت تلك الأحزاب تحت جناح الجماعة وتخلت سريعا عن وسطيتها

إذ يقول الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية عبدالرحيم علي أنّ “هذه القوى لم تعلن تأييدها المطلق لجماعة الإخوان خلال وجودها في الحكم لكنّها كانت حليفة الجماعة ومكتب الإرشاد، وتوافق على جميع ما يصدره الرئيس المعزول محمد مرسي من قرارت سياسية، وفي الوقت ذاته امتنعت قوى الوسط عن المجاهرة بانتقادها أو الانضمام إلى صفوف المعارضة السياسية التقليدية التي تحالفت ضد الجماعة والتي تعرف بـ’جبهة الإنقاذ’، في حين جاهرت أحزاب أخرى مثل حزب الوسط بالدفاع عن الإخوان في مواجهة خصومهم السياسيين، حتى في أقصى مواقف الإخوان تطرفاً مثل حصار المحكمة الدستورية العليا”.


«دمقرطة» مزيفة لنظام الإخوان


“أحزاب الوسط الإسلامي جمعت بين رغبتها في موالاة جماعة الإخوان المسلمين، وبين انتقاد الإخوان لتجميل الشكل النهائي لنظام مرسي من الناحية السياسية”، بهذا التصريح يؤكد القيادي الإخواني المنشق مختار نوح أنّ قوى الوسط كانت موافقة على ممارسات الإخوان في الاحتكار السياسي، وإقصاء المعارضة السياسية، وأخونة المؤسسات، وهو الدور الذي يجب أن تلعبه بالتنسيق مع قيادات الجماعة كي يتمّ تحويل وجهة النظام السياسي المصري كاملا، نحو “الأسلمة” ولكن بطابق تعددي مزيف يصبّ في الاتجاه الأيديولوجي الإخواني بشكل تام.

فرفض التوافق الوطني من جانب، ومعارضة الترتيبات السياسية الّتي تمّ الإعلان عنها في بيان 3 يوليو 2013 من جانب آخر، يؤكدان وجود طائفة من الأحزاب المنتمية للتيار الإسلامي اتجهت إلى وصف توجهاتها السياسية بالوسطية، وذلك لتمييز خطها السياسي عن جماعة الإخوان المسلمين وسائر التيارات الأخرى، لاسيما في ما يتعلق بتبني رؤى تمزج بين الأصالة والمعاصرة ومحاولة تجاوز الجدليات الأكثر تعقيدا، وتحديدا في ما يتعلق بالضوابط الدينية على الحقوق والحريات العامة، وأيضا محاولة تبني منظور يقوم على الدمج بين المواطنة والانتماء، لكن التفاوت ظهر واضحا بين تلك الأحزاب في علاقة بوزنها الشعبي وأطروحاتها السياسية ومدى قدرتها على منافسة جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يؤكد أنها وجدت أساسا لخدمة أجندة الإخوان في “الدمقرطة المزيفة”.

وبالنظر إلى المدرسة التي ترعرعت فيها قيادات الجيل الثاني للإخوان المسلمين، وهي الدول الأنغلوسكسونية (بريطانيا وأميركا أساسا) فإن النظرة إلى “الجهاز السياسي” الذي يدير عجلة السياسة في الدولة يقوم على إنشاء جماعات ضغط معارضة للنظام تقوم بأدوار مختلفة، إمّا أصولية أكثر من الحزب الحاكم أو أكثر اعتدالا، لتبقى كلّ القرارات والمواقف الّتي تتخذ منحصرا في الدائرة الأيديولوجية للنظام ولا تخرج عنه، وللسلطة حينها صلاحيتها في ترجيح كفة على حساب أخرى وفق المتغيرات الدولية والضغوطات الاقتصادية التي تمارس عليها من الخارج أو تلك الاجتماعية والثقافية الّتي تدفع إلى التغيير من الداخل.

لعبت الأحزاب الوسطية الإسلامية دور إضفاء طابع ديمقراطي على نظام الجماعة انكشف بسقوط الإخوان


الموقف الملتبس


تتلخص أطروحات الأحزاب الّتي تسمّي نفسها وسطيّة في مواجهة الاستقطاب الحاد بين التيارات السياسية المتعارضة أيديولوجيّا لحساب الطرف الإسلامي (لاعتبارات في الخطاب السياسي والبرامج والشحنات الأيديولوجية التي تبثها). لكن بسبب مواقف هذه القوى الملتبسة ووجود تجاوزات واضحة تجاه المتغيرات السياسية، تقلّصت قاعدتها الشعبية كثيرا ولم تعد تلقى ذات القبول بين قطـاعات واسعة بين المصريين.

فمتابعة المواقف السياسية الوسطية الإسلامية توضح مدى التذبذب وانعدام الثبات والاتساق في تقييم التحولات السياسية المختلفة، إذ ورغم تأسيسها (ظاهريا) كبديل لجماعة الإخوان المسلمين فإن أغلبها نزع إلى محاكاة الخط السياسي للجماعة، دون طرح بدائل مستقلة قادرة على جذب قواعد تصويتية من المتعاطفين مع الإخوان.

وفي هذا الصدد يمكن التمييز بين عدة أبعاد رئيسية لتوجهات تلك الأحزاب حسب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية بمركز الأهرام علي بكر، من أبرزها التحالف والتقارب مع الإخوان، حيث اتسمت مواقف أغلبية كوادر هذه الأحزاب، وجميعهم تقريباً ضمن فئة المنشقين عن الإخوان، بالتقارب مع منطق الجماعة في الفكر والمنهج، حتّى أن بعض المراقبين ذهبوا إلى القول بأنّ الإخوان كانوا وراء فكرة تكوين هذه الأحزاب من أجل خلق معارضة ملائمة لتوجهاتهم السياسية بعيداً عن المعارضة التقليدية.

13